wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
أضف تعليقاً

عالم التجديد السياسي
عند ابن تيمية
(الولاية وبناء الدولة أنموذجاً)

 

د. خالد سليمان الفهداوي
عضو مجلس النواب العراقي

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد: 
فقد عودّنا المنتدى العالمي للوسطية في المملكة الأردنية الهاشمية على عقد الأنشطة الجادة في كل ما تعانيه الأمة من تحديات، وما تحتاجه من إصلاحات. 
ومن ذلك هذا النشاط الذي نشارك به اليوم، وهو: (مؤتمر وسطية شيخ الإسلام وترجمان القرآن ابن تيمية)، وذلك ضمن المحور الثاني (ابن تيمية.. الفكر والمنهج). 
إنَّ هذا العلم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) ليستحق كل هذا الاهتمام باعتباره علماً بارزاً من أعلام الأمة في مرحلة تاريخية حرجة وحساسة، وربما تزداد الحاجة لدراسة سيرة هذا الرجل ومنهجيته في الفكر والإصلاح في المرحلة الراهنة من تاريخ أمتنا، وهي تجابه التحديات نفسها التي جابهتها في ذلك العصر. 
إنَّ هذا البحث الموسوم (معالم التجديد السياسي عند ابن تيمية) ليبحث جزئية من أهم الجزئيات المتعلقة بالنظام السياسي في الإسلام، من خلال الاطلاع على آراء الإمام ابن تيمية في ولاية المسلمين وبناء الدولة. 
داعين الله سبحانه وتعالى للقائمين على المنتدى العالمي للوسطية بالمزيد من الموفقية.. والله ولي التوفيق

 

تمهيد : في دلالة المصطلحات
(التجديد – السياسة)

أولاً : التجديد 
(1) في اللغة: تصيير الشيء جديداً، وجدَّ الشيء، أي صار جديداً، وهو خلاف القديم. وجدد فلان الأمر وأجدّه واستجدّه إذا أحدثه. 
فهو في عموم اللغة يعني: وجود شيء كان على حالة ما، ثم طرأ عليه ما غيّره وأبلاه، فإذا أعيد إلى مثل حالته الأولى التي كان عليها قبل أن يصيبه البلى والتغيير كان ذلك تجديداً( ).
(2) أما في الشرع، فإنه التجديد اللغوي عينه، مضافاً إليه ما تقتضيه طبيعة الإضافة إلى الشرع من مدلول خاص، ومعنى جديد. والحقيقة أنَّ عبارات العلماء تنوعت فيه، وصار كل واحد منهم يصيغ تعريفه حسبما يراه مناسباً، غير أنها بمجموعها لا تخرج عن المعاني الآتية:
• المعنى الأول: إحياء ما اندرس وانطمس من معالم السنن، ونشرها بين الناس، وحمل الناس على العمل بها.
• المعنى الثاني: قمع البدع والمحدثات، وتنقية الإسلام مما علق، والعودة به إلى ما كان عليه زمن الرسول () وصحابته الكرام. 
• المعنى الثالث: تنزيل الأحكام الشرعية على ما يجدّ من وقائع وأحداث، ومعالجتها معالجة نابعة من هدي الوحي. 
وهذا المعنى الأخير يتناسب والظرف الذي نعيشه، في ظل المتغيرات والمستجدات التي تواجهها الأمة، وكذلك التقدم العلمي والمعرفي الهائل، ومايصحبه من الغزو الفكري والثقافي الذي يحتاج الأمة (وقد تعاني منه). 
يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة: ((ليس المراد بالاجتهاد والتجديد: الإلغاءُ والتبديلُ، وتجاوز النص، وإنما المراد هو الفهم الجديد القويم للنص، فهماً يهدي المسلم لمعالجة مشكلاته وقضايا واقعه في كل عصر يعيشه، معالجة نابعة من الوحي))( ). 
والذي نفهمه من التجديد هو تمكين الأمة، واستلام زمام المبادرة، والقوة بعد الضعف، والتمكين بعد اليأس، وهو الدافع المهم للمبادرة الحضارية للأمة الإسلامية، باعتبارها قوة التوازن المحورية، عبر إحكام صلتها من جديد بسنن الآفاق والأنفس والهداية، التي تتيح لها المزيد من الترقي المعرفي والروحي والسلوكي والعمراني.
ثانياً : السياسة 
(1) في اللغة: من السوس، يقال سُستُ الرعية سِياسة. وساسه سياسةً: رأسَه ودبّره وقام بأمره. والسياسة فعل السائس. وساس الوالي الرعية إذا دبّر أمرها( ). والسياسة: مصدر ساس يسوس الدواب: راضها وعني بها.
(2) أما من حيث الاصطلاح فهي تعني: القيام بالشيء بما يصلحه ويرعاه. وهي في الشرع: ما يكون من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرّعه الرسول () أو نزل به الوحي.( )
وعرفها بعض العلماء بأنها: رعاية شئون الأمة بالداخل والخارج وفق الشريعة الإسلامية( ).
ثالثاً : السياسة الشرعية
اختلف الفقهاء في تحديد معنى (السياسة الشرعية) على أربعة أقوال، هي:
 
• الأول: أنَّ الشريعة هي السياسة، ونصوص من الكتاب والسنة تفي بها.
• الثاني: أنَّ السياسة هي عقوبة مغلظة، أو هي التعزير.
• الثالث: أنَّ السياسة هي تحقيق المصلحة فيما لم يرد فيه دليل جزئي.
• الرابع: أنَّ السياسة العادلة هي من الشريعة الإسلامية( ).
المقصود بالتجديد السياسي:
ومن خلال ما تقدم نستطيع أن نشير إلى أنَّ المقصود بالتجديد السياسي هو رعاية مصالح الأمة ومعالجة القضايا والوقائع والأحداث المستجدة بما يجعلها قريبة من الإصلاح وبعيدة عن الفساد. على أن تتم تلك المعالجة في إطار الشرع الحنيف.

لابد من المعرفة أولاً أنَّ شيخ الإسلام هو: تقي الدين أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، بن تيمية الحراني الدمشقي. ولد في حران عام 661هجرية. ثم تحول به أبوه إلى دمشق مع والدته وإخوته عام 667هجرية؛ بسبب تدهور الأحوال في حرّان وما حولها بعد استيلاء التتار عليها.
وقد نشأ ابن تيمية في أسرة اشتهرت بالعلم والفضل، فاخذ ينهل منها مختلف العلوم، ولم يقتصر على التلقي عنها، وعن المعاصرين له من أهل العلم، بل اتجه إلى كتب من سبقه من العلماء حفظاً واطلاعاً، وقد رزقه الله تبارك وتعالى حافظة نادرة بحيث إنه كان يمر بالكتاب مطالعة مرة، فينقش في ذهنه، وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه، فتأهل للفتوى والتدريس وهو دون العشرين سنة( ).
وقد عاش ابن تيمية رحمه الله في مرحلة تاريخية هامة من تاريخ أمتنا، وهي تجربة معقدة في ذات الوقت. 
فقد عاش الرجل المرحلتين، مرحلة وجود الدولة على ما فيها من ضعف وتردٍ. وعاش مرحلة انهيار رمز الدولة بسقوط الخلافة عبر سقوط عاصمتها (بغداد) على يد التتار، عام 656هجرية. 
كما إنَّ الدولة الإسلامية على سعتها الجغرافية لم تكن بذلك التماسك المطلوب، بل كانت تمثل مجموعة من دويلات الطوائف وإمارات التنازع. ومن هنا صارت التحديات التي تواجه العلماء الأعلام من أمثال ابن تيمية كبيرة وعظيمة. وهنا نجد الدور التجديدي الرائع لهذا العلم الهمام، والذي استطاع أن يميز شخصية ابن تيمية التجديدية، كونه نشأ في عصر اعترته أحداث جسام، ومتغيرات كبار، ومتغيرات كثيرة، وكان العالم الإسلامي فيه يموج باضطرابات سياسية وفكرية لم يسبق لها مثيل، والتي يمكن تلخيصها بما يأتي: 
(1) الغزو الصليبي للعالم الإسلامي.
(2) ظهور التتار واجتاحهم للعالم الإسلامي.
(3) ظهور الباطنيين وارتفاع شأنهم.
(4) انتشار جملة من الشركيات في جملة من أنحاء العالم الإسلامي.
(5) علو شأن الفلسفة الإغريقية.
(6) بداية ظهور التقنين ماتبقى.
(7) فانبرى ابن تيمية لجملة من هذه التحديات، وواجها بلسانه وقلمه، بل ربما بسيفه ويده حيث اقتضى الأمر ذلك، منطلقاً في ذلك كله من أصول الإسلام العظيم، ومطبقاً لقواعده وأسسه. 
ولا شك أنَّ لكل ذلك انعكاساته السياسية التي كان شيخ الإسلام ابن تيمية يخوض مشوارها العسير. حيث عاش الرجل مناقشاً ومجادلاً ومحاوراً في مرحلة ما قبل انهيار الدولة، وكان له دوره الرائع من خلال ما ظهر من مؤلفاته وكتاباته. وكان من أهمها كتاب (منهاج السنة النبوية) و(موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)، وغيرها.
أما بعد انهيار العروة الأخيرة وهي الحكم فقد ظهر هذا العالم الجليل منهجية جديدة في التعاطي مع المجتمع، ومع المخالفين. وذلك في كتبه التي يعد من أهمها: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، رحمة أهل البدع والمعاصي، قاعدة في جمع كلمة المسلمين، الخلافة والملك، وغيرها.
أما ما يتعلق بالمؤسسة الشرعية فقد كانت مشغولة غالباً بالجدل، وكانت غير مواكبة لحجم التحديات، فلم يكن الشأن السياسي يعنيها بأي حال من الأحوال، بينما كان شيخ الإسلام ابن تيمية معنياً بهذا الأمر، إذ وضع كتابه ذائع الصيت (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية). 
لقد كان ابن تيمية مدركاً لمرحلة الملك العضوض الذي يعيش فيه، كما إنه كان في أشد مراحل الإدراك لضياع الخلافة، لذا تحرك بكل جدية لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم. 
وقدّم ابن تيمية نظرة واقعية إلى موضوع السلطة شبيهة بنظرة المؤرخ الاجتماعي ابن خلدون، إذ فصل مختلف الأنظمة السياسية التي مرت على العالم الإسلامي، عن خلافة النبوة، التي استمرت ثلاثين سنة فقط، وأنها اختلطت بعد ذلك بالملك أو تحولت إلى ملك خالص. واعتمد ابن تيمية في تحليله التاريخي لمسألة السلطة على قوله (): (("تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكاً عضوضاً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت))( ). 
ومن هنا صرّح شيخ الإسلام بأنَّ شوب الخلافة بالملك جائز في شريعة الإسلام، وأنَّ معاوية ()  قد شابها الملك، وليس هذا قادحاً في خلافته، كما أنَّ ملك سليمان  لم يقدح في نبوته وإن كان غيره من الأنبياء فقيراً( ).
أما فيما يتعلق بنموذج الدولة، فقد قام شيخ الإسلام بدوره الرائع في الدفاع عن حياض الإسلام بعد أن أدخل زحف التتار نحو المسلمين الخوف والرعب، وظنَّ الأكثرون أنَّ التتار لا يقف في وجههم أحد، واستولى اليأس من النصر على الحكام، فضلاً عن العامة، وشرع الناس في الهرب، فحمل ابن تيمية راية الجهاد وأخذ يحضُّ الناس على مواجهة التتار، وبيّن لهم أسباب النصر.. بل كان يشارك في حرب الصليبيين، وأظهر في فتح عكا بطولة وشجاعة نادرين، حتى حدثوا أنهم ((رأوا منه في فتح عكا أموراً من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره))( ).
ومع ما سبق فإنَّ أهمية النتاج الفكري السياسي تتضح من خلال الجهود النقية التي قدمها الرجل، فمع أنَّ شيخ الإسلام قد اطلع علة الكتب التي سبقته في الفقه السياسي والإداري مثل كتب الماوردي، وأبي يعلى، وأبي المعالي الجويني، والغزالي، وفخر الدين الرازي، والنسفي، وبدر الدين ابن جماعة، غير أنه لم يكن يعول على تلك الكتب كثيراً؛ لاختلافه معها في عدد من المسائل( ).

قبل أن أبدأ بالإشارة إلى مضمون هذين المصطلحين المهمين في علم السياسة الشرعية أود أن أشير إلى أنَّ الخوض في مصطلحي (الولاية) و(بناء الدولة) ومعالجتهما في فكر شيخ الإسلام ربما يحتاج كل واحد منهما إلى مئات الصفحات، ولذا فإنني سأركز على بعض الإشارات المهمة، بما يحقق الغاية المرجوة من التجديد السياسي في فكر شيخ الإسلام.
ثم إنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية (كما تقدمت الإشارة إليه) قد قدّم جهوداً رائعة في تأصيل قواعد وجزئيات الفقه السياسي من خلال مؤلفاته القيمة، مثل ((السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية))، وهو كتاب له قيمته بين مصنفات فقه السياسة الشرعية نهجَ فيه نهجاً مغايراً لمن سبقوه، وقّعد فيه القواعد للسياسة العادلة والولاية الصالحة لما لم يسبق إليه من تأصيل للفكرة وتفريع عليها. و((الحسبة في الإسلام))، والذي يتصل بتطبيق مبدأ ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))، وهو غاية الولايات في الدولة الإسلامية. وكذلك ((منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية))، وهو كتاب جدلي، وضعه أساساً لهدم المعتقدات الواردة في كتاب ابن المطهر الحلي، وتعرض فيه للولاية السياسية والخلافة الراشدة. فضلاً عن ((قاعدة في الفرق بين الخلافة والملك)).
غير أنه (مع كل ذلك) لا يمكن الوقوف عند هذه الكتب لبيان رأي ابن تيمية، فقد كان (رحمه الله) موسوعياً، له استنباطات ذات قيمة فيما يتصدى له من تفسير يهمنا منها الآيات المتعلقة بالولاية السياسية، وتعليقات وتعقيبات واستنتاجات لبعض الأحاديث المتصلة بالسلطة، وله اختياراته الفقهية في مجالات متعددة. يضاف إلى ذلك فإنَّ شيخ الإسلام قد ترك مؤلفات كثيرة، ومتنوعة، وأسلوبه في معظمها يتسم بكثير من الإسهاب والاستطراد في المسائل الفرعية، الأمر الذي يجعل الباحث يبذل جهداً مضاعفاً لتكوين صورة متكاملة عن حقيقة أفكاره، حتى يلم بشتات هذه الصورة من مؤلفات كثيرة. فضلاً عن أنَّ طريقته في التأليف طريقة جدلية، حيث يدخل في نقاش هامشي، ويعرج على مسائل فرعية( ).

المطلب الأول
التجديد السياسي للولاية

للإمام ابن تيمية جهود عظيمة فيما يتعلق بموضوع (الولاية) الذي يعد المرتكز الأساس في بناء الدولة واستقرارها وديمومة الحياة، وعموم الأمن والرخاء والتعايش فيها؛ لأنها جزء من الطريق إلى النظام، الذي لا يستقيم أي مجتمع مثالي إلا به. 
ولا أريد في هذه العجالة التركيز على الجهود السياسية التي تتضح فيها معالم التجديد، وإعمال الفكر، والتدبر والتأمل بواقع الأمر، الذي يفرض جملة من الآراء، والتصورات في إطار ما يسمى عند العلماء بـ(فقه النوازل) أو (فقه الواقع)، الذي صار له أثره في تجسيد خاصية صلاحية الإسلام لكل زمان من الأزمنة، وأي مكان من الأمكنة. 
وتبعاً لعظمة تلك الجهود، وصعوبة التطرق إليها جميعاً فإنني سأتطرق إلى ثلاث مسائل، مع نيتنا المستقبلية في إعداد دراسة شاملة لدراسة الفكر السياسي عند شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله).
• الولاية، نصٌ واختيار؟ في الفكر السياسي لابن تيمية
الولاية في فكر الإمام ابن تيمية: هي أن يقام على الناس خليفة ووالٍ، يلي أمورهم وينفذ فيهم حكم الشرع( ). 
والصواب عند الإمام أنَّ تنصيب الإمام واجب، وأنه لا يمكن أن تكون الأمة هكذا ليس عليها والٍ، كما قال:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم    ولا ســراة إذا جهــالهم سـادوا

ولا يمكن أن تبقى الأمة بدون ولاية؛ ولهذا قال العلماء: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، ولو كان ظالماً لكن ظلمه على نفسه، لكن قد علق الله تعالى بولاة الأمور مصالح عظيمة: إقامة الحدود، وإنصاف المظلوم من الظالم، ورد الحقوق إلى أهلها، والأخذ على يد المجرمين، واستتباب الأمن؛ ليأمن الناس على دمائهم، وأموالهم، ونسائهم( ). 
وقد أكد العلماء على أنَّ الحاكم أو الوالي في الدولة الإسلامية ركن في الدولة لا بد منه، بل هو أساس الدولة التي لا تبنى إلا عليها، ولا تقوم إلا بها( ).
وفي هذه الجزئية يمكن أن يتضح الدور التجديدي للإمام ابن تيمية من خلال إقراره بالخلافة والولاية المنصوص عليها نصاً. ولعلَّ خلافة أبي بكر الصديق () هي المرجع الأساس لهذه الفكرة التي ينتصر إليها. فقد اختلف ابن تيمية عن جمهور الفقهاء في قوله بثبوت إمامة سيدنا أبي بكر () بالنص وبالاختيار معاً. يقول شيخ الإسلام: ((إنَّ أبا بكر كان أخصُّ الناس بمحمد ()، فهذا النبي وهذا صدّيقه. فإذا كان محمد أفضل النبيين فصدّيقه أفضل الصدّيقين. خلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصريحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسول الله () بها. وانعقدت بمبايعة المسلمين له، واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله، فصارت ثابتة بالنص والإجماع معاً...))( ).
ولم يذكر أنَّ الإمامة هي خلافة للنبوة، وذلك راجع إلى رأيه القائل بانقضاء الخلافة التي هي على منهاج النبوة مع انتهاء فترة حكم الخلفاء الراشدين. ولكن مع كون الخلافة عنده انتهت بعلي ()  فهو يقول بوجوب وجود الرئيس في الأمة، ولا يلجأ إلى جعل (قصة اختيار أبي بكر في سقيفة بني ساعدة) أساساً يقيس عليه تأسيس نظرية الإمامة أو الرئاسة العليا، ولكنه قال بضرورة وجود رئيس للأمة على أساس جديد. وهذا أمر معروف عن شيخ الإسلام (رحمه الله). وهذا الأمر يتلخص عنده: أنَّ ضرورة وجود الرئيس في كل مجتمع هي نتيجة طبيعية باعتبار كون الإنسان مدنياً، وذلك كما يقول أرسطو. وعلى هذا فالرئاسة عنده ضرورة اجتماعية. 
ويردف هذا أنَّ وجود الرئاسة أمر شرعي باعتبار أنَّ كل إنسان عليه من التكاليف والأعمال بحسب قدرته، ومن هنا فعلى ذوي السلطان ما ليس على غيرهم من ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الذي يعتبر مدار الشريعة عليه) وبالتالي فإنَّ أقدر الأمة في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون هو الإمام الأعظم، وهذا ينبني على ما يمتلك من قدرات واقعية ذاتية، وهذا القائم في موقعية الإمامة حصل له ذلك نتيجة تملكه أكبر وأكثر القدرات في الأمة، هذا بالإضافة إلى كون الشرع أمر بطاعته بما ترتب عليه مضاعفة قدرته وسلطاته نتيجة تعزيز الأمر الشرعي للوضع الطبيعي القائم.
ومن هنا فإنَّ ابن تيمية لا يعتني بالبحث عن القالب الذي تنعقد به الإمامة كما فعل عامة الفقهاء، حيث إنَّ شرعية الإمام عندهم تتعلق على صحة الانعقاد والتولي بالكيفية التي ذكروها.

• طريقة الولاية في الفكر السياسي لابن تيمية
لعل القول السائد في عصر ابن تيمية والعصور الخالية أنَّ الولاية (أو الخلافة) لا تتعدى أن تكون صحيحة إذا توفرت فيها جملة من الشروط المتحتم وجودها في شخص الرجل المختار للولاية أو الخلافة، كالإسلام، والذكورية، والعلم، والعدالة، والقرشية. أو تكون الولاية باطلة إذا فقد منها شرط مما تقدم ذكره. ودرج العرف على عدم وجود رأي للتوسط بين الصحة والبطلان. 
والحقيقة أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية لم يذكر في (السياسة الشرعية) مسألة تنصيب الإمام؛ لأنَّ الخلافة الراشدة انتهت في نظره خلال السنوات الثلاثين الأولى بعد وفاة الرسول الأعظم ()، ولن تعود ثانية. 
إضافة إلى أنه كان يعتقد أنَّ الإمامة فيما بعد العصر الراشدي كانت قائمة على الغلبة و السيطرة، إذ يقول: إنَّ الإمام هو من يقتدى به، وصاحب يد وسيف يطاع طوعاً وكرهاً. ويقول أيضاً: إنَّ الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان، سواء كان عادلاً أو ظالماً.
وقد بنى شيخ الإسلام ابن تيمية من خلال ذلك على جواز قيام الأنظمة السياسية على أساس القوة والقهر والغلبة( )، ويؤكد: أنَّ الإمامة تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإنَّ المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان. وأما نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة، ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله كسلطان الخلفاء الراشدين، وقد تحصل على وجه فيه معصية كسلطان الظالمين.
وإذا كان مبدأ القوة والغلبة الذي طرح نفسه كمبدأ من مبادئ الحكم قبل ابن تيمية بوقت طويل، حتى أن مفكراً كبيراً كالماوردي أقر العمل والتعاون مع سلطان اغتصب الحكم لنفسه، أو جعل الخليفة صورة باهتة لا شأن له في القضايا الدنيوية، أو في الحياة السياسية وأحاله رمزاً تسك العملات باسمه ويدعى له من منابر صلاة الجمعة، وربما وضعه كواجهة في بضعة فعاليات دينية ليس إلا. فإنَّ هذا المبدأ صار مصطلحاً متداولاً بسبب تركيز شيخ الإسلام عليه( ).
لقد كان ابن تيمية يعتقد أنَّ الإمامة تقوم على أساسين هما: (القوة والأمانة) بناء على نصوص قرآنية ورد فيها ذكر القوة قبل الأمانة مثل قوله تعالى ((إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ))( ) وقول صاحب مصر ليوسف (): ((إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ))( ).
ومن هنا فقد جمع ابن تيمية صفات الولاية في صفتين رئيسيتين هما: القوة، والأمانة. 
وهذا مختلف فيه عند فقهاء الإسلام، الذين اشترطوا صفات عديدة في الإمام، أو عينوا طرقاً محددة لتولي السلطة، مما أشرنا إليه قبل قليل.
والذي يبدو أنَّ القول بانعقاد الولاية بطريقة القوة والقهر حاصل من عدم اشتراط ابن تيمية للشورى في الحكم والولاية؛ لأنه يعتقد أنَّ الأمة الإسلامية قد أصابها من الانحراف، وتدهور الحال ما أفقدها رصانة رأي أبنائها، مضافاً إلى ذلك استناده على ما ورد من أحاديث تتعلق بغربة الإسلام، وتتحدث عن أفضلية القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. فقد كان ابن تيمية يعتقد أن الأمة الإسلامية ليست كلها على الحق ولا هي مضمونة النجاة، وإنما بعض منها ممن يشكلون (الفرقة الناجية).
ويؤكد بعض الباحثين أنه لم يكن مفهوم (الأمة) عند ابن تيمية بالمعنى المعروف المتبادر، أي الجماعة الشاملة التي تتخذ الإسلام ديناً لها، بكل فرقها، وكما تكونت وتطورت في الواقع التاريخي، بل كان معنى (الأمة) عنده هي الجماعة الجزئية التي تسمى في الغالب (جماعة أهل السنة) أو الفرقة الناجية كما أشرنا قبل قليل. وبما أن هؤلاء لا يشكلون بالضرورة الأغلبية دائماً، وخاصة في زمان "اغتراب الإسلام" فقد كان من المستحيل أن يحتكم ابن تيمية إلى الشورى والأغلبية، أو يشترط حصول الإمام على رضا الأمة، وكان من الطبيعي أن يميل إلى نظرية القهر والغلبة، و يضفي نوعاً من الشرعية على حكومات الأمر الواقع، بغضّ الطرف عن الطريقة التي استولت فيها على السلطة.
لقد أدى الفكر التجديدي لابن تيمية وتحليلاته الثاقبة لواقع الأمة إلى ما يسمى (نظرية الغلبة والقهر في تعيين الإمام)، إذ يدل هذا التاريخ عنده على أن معظم الأئمة جاءوا نتيجة القهر والغلبة. ولم يحدث انتخاب على الطريقة الديمقراطية وفق مفهومها الحديث. وعندما حدث نوع من المبايعة، فقد كانت هذه المبايعة لاحقة على تمكن الإمام من السلطة، أي أن البيعة جاءت لتأييد أمر واقع وكتصديق عليه باستثناء حالات معدودة. 
ولقد أصبح القهر والغلبة هو الطريق الأساسي لانعقاد الإمامة عند الأحناف المتأخرين نظراً لرضوخهم الواضح تجاه سياسة الأمر الواقع، ومن هنا فلم يعولوا كثيراً على الإجراءات الفقهية كالبيعة والاستخلاف. ولكن رغم ذلك لم يتخلوا عن التصور المثالي لانعقاد الإمامة، واعتبروا أنَّ تحقق نظام الحكم المثالي لا يتأتى إلا إذا توفرت شروط الإمامة في الإمام الحاكم وإن كان هذا لا ينفي شرعية القهر والغلبة.
• صفات الوالي في الفكر السياسي لابن تيمية
ركزت فيما مضى على ملخص الفكرة التي تقوم عليها نظرة شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) فيما يتعلق بصفات الوالي، وقلت هناك بأنه يشترط في الوالي صفتين: (القوة) و(الأمانة).
ولكن التركيز هنا سيكون على تفاصيل تلك الفكرة، وما قدمه الإمام ابن تيمية في ذلك. فإنه يؤكد على أنَّ الحال الأمثل هو الاهتداء إلى القوي الأمين الصالح لأداء المناصب، لا سيما المناصب القيادية، بكفاءة تضمن أفضل أداء، وكذلك العدل في التطبيق. بيد أنَّ تحقيق مثل هذا الأمر ليس أمراً واقعياً في مطلق الأحوال. ومن هنا يقول ابن تيمية في فصلٍ خاص عقده في مجموعه فتاواه، أشار فيه إلى أنَّ اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ونقل قول سيدنا عمر بن الخطاب (): ((اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة)) ثم قال: ((فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإن تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلها ضرراً، فيقدم في أمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فجوراً فيها على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً...))( ). 
غير أنَّ هذا التأصيل الذي يؤكد عليه شيخ الإسلام سبق أن تطرق إليه بعض الفقهاء، وخاصة أصحاب المدرسة الفقهية الحنبلية، حيث يؤكد الإمام أحمد بن حنبل () وينقله الإمام ابن تيمية نفسه حينما سئل عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، أما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر( ).
ويستشهد ابن تيمية بحديث للرسول (): ((إنَّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر))( ). وأيضاً كان الرسول ()  يستخدم خالد بن الوليد ()  في الحرب، وقال: ((إنَّ خالداً سيفاً سله الله على المشركين...))( ) مع أنه كان يفعل ما ينكره أو يكرهه الرسول (). ومن جهة كان أبو ذر الغفاري () أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا قال الرسول () له : ((يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم))( ). وكذلك نهى أبا ذر عن المناصب العليا لأنه رآه ضعيفاً مع أنه قال يوماً في أبي ذر: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر))( ).
ونرى ابن تيمية يستخدم بمهارة تقنية عالية هذه الآيات والأحاديث ليدلل على ضرورة استخدام الحكمة واللين في موضع، ولكن مع ضرورة استخدام القوة والشدة في موضع آخر، ولربما من الأفضل أن يتمتع المرء بصفات قيادية يستخدم المرونة في وقتها، والشدة في موضع آخر. وربما من الأفضل أن يتمتع المرء بصفات قيادية يستخدم المرونة في وقتها والشدة عندما تحين ساعتها، ولكن من الجائز استخدام القوي في المناصب التي تحتاج إلى القوة والحصيف اللين في المناصب التي تتطلب ذلك. ومعرفة ذلك إنما هو من صلب مهام الحاكم الكفء، ولكننا في مقاييس عصرنا الراهن نفضل أن نرى ذلك ضمن القوانين والأنظمة وضمن سياقات ثابتة محددة، فذلك أدعى للثقة بسلطة الدولة والحاكم وقطعاً لدابر الصدف وسوء الاختيار والأمزجة( ).
وكان قد شاع في السياسة العربية الإسلامية تقليد سار عليه الخلفاء الراشدون، أنَّ الحاكم، أو القائد الأعلى إذا كان شديداً، كان نائبه يميل إلى اللين وبالعكس، لذلك نرى أنَّ ابن تيمية (رحمه الله) لا يغفل عن ذكر الأحداث التاريخية كسوابق وكأدلة واقعية على نجاح السياسة في هذا المجال والخبرات المتراكمة، فيذكر أنَّ الخليفة أبا بكر الصديق () المسالم اللين، كان يميل إلى استخدام خالد بن الوليد () الشديد في حروب الردة، في حين آثر عمر بن الخطاب ()  الذي كان شخصياً على جانب من القوة والشدة، آثر استخدام أبو عبيدة الجراح () الذي كان يميل إلى اللين. ولكن أبا بكر أظهر من الشجاعة وثبات الجنان والقدرة على الصمود وسط المصاعب التي خلفتها حركة الارتداد وحروبها بعد وفاة الرسول () بما يكفي لحفظ الحركة والدولة الإسلامية الناهضة بل وتوسيعها في جميع الاتجاهات( )

المطلب الثاني
التجديد السياسي لبناء الدولـــة

من نافلة القول هنا الإشارة إلى أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية من عدد قليل من علماء الأمة الإسلامية، ممن كانوا يمثلون ثوابت وشواخص واضحة للصراع الحضاري، الذي احتدم بين الإسلام والقوى الأخرى. يضاف إلى ذلك أنَّ الفترة التي عاشها ذلك الإمام كانت من أحرج الفترات التي مرَّ بها عالمنا الإسلامي، فقد هجم التتار على الدولة الإسلامية، وقتلوا فيها مليون نفسٍ في يوم واحد، ووضعوا أنفس مخطوطاتها في نهر دجلة، تزامن ذلك مع تكثيفٍ في الهجمات الصليبية التي تمخض عنها احتلال بيت المقدس. 
وصار حال الأمة يشهد مزيداً من التدهور والضياع، وضاعت الأمة، وانحل عقد دولة الإسلام. وكان لا بد أن يقوم العلماء بواجبهم في بناء هيكل الدولة الإسلامية التي انهارت حضارتها آنذاك؛ بسبب استسلام أجيال الأمة وتواكلهم وكسلهم وخضوعهم. 
فما هي تلك الجهود التي قدمها شيخ الإسلام لبناء دولة الإسلام؟ وما هي ملامح التجديد التي يمكن أن نشاهدها في معالجة الفراغ الدستوري الذي نشأ في ذلك الزمن العصيب من تاريخ الإسلام؟
المقصود بالفراغ الدستوري: هو شغور منصب الحاكم السياسي في الأمة، ممثلاً بالرئيس أو الأمير أو الخليفة( ). 
ومعروف ما يؤديه هذا الخلل من فوضى واضطراب وتنازع، باعتبار أنَّ رأس الدولة يمثّل النائب عن الأمة في تنفيذ أحكام الشرع، وسياسة الدنيا لتحقيق أهداف البناء الاجتماعي، الذي عمل لإنجازه المنهج الإسلامي.
وإذا كان الاحتلال الصليبي قد شلَّ قوة المسلمين، وزعزع ثقتهم بأنفسهم، واستطاع أن يعمل على انبثاق عدد من الدويلات في إطار الدولة الإسلامية الواحدة، وصار الفراغ الدستوري في الدولة شاهداً وحاضراً.. أقول: إذا صار ذلك واقعاً، فما هو موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من ذلك؟ هل يمكن له الوقوف منعزلاً في إطار الاستسلام للخراب الذي حل بالأمة أم يعمل فكره جاهداً في سبيل خروج الأمة من أزمتها؟ 
لقد رفض شيخ الإسلام ابن تيمية النظرة القائلة بأنَّ المسلمين جميعاً ينبغي أن تكون لهم خلافة واحدة، واعتبر (بفكره السياسي التجديدي الرائع) أنَّ ذلك غير ممكن في ظل ما كانت تشهده الأمة آنذاك، وانقسام المملكة الإسلامية إلى دويلات متعددة، وكان (رحمه الله) يرى أنَّ الوحدة الحقيقية للمسلمين التي تحققت سياسياً زمن المسلمين الأوائل، [الذين قامت دولة الإسلام على أكتافهم، بفضل الجهود التي قدموها] لا تتحقق من خلال وحدة سياسية وهمية، ولكنها تتمثل في التضامن الذي يتحقق بانتمائها جميعاً إلى كل عضو متماسك( ).
وإذا أردنا التركيز على أسباب ودواعي نشوء ذلك الفراغ الدستوري في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه لا يمكن تناسي تداعيات الأزمة التي مرّت على الأمة في سقوط بغداد عام 656 هجرية، وهي عاصمة الخلافة، ومنبع العلم، ومأوى العلماء، ودار السلام. وما أعقب ذلك السقوط من كوارث باعتبارها تمثل قلب الأمة الإسلامية، وعاصمة دولتها العالمية، التي كان يخاطب فيها هارون الرشيد السحابة المارة في سمائها، قائلاً: أمطري حيث شئتِ، فسيأتيني خراجكِ. 
وعندما سقطت العاصمة، فلا بد أن يحدث هذا السقوط اهتزازاً في الحكم وفعلاً فقد حدث نفس الشيء للحاكم السياسي؛ فقد انتهت الخلافة في بغداد آنذاك، وقتل التتار أهل الحل والعقد في أمة الإسلام( ).
ولعل هذا كله يقود إلى معرفة أهمية ملء الفراغ الدستوري، مع ضرورة التركيز على المنهجية السياسية التجديدية التي ركز عليها شيخ الإسلام ابن تيمية في ملء ذلك الفراغ. 
إنَّ من يتمعن في جهود الإمام يجد تركيزه على موضوع (الوالي) أو (الإمام) أو (الخليفة). وتقدم النقل عنه بأنه يرى في وجود الإمام ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال. ولكنه في الوقت ذاته يحثُّ الولاة على إقامة دين الله تعالى، وتحري العدل الذي شرّعه الله عز وجل في إقامة الحدود المشروعة، وأنهم لو أقاموها لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة أو العقوبات الجائرة( ).
ويرى ابن تيمية أنه ينبغي على ولاة الأمر في سياسة رعيتهم أن يجتهدوا في استمالة قلوبهم، وأن ينفقوا عليهم، والبذل للرعية بما يرغبهم في العمل الصالح من مالٍ أو ثناءٍ أو غير ذلك، والإحسان إليهم بفعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، وأن يرفق بهم، وينبّه إلى الحكمة السياسية الشرعية العادلة في تشريع العقوبات وفرضها: ((إنَّ العقوبات شرّعت داعية إلى فعل الواجبات، وترك المحرمات))( ).
لقد قدّم شيخ الإسلام جهوداً طيبة في آثاره ومؤلفاته، وضّح من خلالها صفات الخليفة الراشد (الوالي) وخصائصه، وشروطه، ومواصفاته، التي يصير من خلالها إماماً معتبراً شرعاً. و((لقد شعر رحمه الله بأهمية الإمارة في الأمة؛ فدعا إلى تعزيز روح العمل الجماعي، وأصّل القواعد التي تكونُ منطلقاً للجمع بين المسلمين، حيث اعتبر التكتل فرضاً شرعياً في الفقه السياسي الإسلامي، حيث أوجبه الشارع في السفر، وهو في الأمور الأكبر أدعى وأوجب))( ). 
وفيما يتعلق بمعرفة المنهجية السياسية الحكيمة التي مارسها الإمام ابن تيمية في ملء الفراغ الدستوري، فإنه قبل ذلك كله لا بد من الإشارة إلى أنَّ هذا الإمام كان قد فقه المراحل التي مرت بها الأمة.. فقد عاش في المرحلتين، الأولى هي وجود الدولة. والثانية مرحلة ضياع السلطان السياسي الإسلامي. وقد كان ابن تيمية عارفاً تمام المعرفة بظروف المرحلة، فقد كان في الأولى ممارساً لواجبه الشرعي في نصح السلطان، وتبيين أخطائه. مضافاً إلى ذلك دوره في توجيه الأمة في العقيدة والعبادة والسلوك. أما في المرحلة الثانية فقد تجاوز مرحلة الصراع الداخلي فوجّه كل قواه لإدارة ماكنة الصراع باتجاه الخارج، فبنى أواصر الثقة والتعاون مع المشارب الإسلامية والصوفية، وتجول على السلاطين في مصر والشام؛ في سعي منه لبلورة الجمع الإسلامي العام، الذي تتم به مواجهة تحديات المرحلة( ).
وأما منهجية ملء الفراغ، فيقول في حقيقتها: إنَّ بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس. 
والحقيقة أنَّ هذه الفكرة العقلية لها ما يعضدها مما جاء في السنة النبوية، منها قوله (): ((إِذَا خَرَجَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ))( ). وقال النبي () أيضاً: ((لا يَحِلُّ لِثَلاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلاةٍ إِلا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُم...))( ). قال ابن تيمية (رحمه الله تعالى): ((...وقد أوجب النبي () تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر فهو تنبيه على أنواع الاجتماع. والواجب اتخاذه ولاية القضاء دينا وقربة فإنها من أفضل القربات...))( ).
لقد كانت لشيخ الإسلام منهجية واضحة ودقيقة في العمل على ملء الفراغ الدستوري بالمؤهل شرعاً له، وذلك عبر بنائه الجمعي ونظرته المتوازنة للمذاهب الإسلامية، التي عبر عنها، خصوصاً في كتابه ذائع الصيت (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) والذي اعتبر فيه مدارس الفقه منظومات اجتماعية متكاملة، تعبّر عن نماء فكري وتنوع اجتهادي مقدّر، خاصّة أنَّ المذهبية في الوسط الإسلامي وبالتحديد في ذلك العهد تمثل ثوابت وبُنى لا يمكن تجاوزها بحال.
يترافق مع كل هذا منهجية ابن تيمية في تأصيل حلّ لكل ما يعاني منه المجتمع الإسلامي من تحديات؛ فقد أعاد الاهتمام لموضوعة الدولة والسياسة الشرعية، وعمل على بناء الأمة المجاهدة عبر حركته على السلاطين وجميع القوى الاجتماعية في الأمة لغرض بناء حشد من المجاهدين. 
وفضلاً عن ذلك عالج شيخ الإسلام ظاهرة تقسيم المجتمع الإسلامي، ورسم خطوطاً منهجية للحل. لا سيما معالجته في كتابه الرائع (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) للصراع الطويل المحتدم بين مدرسة العقل والنقل، والتي أدى الصراع في النهاية إلى عزل الخطاب الإسلامي عن التأثير في البيئة العلمية والفكرية للمجتمع الإسلامي، والذي كان الممهد الأكبر لسيطرة العلمانية على عالمنا الإسلامي( ).
رحمك الله يا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة واسعة
على ما قدمته من جهود لخدمة الإسلام ونصرة الشريعة الغراء

19/4/2011

 

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.