
ولقد كان أثر القرآن الكريم عظيماً في تطوير المجتمع العربي ، من مجتمع قبلي ، كل قبيلة فيه لها كيانها الخاص ورئاستها الخاصة ، إلى مجتمع مدني يشعر جميع أفراده بشعور الرعوية في دولة واحدة ذات نظام واحد يتساوى فيه أبناؤه في الواجبات والمسؤوليات ، دون تفريق بين شريف و وضيع ، أو بين قبيلة ممتازة وقبيلة دنيئة .
لقد كانت القبائل العربية قبل الإسلام تتفاوت في الشرف والمنزلة الاجتماعية ، وقد أسس القرآن الكريم الدولة الجديدة عند العرب على مبدأين اثنين أولهما : الشورى ، قال الله تعالى : " وأمرهم شورى بينهم " ، وثانيهما : العدالة المطلقة ، قال الله تعالى : " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " ، وقال عزوجل : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين " .
وجعل القرآن الكريم رئاسة الدولة بالمبايعة ، وجعل العلاقة بين الشعب والرعية مقيدة بالقانون الذي شرعه الله لعباده ، فالكل أمام الحق سواء الحاكم والمحكوم ، الغني والفقير ،القوي والضعيف ، وفي ذلك يقول الخليفة الصديق رضي الله عنه :" القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له " .
وكان توحيد العرب داخل جزيرتهم ، وازالة الحروب والغزوات التي كانت قائمة بين قبائلهم مقدمة لخروجهم من جزيرتهم برسالة آلهية تحريرية لشعوب العالم يومئذ عهد بها ، وجعل منهم أمة تحمل لواء الريادة الفكرية والتهذيبية والحضارية لأمم الحضارة المعاصرة لهم ، فغدوا قادة بعد ان كانوا تابعين ، وأساتذة بعد أن كانوا مقلدين ، ومعلمين بعد أن كانوا أميين .
لقد عرفت الجزيرة العربية قبل الإسلام موجات من هجرة أبنائها إلى خارج حدودها ، طلبا للرزق والعيش ، ولم تكن فيها موجة تحمل رسالة وفكرة وهدفاً نبيلاً تحريرياً لمن ينتقلون إليهم ، ولكن الموجة العربية بعد الاسلام كانت من طراز فريد أدهش العالم يومئذ ، ولا يزال يدهش كتاب العالم اليوم ، موجة أقامت حضارة ، وأنشأت دولاً ، وأزالت دولاً ، ونشرت علماً ، وأسست معاهد وجامعات ، وأدخلت نور العلم والثقافة إلى أوروبا في القرون الوسطى ، فبددت ظلامهم ، وفتحت عقولهم ، وجعلتهم تلاميذ يدرسون كتبهم في معاهدهم وجامعاتهم أكثر من ستة قرون .
وكان خروج العرب في هذه الموجة مقروناً بالسمو الخلقي والفكري على من حاربوهم كان له عظيم الأثر في انتصاراتهم وفتوحاتهم ، وكان من أثر الموجة أيضاً أن امتدت رقعة العالم العربي اليوم من بلاد الشام إلى مصر والعراق وافريقيا وغيرها ، انتشرت لغتهم العربية كلغة حضارة وعلم إلى جميع بلاد العالم ، ودخلت كثير من كلماتها وتراكيبها إلى لغاتهم ، هذا بعض آثار القرآن الكريم على الحياة العربية واللغة العربية ، ولولا القرآن العظيم لما بقيت اللغة العربية واحدة يتكلم بها جميع أبناء البلاد العربية ، وهذا هو سر خلود اللغة العربية ، لا كما يذيع الشعوبيون من أعداء الإسلام من أن القرآن الكريم جمّد اللغة العربية وحال دون تطورها .
وهناك نماذج رائعة من أثر القرآن الكريم ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كان في الجاهلية فتى لاهياً كفتيان قريش ، فإذا هو بعد الإسلام محرر العالم من اكبر دولتين باغيتين ، ويصبح مديراً لممالكهما بأحسن وأفضل مما كانت تدار به في عهودهما ، وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه لم يكن في الجاهلية إلا فتى شجاعاً يحسن الحرب في غزوة قبيلته على قبيلة عربية أخرى ، فإذا هو بعد الإسلام قائد جيوش الموجة العربية الإسلامية الجديدة ، يتغلب على قادة الدولتين الكبيرتين ، ويلحق بهما أكبر الهزائم ، مما جعله في التاريخ حقاً من الخالدين .
وأمة العرب والاسلام اليوم لا يزال القرآن الكريم بين أيديها غضاً حياً ، يخاطب العقول والأرواح والنفوس ، يزداد مع الأيام طهراً ونقاءاً ، ويدعو الأمة إلى الحياة الحرة الكريمة ، إذا استجابت لآياته الطاهرة فهماً وتطبيقاً ، بحيث يصبح الزاد الحقيقي الذي لا يستغنى عنه ، لأن فيه الغنى عن غيره من القوانين الوضعية في حل معضلات الأمة السياسية والأقتصادية والاجتماعية والتربوية، وقد تكفل الله بنصر الامة على أعدائها إن نصروا دين الله ، وأعلوا شأنه في أنفسهم وبيوتهم وحياتهم ، وتاريخ الأمة شاهد عليها على مر العصور ، كلما أحست بكبوة أو غفلة ثم عادت إلى المنابع الصافية من دين الله الخالد ، الذي لم يمس بتحريف أو تبديل ، وهو صالح لكل زمان ومكان ، فإنها تعيش عزيزة كريمة ، مرهوبة الجانب ، يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ، ولن تبقى عالة على غيرها من دول العالم الكبرى التي تتحكم بمصيرها ، وصدق الله العظيم : " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " .
منقول عن جريدة الرأي
6/5/2009
ابحث
أضف تعليقاً