
خلق الله الإنسان كلاً متكاملاً، الروح والجسد والقلب، أما الروح فأمرها إلى خالقها قال عز وجل: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً فالإنسان لم يستشر بأمرها، وإنما هي سر الخالق في المخلوق، ولا يستطيع الإنسان أن يتحكم في مسارها، أو يوقف من أداء وظيفتها الآلية، وإذا ما أذن الله لحياة الانسان المادية ان تنتهي، فالروح تصعد الى بارئها، فانه اما ان تكون في حواصل طيور خضر منعمة آمنة إلى حين البعث، وإما أن تبقى في عذاب دائم، حتى يأذن الله بالبعث والنشور، وهي مصير سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، لأنها تهب الإتيان والخير والصلاح، خاصة إذا ضمنها نفس مطمئنة كانت غايتها مرضاة الله.
وأما الجسد، فهو كومة من المادة، خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، في صورته وشكله، قياساً إلى بقية المخلوقات الأخرى، والمطلوب من الإنسان أن يحمد الله على سلامة الجسد والعقل، لأنه وهب للإنسان العافية والصحة، ولكن مقابل أن يتعرف على خالقه ويستشعر عظمته آناء الليل وأطراف النهار، فلا يجحد نعمه ولا ينكر آلاء الله المبثوثة في نفسه والكون الذي يحيط به، وقد سخره الله لخدمته ورعايته قال الله تعالى: وسخر لكم ما في السماوات والأرض جميعا منه وطلب الله من الإنسان المؤمن أن يفهم سر وجوده في منظومة المخلوقات وأنه أرفعها وأكرمها، وأن يؤدي حق الله الواجب طواعية واختياراً قال عز وجل﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وعلى المخلوق المكرم أن يوظف السمع والبصر والحواس والعقل في الوصول الى الحق المبين، واليقين الصادق، وأن يكون أداة خير ونفع في الأرض التي طلب منه ان يعمرها بالصلاة والتقى ونفع عباد الله.
وأما القلب، ويعبر عنه بالعقل أحياناً، فهو البوصلة الهادية لصاحبها فان صَلُح وَعَمُر بالإيمان النقي، والمحبة الصادقة، فإن الجسد وما يحويه سيكون صالحاً، ملبياً لنداء خالقه، طائعاً في السر والعلن، قال عز وجل: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، وقد عبّر الرسول صلى الله عليه وسلم، عن ماهية القلب الرئيسة في حياة الجسد بقوله: (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صَلُح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) .
القلب جوهرة ثمينة لا بد من صيانتها والمحافظة على نظافتها شكلاً ومضموناً، وعلى المرء ان يُودعه المحبة والتسامح والأخوة وكرائم الأخلاق العالية، ويعمق جذور غراس الإيمان بالله رب العالمين في كل جنباته، ولا يسمح لهباءة من كفر او نفاق يقترب منه، ليبقى القلب مصدر الاشعاع والعطاء الروحي أولاً، لأنه الأساس في هبة الإنسان صفة الإنسانية المكرمة، ثم العطاء المادي الحلال فلا تشوبه شائبة حرام وإذا تُرِكَ القلب بدون رعاية روحية ومادية، فإنّ الأمراض تغزوه من كل جانب ومنها مرض الكفر والنفاق والعداوة والبغضاء، والشح والحرص على الدنيا والحسد والغيرة المذمومة القاتلة، واعلان شعار الأنا، وتقديم المصالح الخاصة حتى ولو كانت مخالفة لشرع الله على المصالح العامة التي تخدم البلاد والعباد، واستحلال الحرام جهاراً نهاراً، وعدم المبالاة بالانحراف، والتصريح بالباطل، وعدم الالتزام بالضوابط والمعايير الأخلاقية في التعامل، بحيث يصبح صاحب هذه المضغة مهيناً في الدنيا لأنه وصل الى حد الاستهانة بما وهبه الله فوظفه في المعصية واقتناص المحرمات، لذا فان القلب يصدأ ويتراكم عليه الران الذي أخبر عنه القرآن العظيم بقول الله عز وجل: ﴿ كَلاّ بَلْ رَانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ وذلك بسبب الغفلة وعدم تذكر عظمة الخالق في النفس والقلب، وقد اخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الانسان اذا اذنب ذنباً نكت على قلبه نكتة سوداء، فإذا ذكر الله واستغفر وتاب ووعى آياته فانها تزول وتُمحي، واذا غفل ولم يقم بالتوبة والاستغفار، فانها تتراكم حتى تصبح كالران، وهي طبقة سميكة تغطي القلب، عندها لا يستطيع الانسان الابصار والوعي واليقظة، وصدق الله العظيم: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة اعمى واضل سبيلا ، وعندما تُطمس البصيرة النيرة الهادية للانسان، وهي القلب، عندها لا يرجى الخير فيه في الدنيا ثم في الآخرة كما أخبر الله عز وجل.
الرأي 4/4/2008
ابحث
أضف تعليقاً