
ينتج عن التفريط في الدين، والتقصير في أحكامه، كثير من الأمراض الاجتماعية والسلوكية التي تعشعش بين الناس، وتفتك بهم، وتعطي صورة سيئة عن المسلمين، وتنفر الناس منهم، وتدفع غير المسلمين الى الشك في الإسلام نفسه، وفي صلاحيته لإصلاح الفرد والمجتمع، ويتخذ أعداء الإسلام من هذه الأمراض أسلحة للهدم، وبراهين للطعن.
وتظهر هذه التناقضات والأمراض على بعض المتدينين، الذين يعتزون بانتسابهم للإسلام، والتزامهم الجزئي بأحكامه، وتطبيقهم لبعض تعاليمه، وقد يحملون على غيرهم بالتقصير، ولكنهم لا يقدمون لهم المثل الطيب، والأنموذج الصحيح في معرفة أحكام الشريعة، وأثر الدين عليهم إيجاباً، بل قد تؤدي المقارنة في بعض الأحيان لتفضيل غير المتدين على المتدين من حيث الظاهر، لما يظهر على المتدين من ظواهر مرضية مزمنة، وتناقضات سلوكية في نفسه وشخصيته، أو في تربيته وبيته، وأسرته، أو في تعامله مع غيره أخلاقياً وسلوكياً ومالياً، سواء في مجال العقيدة والفكر، كالمفهوم الخاطئ عن القضاء والقدر، والتقصير في الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على المغيبات وخوارق العادات وبعض الأوهام والخرافات، أم في مجال العبادات التي لا تحقق معناها، ولا تنتج أهدافها، أم في مجال الأحوال الشخصية وأحكام الأسرة، كسوء تعامله مع الزوجة، وقطع صلة الرحم، أو عند الطلاق والافتراق ومعاملة الأولاد، أو في المجاملات التي تخرج عن حدود الخلق والدين.
ومن العجيب والغريب أن هذه التناقضات والأمراض التي تنتاب الأفراد أو المجتمع، أو التي يثيرها الجدل والنقاش ليست من الدين الصحيح، وأن الإسلام منها بريء، بل حذر من وقوعها، وحاربها، وهدد مرتكبيها، وقضى على جذورها، وذلك في نصوص شرعية صريحة لا تحتاج إلى اجتهاد أو تأويل، وإنما تتعطش إلى التنفيذ والتطبيق، والالتزام الصحيح بالمنهج القويم، ومثال ذلك أداء العبادات، فبعض الناس يواظب على القيام بها، وإعلانها، بل والافتخار بها،والتباهي والتمسك بها، والحرص على الاتصاف بألقابها في انحاء المجتمع، ولكن صاحبها يقتصر على ذلك، ويحدد الدين والتدين بها، ويطلق بعد ذلك العنان لنفسه، فلا يجد حرجاً أن يسير وراء شهواته وغرائزه، وينغمس في المحرمات ويتجاوز المقدسات الدينية، فإذا قضى وطره، وحان وقت العبادة لبس جلبابها، وارتدى رداءها، وغرق في مظاهرها، وكأنّ الإسلام ثوب ُيلبس للمناسبات، وَيُخلع بعدها.
ومن صور التناقضات السلوكية والاجتماعية التي تلوكها الألسنة، مَن يبني المساجد، ويشارك في الجمعيات الخيرية والاجتماعية، وفي نفس الوقت يغرق في الربا والاحتكار والغش، والمرأة التي تلبس الحجاب الشرعي ثم تتجمل بجميع أنواع الزينة في كل مكان، والرجل الذي يمارس الشعائر ثم يشرب الخمر، ويقلد أعداء الدين في العادات والسلوك، وهذا كله يمثل تمزيقاً للدين،من جهة، وصوراً متنافرة في السلوك، وتناقضات فكرية وسلوكية واجتماعية من جهة أخرى، وقد يزداد الأمر سوءا مع بعض من الناس يؤدي العبادات الإسلامية، ثم يتخلى عن غيرها، فيسلخ من الدين ما يشاء، وبما يتفق مع ذوقه وأهوائه وميوله، ويدير ظهره لما يشاء، وبعضهم يقول للناس، إنه مسلم متمدن، أو مسلم معاصر، أو مسلم متسامح، أو مسلم متطور، ولا يدري أنه أضاع شخصيته، وفقد البوصلة الهادية في حياته، وعاش عمره في ازدواجيه لشخصيته،فأصبح مكان الهزء والسخرية والضياع، وصدق الله العظيم: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور».
الرأي: 9/9/2011
ابحث
أضف تعليقاً