
لم يبق لنا سوى أن نستقبل "الفالنتاين" بزخات متفرقة من الرصاص ابتهاجاً بالمقدم الميمون لـ"عيد العشق والعشاق" ، فنحن قوم نحيي كل مناسباتنا بإطلاق الرصاص العشوائي ، ولنا في كل مناسبة ، قائمة مقدرة من شهداء وجرحى الطقوس الأردنية في التعبير عن الفرح والابتهاج. لا أدري من أين نأتي بكل هذا "الميل الجارف" للعنف الفردي والجماعي ، هذا يفرغ مسدسه في صدر زوجته عملاً بمقولة "أتغذى فيه قبل ما يتعشى فييّ" ، وذاك يعلق نفسه على عامود كهرباء ، وثالث يفرغ صليات رشاشه في صدر ابنة أخيه ، ورابع يتدلى من مبنى قيد الإنشاء في محاولة للانتحار "على الهواء مباشرة" ، وخامس وسادس ، فكل نهار لنا حكاية ، وكل حكاية تخلف وراءها مأساة لا تتقادم بمرور الزمن.
قبل أن أقرأ معدلات النجاح في الثانوية العامة والقبول في الجامعات ، ثمة خبر تقليدي يتصدر صفحات جرائدنا صبيحة اليوم التالي لإعلان النتائج ، دائما ما يثير فضولي ويتصل بعدد القتلى والجرحى من ضحايا "الابتهاج" بالتوجيهي؟،.
كم من عريس قضى ليلة "دخلته" في القبر أو الزنزانة ، كم من فرح تحوّل إلى مأتم... كم من طالب لم يسعفه الحظ لمعرفة نتائج امتحاناته أو فرص قبوله في الجامعات ، كم من أسرةْ انهارت أحلامها "بجرة رصاص" من مسدسْ طائش أو رشاش "أرعن" ، كم من أمْ انزوت في ثياب الحداد بعد أن "وصلت اللقمة أو كادت تصل إلى الفم".
من بين شعوب العالم جميعها ، نحن الشعب الوحيد الذي سقط منه قتلى وجرحى في كأس العالم ، والسبب طيش بعض المشجعين وردة الفعل المتشنجة لبعض المواطنين ، حتى الدول التي فازت أو خسرت في ربع الساعة الأخير للمونديال ، لم تشهد ما شهدنا من اختناقات مرورية ومن تطبيل وتزمير ، ومن انتهاك لقانون السير ، ومن سرعة جنونية طائشة ، ومن ضرب "شباري وقنوات" وإطلاق ذخيرة حيّة ، إنها الطريقة الأردنية في إحياء المناسبات الكروية.
لكأننا قوم "مكبوتون" أو محتجزون في "قمقم" ، نتحيّن أول فرصة للخروج على القانون والضرب عرض الحائط بأولويات المرور وإشاراته وقوانينه ، لكأننا قوم ننتظر لحظة بلحظة "غياب الشرطي" لنعيث فساداً على "الدواوير" ، من الأول للثامن وما حولهما ، لكأننا قوم نضغط أنفسنا كثيرا حين نضع حزام الأمان حول صدرونا ، فنسارع إلى الفكاك منه عند أول فرصة ، مثلما نسارع للانفكاك من القوانين عند أول سانحة.
من أين نأتي بكل هذا العنف ، الذي أحال جامعاتنا إلى مسارح دامية ومتنقلة للمشاجرات الطلابية ، وأحال قرانا ومدننا إلى ملاعب للعنف الحمائلي والعشائري ، وحوّل شبابنا إلى رديف احتياط ، غب الطلب ، عند أول نداء لإشهار القنوة أو استلال الخنجر. من أين نأتي بكل هذه العنف اللفظي الذي نسمعه من نوافذ سياراتنا ، ونراه في العيون الغاضبة التي يتطاير منها الشرر والنظرات الشزرة التي يرمقك بها من تقع عيناك على عينيه ، ونلمسه لمس اليد عند أول "طابور" نجد أنفسنا مضطرين للاصطفاف فيه.
إنها حقا لمفارقة غريبة عجيبة ، إذ كلما تحدثنا عن "الطيبة والتسامح" اللذين يميّزاننا ، تبدى لنا أننا قوم قساة لا نغفر ولا نتراحم ، جاهزون للانخراط في "داحس والغبراء" ، حتى لأتفه الأسباب وأقلها أهمية ، وقد آن الأوان لكي نعترف بهذه الوقائع ، بدل الاستمرار بدفن رؤوسنا في الرمال.
منقول عن صحيفة الدستور الأردنية
بتاريخ: 16/8/2010
ابحث
أضف تعليقاً