
كان المجهود البَعْدي للحظة الفقهية -كما أشرت في القسم الأول من هذا المقال- والمتمثّل بالبُعد الديني "التطميني"، إنجازا كبيرا للعقلية الفقهية، ما نزال نُعاين تجلياته في الاجتماع الإنساني، نظراً لاستمراريته، التي تهيَّأ لها ذلك بفعل الزواج "الكاثوليكي" بين السلطة الدينية في جانبها الفقهي، والسلط السياسية المتعاقبة. فَتِلكُمُ الأسئلة القلقة التي يمكن أن يطرحها المسلم على نفسه، كان العقل الفقهي قد أجاب عنها سلفاً، مرةً واحدة وإلى الأبد. ولكي تكون الإجابات ماكنة ومُخيفة ومُحاطة بهالةٍ من القداسة العتيدة؛ فقد عمد العقل الفقهي -وفي الحقيقة، تلك واحدة من إبداعاته الكبيرة، وإن اتخذت بالتقادم طابعاً كارثياً على حيوات المسلم- على التقدّم خطوة ناحية الأمام، واعتبر أصول العقيدة الإسلامية من اختصاصه، لذلك نازعها على ثلاث، رغم ما يُشاع في العقل الإسلامي من أن تلك من اختصاصات العقيدة لا من اختصاصات الفقه:
1 - صورة الله. وسأختصر هَهُنا، كما في الصورتين القادمتين، إلى درجة كبيرة، اقتضاء لواقع الحال. وفي هذا السياق تمّ تأطير صورة الله في أذهان المسلمين، ليس بصفته الرحمن الرحيم، بل مُخيف تربطه علاقة بكائن خائف، لا علاقة مُستخلِف وجودي بمُستخلَف حضاري؛ نظراً لحجم العقوبات الكبير الذي ينتظر المسلم في حال حادَ عن نظام الصراط المستقيم، الذي اجترحه أو بالأحرى اصطنعه الفقيه.
2 - صورة العالَم. وفي هذا السياق، تمّ شطر العالَم الذي يمتثل المسلم لقوانينه إلى شطرين: أحدهما وهو العالَم الفاني، عالم مرذول وملئ بالدناسات. وثانيهما، وهو العالَم الأبدي، عالم محمود وطاهر وقدسي. لذا سينسحب المسلم وفقاً لهذا الناموس القاهر، إلى عالَم الغيب، بصفته خلاصاً لاهوتياً كبيراً، وسيخلّف وراءه عالم الشهادة، بصفته عالما دنساً ومُحبطاً لآمال المسلم العظيمة. ولا معنى لوجود المسلم فيه إلا بصفة مؤقتة؛ لذا ثمة هروب من استحقاقات هذا العالَم، وتموقع في العالَم الآخر. بما عطّل مسلكيات المسلم الاستخلافية -وفقاً للرؤية القرآنية، التي جعلت من الإنسان خليفة لله في الزمن والمكان، وليس في العالَم الماورائي- وموضعه في مسلكية الكائن الخائف، الذي يخشى أن تزلّ قدماه في هذا العالَم، فيسقط في جحيم العالَم الآخر.
3 - صوة الإنسان. وفي هذا السياق، اعتبر الإنسان خطّاء،ً وعليه التكفير الدائم عن أخطائه. فالمولود يُولد وتختن أعضاءه التناسلية لكي يكون طاهراً جسدياً، ثم يُعقّق عنه لكي يكون طاهراً روحياً، ثم يُورّث أبجديات الدين، ابتداءً من كيفية النوم وليس انتهاءً بتصنيف الناس إلى أطهار وأنجاس في الحياة الدنيا، وأخيار وأشرار في الحياة الآخرة، مع ما يقتضيه هذا العزل اللاهوتي من دخول للجنة أو النار؛ لكي يكون طاهراً عقلياً. فهو جاهز وناجز على المستويين الداخلي والخارجي، من لحظة ولادته إلى لحظة موته. فالختنة التي أجريت له على المستوى الجسدي/ العقلي/ الروحي، هي ختنة أبدية، وعليها أن تنسجم مع مقتضيات الختمة الفقهية للدين، فهي الأخرى ختمة أبدية. ووفقاً لمقتضيات "الختنة/ الختمة" يُسلّم المسلم أمره للفقهاء، ولا يعود ثمة حاجة لوجوده في العالَم، فوجوده وجود احتياطي غير أصيل.
وعليه، فثمة أ- "جهد تأصيلي" كان العقل الفقهي قد اصطنعه، وطال 1- صورة الله و2- صورة العالَم و3- صورة الإنسان، سيلتقي لاحقاً مع ب- "الجهد التطميني". ومعاً سيعملان على:
1 - تحالف بين رجال السياسة ورجال الدين، أيْ تعاضد القوة العسكرية مع الحجّة الدينية، للإبقاء على حالة الإكراه الديني، تحت تهديد السلاح المُشرعن.
2 - استلاب حقّ المسلم في طرح الأسئلة الدينية القلقة التي تعصف برأسه، والبحث عن إجابات عنها، بما يستلزم خوض التجربة الحياتية بعيداً عن إكراهات العقل الجمعي، وسياقاته الدينية الضاغطة.
3 - عزل المسلم عن سياقاته الحضارية، وذلك بتحويله -عبر منظومة فقهية متكاملة- إلى كائن مُترهبن، ينسحب من العالَم المُدنّس إلى العالَم المقدس، بما يعطّل قدرته الإبداعية في العالم الزمكاني، ويجعلها مرهونة لسياقات فقهية تنزح به ناحية عالم ورائي.
4 - تطمين المسلم بأن له الجنّة في حال بقي سائراً على صراط الفقهاء المستقيم، وأن له النار في حال قرّر أن يتململ ويحيد عن صراطهم العتيد.
وإذا كان لنا أن نتأكد اليوم في سياق اتصالي مع اللحظة الفقهية، بما يُكبّل حيواتنا حتى ونحنُ نُطف في أصلاب آبائنا، فنحن أحوج ما نكون إلى انفصال عنها، ليس بسبب الإصر والأغلال التي تفرضها أنماط المواضعات الفقهية، على حياتنا في العموم؛ بل للحجة المُلحّة لتعديل صورة الله والإنسان والعالم في الذهن الفردي أولاً والجمعي لاحقاً، نظراً للاجترارية التي طالت هذه الصور الثلاث على مدار قرون طويلة، ولم تعد صالحةً لشرط وجودنا.
ابحث
التعليقات
من معالم الوسطية الاسلامية
من معالم الوسطية الاسلامية احترام العقل والتفكير، والدعوة إلى النظر والتدبر.
أضف تعليقاً