wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
حين يختلّ ميزان الفكر .. من أين يولد التطرف والعنف؟؟

حين يختلّ ميزان الفكر... من أين يولد التطرف والعنف؟

 

الدكتور زيد احمد المحيسن 

ليس التطرف وليد لحظة عابرة، ولا هو بذرة تنبت في أرض خاوية دون مقدمات، بل هو حصيلة تراكمات فكرية ونفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية، تتشابك خيوطها في صمت، حتى تتحول إلى أزمة تعصف بالفرد والمجتمع، وتلقي بظلالها الثقيلة على أمن الأوطان واستقرارها. فحين يضطرب الفكر، وتغيب لغة الحوار، وتختل موازين الفهم، يصبح الاختلاف خصومة، والتباين عداوة، وتتحول الأفكار من جسور للتواصل إلى متاريس للصراع.

إن من أبرز منابع التطرف التأزم الفكري الذي تعيشه بعض المجتمعات الإسلامية، حيث يقف تياران متقابلان على طرفي نقيض؛ أحدهما يندفع نحو استنساخ التجربة الغربية بكل تفاصيلها، متجاوزًا خصوصية المجتمع وهويته ومرجعياته، والآخر ينغلق على ذاته، رافضًا مظاهر المدنية الحديثة، وكأن كل جديد تهديد للدين، وكل تطور خروج عن الثوابت. وبين هذين الطرفين تضيع مساحة الاعتدال، ويغيب الحوار الواعي الذي يجمع بين أصالة الجذور ومتطلبات العصر. فليس الخلل في الانفتاح على الآخر، ولا في التمسك بالهوية، وإنما في غياب الميزان الذي يحقق التوازن بينهما.

ويزداد المشهد تعقيدًا حين يتسلل الجهل إلى فهم النصوص الدينية والمقاصد الشرعية، فتُقتطع الأحكام من سياقاتها، وتُحمّل النصوص ما لا تحتمل، وتُوجّه المعاني إلى غير مقاصدها. وهنا تكمن خطورة الفهم المجتزأ للدين؛ إذ تتحول قيم عظيمة كالزهد والجهاد والولاء والبراء إلى مفاهيم مشوهة حين تُفصل عن ضوابطها ومقاصدها، ويصبح الدين، الذي جاء رحمة وهداية وبناءً للإنسان، في أيدي أصحاب الفهم المنحرف وسيلة لتبرير التعصب والإقصاء. فالدين لا يحتاج إلى غلوّ يسيء إليه، بل إلى عقل راشد يفهم نصوصه، وعلم راسخ يصون مقاصده.

وليس الفكر وحده مسؤولًا عن صناعة التطرف؛ فالفقر والبطالة والتفاوت الاقتصادي حين تستفحل، تترك في النفوس شروخًا عميقة، وتزرع الإحباط وفقدان الأمل، ولا سيما في نفوس الشباب الذين يبحثون عن فرصة تحفظ كرامتهم وتمنحهم شعورًا بقيمتهم ودورهم في الحياة. وحين تضيق أبواب العمل، وتتراجع فرص المشاركة، وتتسع الفجوة بين الطموح والواقع، يصبح الإنسان أكثر عرضة للانجراف خلف الأفكار التي تمنحه إجابات سهلة عن أسئلة معقدة، أو تعده بالخلاص من واقع يثقل كاهله.

أما البعد السياسي، فلا يقل أثرًا عن سابقيه؛ فحين تفقد الحكومات مصداقيتها، وتتباعد شعاراتها عن ممارساتها، وتتراجع الثقة بينها وبين شعوبها، تتسع مساحة الاحتقان، ويشعر الإنسان بأن صوته لا يجد طريقًا إلى الإصلاح والتغيير. وحين تغيب العدالة، وتضعف المشاركة، وتُهمّش الكفاءات، يصبح الفراغ السياسي والفكري بيئة خصبة لنمو الخطابات المتشددة. فالمجتمع الذي لا يجد قنوات آمنة للتعبير عن مطالبه، ولا مؤسسات تستوعب اختلافاته، يكون أكثر عرضة للتصدع والانقسام.

ومن جهة أخرى، فإن غياب المرجعية العلمية الرشيدة، وانحسار دور العلماء المؤهلين، وضعف الخطاب الديني المعتدل، يفتح المجال أمام أصوات تتصدر المشهد دون علم أو بصيرة، فتختلط الحقائق بالشعارات، وتضيع الحدود بين النص المقدس والاجتهاد البشري، وبين الثابت والمتغير. وعندما يغيب العلماء الراسخون، لا يبقى الفراغ صامتًا، بل تملؤه أحيانًا أصوات تصنع من الدين أداة للاستقطاب، ومن الاختلاف بابًا للتناحر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب ديني واعٍ، يجمع بين عمق المعرفة وفقه الواقع، ويستجيب لأسئلة العصر دون تفريط في الثوابت.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تبدأ دائمًا من ساحات الصراع، بل قد تنشأ في البيوت التي غاب عنها الحوار، وفي المدارس التي تراجع فيها دور التربية، وفي البيئات التي افتقد فيها الطفل الأمان والاحتواء. فالأسرة ليست مجرد مكان يجمع أفرادًا تحت سقف واحد، وإنما هي الحاضنة الأولى لتشكيل الوعي، وبناء الشخصية، وغرس قيم التسامح والرحمة واحترام الآخر. وحين يفتقد الأبناء الحب والاهتمام، أو ينشؤون في أجواء من القسوة والتفكك والحرمان العاطفي، قد تتعرض شخصياتهم لاضطرابات تجعلهم أكثر قابلية للبحث عن بدائل تمنحهم الانتماء والتقدير، حتى وإن كانت تلك البدائل مضللة.

وتتضاعف هذه المخاطر حين تتراجع المدرسة عن رسالتها التربوية، وتتحول من فضاء لبناء الإنسان إلى مجرد مؤسسة لتلقين المعلومات، وحين تغيب المحاضن التربوية المؤهلة علميًا وأخلاقيًا، فيجد الشباب أنفسهم أمام مصادر متعددة للتوجيه، لا تخضع جميعها للعلم أو المسؤولية.

وفي خضم هذا كله، تقف وسائل الإعلام، بما تمتلكه من قدرة هائلة على التأثير والتشكيل، أمام مسؤولية أخلاقية وتربوية كبرى. فالشاشات والمنصات الرقمية ليست نوافذ محايدة، بل أدوات قادرة على بناء الوعي أو تشويهه، ونشر ثقافة التسامح أو تأجيج الكراهية. وحين يصبح السباق محكومًا بعدد المشاهدات وحجم الأرباح، تتراجع الرسالة التنويرية، وتُفسح المساحة أحيانًا للمحتوى الهابط والخطابات التحريضية، فيغدو المتلقي عرضة للتضليل والاستقطاب، ما لم يمتلك وعيًا نقديًا يحسن التمييز بين المعرفة والوهم، وبين الحقيقة والدعاية.

إن التطرف، في جوهره، ليس مجرد انحراف في الفكرة، بل هو اختلال في علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالمجتمع. إنه ثمرة غياب التوازن بين العقل والعاطفة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الهوية والانفتاح، وبين النص وفهم النص. ولذلك فإن مواجهته لا يمكن أن تتحقق بالمعالجات الأمنية وحدها، ولا بإدانة النتائج مع إغفال الأسباب؛ فالعلاج الحقيقي يبدأ من تفكيك جذور الأزمة، وإعادة بناء الإنسان على أسس من العلم والوعي والكرامة والعدالة.

نحتاج إلى أسرة تحتضن أبناءها بدل أن تتركهم فريسة للفراغ، ومدرسة تعلمهم كيف يفكرون لا ماذا يحفظون فحسب، ومؤسسات دينية تقدم خطابًا مستنيرًا، وإعلامًا يتحمل مسؤوليته في تشكيل الوعي، وحكومات تعزز الثقة بالعدالة والشفافية، ومجتمعات تفتح أبواب العمل والأمل أمام شبابها.

فليس المطلوب أن نواجه التطرف بتطرف مضاد، ولا أن نعالج التعصب بالإقصاء، بل أن نواجه الفكرة المنحرفة بالفهم الصحيح، والجهل بالعلم، والكراهية بالحوار، واليأس بالأمل، والظلم بالعدالة.

إن معركة الوعي تسبق معركة المواجهة، وبناء الإنسان يسبق إصلاح الأوطان؛ فحين يستقيم الفكر، وتطمئن النفس، وتتحقق العدالة، وتستعيد الأسرة والمدرسة والمؤسسات رسالتها، تضيق المساحات التي يتسلل منها التطرف، ويصبح الاعتدال ثقافة حياة لا مجرد شعار يُرفع عند الأزمات.

فالأمم لا يحميها الخوف، ولا تنهضها الشعارات، وإنما يحميها وعي أبنائها، وتماسك مجتمعاتها، وعدالة أنظمتها، وقدرتها على تحويل الاختلاف إلى ثراء، والأزمات إلى فرص للإصلاح والبناء.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.