نقد الفكر التكفيري في منهج الإمام ابن تيمية
عندما دعاني السادة في منتدى الوسطية للمشاركة في هذا المؤتمر الكريم استبشرت خيرًا؛ لسببين:
الأول: أن طبيعة الموضوع التي يعالجها هذا المؤتمر تدل على وعي بمشكلة قراءة فهم نصوص التراث إجمالاً وتراث ابن تيمية على وجه الخصوص؛ لما له من سطوة وتأثير في فكر الصحوة الإسلامية بل لا أبالغ إن قلت إن البنية الفكرية للحركات الإسلامية "السنية" اليوم إنما هي امتداد لفكر الإمام ابن تيمية، حتى إن أحد كبار قادة الحركة الإسلامية ومنظريها ومفكريها الأحرار المتنورينـ أعني الأستاذ راشد الغنوشي ـ في كتابه عن القدر في فكر ابن تيمية صرّح بأن ابن تيمية هو "أبو الصحوة الإسلامية" وهو تعبير دقيق جدًا وله امتدادات معنوية عميقة.
الثاني: أن طبيعة الموضوع هو مما يصب في صلب اهتمامي كشاب مسلم باحث نشأ في ظلال الصحوة الإسلامية وعاش طفولته وصباه وشبابه على فكر ابن تيمية عبر تعليمه كله، ثم انصرف بتأثير مما شهده من أحداث إلى قراءة تراث ابن تيمية قراءة استقرائية تامة أو شبه تامة في أغلب كتبه ورسائله المطبوعة مرارًا وتكرارًا، حتى صنعت في هذا كتابًا عنوانه: نقد الخطاب السلفي ابن تيمية نموذجًا، طبعته دار طوى في لبنان.
وهو كذلك موضوع رسالة الدكتوراة التي أحضّر لها حاليًا.
إن الحديث عن ابن تيمية ومنهجه الفكري غاية في الأهمية، ولا يكفي فيه مؤتمر واحد، بل مؤتمرات ومؤتمرات، فكثير من الأحداث الجسام المفصلية التي غيّرت مجرى التاريخ ليس في عالمنا العربي والإسلامي فقط بل في العالم كله كان ابن تيمية حاضرًا فيها عبر عقول قارئيه وسلوكياتهم وطريقة فهمهم لتراثه.
وفي سياق الحديث عن فهم تراث ابن تيمية لا بد من التنبيه قبل أن أخوض في ورقتي المتواضعة هذه إلى نقاط منهجية مهمة:
1. كثير ممن يقرأ ابن تيمية إنما يقرأ له النص والنصين والقطعة والقطعتين فيظن أنه قد وعا تراث ابن تيمية وفهم مراده، وهذا غير دقيق إذ الواجب لمقاربة أكثر دقة في فهم تراث عالم ما أن يقرأ كل تراثه أو جله باستقراء تام أو شبه تام. فقد يفصل في موضع ما يجمله في موضع آخر، وقد يبين في موضع ما يبهمه في موضع آخر.
وقد يقول في موضع ما يناقض كلامه في موطن آخر، أو على الأقل يصرفه عن ظاهره، والتقصير في هذا يحول دون فهم صحيح لتراث ابن تيمية.
2. كثير ممن يقرأ ابن تيمية ويستوعبه يفهمه فهمًا صحيحًا غير أنه لا يدرك البعد التاريخي ولا السياقات الظرفية التي فيها أطلق ابن تيمية فتاواه أو أحكامه الكلية مما يصح أن نطلق عليه ما يسمى (روح العصر)، كما لا يتنبه إلى التطور الفكري في تراث ابن تيمية نفسه، فتجده يعيش بجسده في زماننا ولكنه يعيش بعقله وفكره في زمان المماليك، ويتعامل مع تراث ابن تيمية على طريقة الإعجاز العلمي في القرآن! فتراثه صالح لكل زمان ومكان والواجب علينا قسر الواقع لينسجم مع تراث ابن تيمية، وهذا مخالف لقانون التغير والصيرورة التاريخية وسبحان من يغير ولا يتغير.
3. حين نتناول ابن تيمية فلا بد من التفريق بين المنهج والموقف. مشكلة الكثيرين أنهم يخلطون بين الأمرين فقد يتخذ ابن تيمية في ظرف ما موقفًا يخالف منهجه التأصيلي، وهذا لا يعني أن منهج ابن تيمية قد أصاب كبد الحقيقة في كل شأن من شؤونه فهو عالم كبير ومصلح عظيم غير أنه يخطئ ويصيب شأنه شأن غيره من العلماء. ولا يصح بأي حال من الأحوال أن ننقم على الإخوة الشيعة تنظيرهم لعصمة أئمتهم ثم نتعامل مع أئمتنا بطريقة تنسب العصمة لهم بتعاملنا معهم تطبيقًا وإن كنا ننفي عصمتهم تنظيرًا. فأقوال كل إنسان غير رسول الله ليست أدلة شرعية، فهي يستدل لها ولا يستدل بها كائنًا من كان هذا الإنسان صحابيًا أو تابعيًا فما دونهما ما لم يثبت إجماع أو نص قطعي.
4. يطرح ابن تيمية آراءه بشجاعة وجسارة شديدين، ويسوق الإجماعات بقوة وثقة، حتى ينبهر القارئ بما يقرأ وينقاد طواعية لما يرى من امتلاء كف ابن تيمية يرحمه الله وثقته بما يقول، أضف إلى ما يتميز به أسلوب ابن تيمية من عاطفة جياشة، فابن تيمية لا يطرح قضاياه بطريقة مدرسية عقلية موضوعية مجردة كشأن الكلاميين، فإن قيل قلنا، وإن اعترض فالجواب، يرد عليه بكذا، وقيل كذا، بل يطرحها مشحونة بهم رسالي شديد ممتلئ بعاطفة جياشة، وهو ما يأسر القارئ له فينفعل به أشد الانفعال.
هذه الرسالية الشديدة، وهذا التوتر العاطفي هو ما ذكره الإمام الذهبي حين ترجم لابن تيمية فقال:"كأن عينيه لسانان ناطقان"! وهو وصف يختصر الكثير.
5. خامسًا وأخيرًا إذا كان شعار المؤتمر هو وسطية ابن تيمية، فإني أرجو أن نكون وسطيين في عرضنا لابن تيمية وفي قراءته والحديث عنه، وأن نتناول منهجه ومواقفه وما له وعليه ونحاكمها دون تشنج، فما أحد فوق النقد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم في جانب التبليغ.
موضوع ورقتي هذه هو: نقد فكر التكفير في منهج ابن تيمية .. ولأن الوقت يحصرني فسأختصر ما استطعت.
إن معنى الكفر في لغة العرب هو الستر والتغطية، ومنه سمي المزارع كافرًا لستره البذور، وسمي الليل كافرًا لأنه يغطي الأرض بظلامه، ثم نقل هذا المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي فسمي الجاحد كافرًا لأنه ستر الحق والدليلوحجبه بغطاء من الجحود.
والتكفير هو نسبة معين أو مطلق إلى الكفر .. (وسيأتي بيان تكفير المطلق والمعيّن والفرق بينهما في حينه).
إذا كان كذلك فلا بد إذن من تناول منهج ابن تيمية في هذه القضية تجاه نوعين من الناس:
الكافر الأصلي والمسلم الذي يرتكب مكفّرًا ..
فمن هو الكافر عند ابن تيمية؟
من عشرات النصوص في هذه القضية أختار نصًا جامعًا يبين لنا من الكافر في نظر الإمام يرحمه الله، يقول:":"فإن حال الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا، فإن لم يتصوّرها فهو في غفلة عنها، وعدم إيمان بها، كما قال:{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً}، وقال:{فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} ".
ثم يقول:"لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة؛ فلهذا قرن التكذيب بالغفلة.
وإذن فلفظ (الكافر) يعمُّ كل من ليس مؤمناً بالرسالة سواء أكان متصوراً لها أم غير متصور لها، وسواء أكان غافلاً غفلة محضة فلم تبلغه الرسالة، أو بلغته فتردد فيها ـ ولم يذكر شيخ الإسلام فرقاً بين التردد العلمي النـزيه وبين التردد الناشئ عن الهوى ـ ، أو أعرض عنها بعد أن لم ينظر فيها، أي أنه أعرض عنها ولم يفكّر في النظر فيها، فهذا كافر أيضاً عند شيخ الإسلام.
وكل من انطبق عليه وصف (الكافر) فهو مستحق للعقوبة في الآخرة في نظر ابن تيمية إلا الغافل غفلة محضة، فعقابه موقوف على بلوغ الرسالة، ولكنه يسمّى كافراً وتجري عليه أحكام الكافر في الدنيا، والتي لابن تيمية ـ كما لسائر الفقهاء ـ فيها تفصيل معروف.
والكفر لفظ أعم من التكذيب ـ كما يقول ـ؛ فكل مكذب هو كافر، وليس كل كافر مكذباً، فلفظ الكافر يشمل من كذّب ومن لم يكذّب الرسول عند شيخ الإسلام رحمه الله.
والخلاصة فيما سبق أن الكافر أقسام عند شيخ الإسلام:
1. المكذب بالرسالة.
2. المتردد فيها سواء أكان تردداً عن بحث عن الحقيقة أو تردداً عن هوى.
3. الغافل عن الرسالة سواء بلغته الرسالة أم لم تبلغه. غير أن العقوبة الأخروية إنما هي لمن بلغته الرسالة دون من لم تبلغه، أما في الدنيا فكل هؤلاء سواء تجري عليهم أحكام الكافر.
لكن ماذا لو أن أحدًا فكّر بصدق وأراد الحق ولكنه أخطأ فاتبع غير دين الإسلام وهو لا يرد إلا الحق ولكن هذا ما توصل إليه تفكيره واجتهاده؟ يقول ابن تيمية:"وفي شأن بلوغ الرسالة يقول شيخ الإسلام:" وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به فهو كافر لا يقبل منه الاعتذاربالاجتهاد لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر والواجبات تنقسم إلى أركان وواجبات ليست أركاناً فكذلك الخطأ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة، وإذا كان كذلك؛ فالمخطئ في بعض هذه المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وإما أن يلحق بالمخطئين في مسائل الإيجاب والتحريم مع أنها أيضاً من أصول الإيمان؛ فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين والجاحد لها كافر بالاتفاق مع أن المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع خطئه ".
وإذن فمن أوصله اجتهاده إلى غير الإسلام وهو صادق نزيه فهو كافر لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لماذا؟ لهذين السببين:
1. أن أدلة الرسالة وأعلام النبوة ظاهرة.
2. أن الخطأ حكم شرعي، والمؤاخذة فيه مرفوعة فقط لهذه الأمة دون غيرها.
علمنا من هو الكافر عند ابن تيمية، فكيف نتعامل معه؟
1. أنفس غير المؤمنين وأولادهم وأموالهم مباحة للمؤمنين:
العالَـم في الفقه الإسلامي التقليدي قسمان: إما (دار حرب)، وإما (دار إسلام)، وقد يضاف إليهما (دار كفر غير حرب) إذا كان بينها وبين المسلمين عهد وميثاق.
وبناء على هذا التقسيم للعالَم عند فقهاء المسلمين ترتبت أحكام فقهية تراجع في مظانها، غير أني هاهنا أحب أن أنقل نصًّا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التعامل مع الساكنين القاطنين (المواطنين) في (دار الحرب) دون دار الكفر غير الحرب التي يمكن أن تسمّى (دار العهد). يقول الإمام:"إذا دخل المسلم دار الحرب بغير أمان فاشترى منهم أولادهم وخرج بهم إلى دار الإسلام كانوا ملكاً له باتفاق الأئمة، وله أن يبيعهم للمسلمين ويجوز أن يُشتروا منه ويستحق على المشتري جميع الثمن، وكذلك إذا باع الحربي نفسه للمسلم وخرج به فإنه يكون ملكه بطريق الأولى والأحرى، بل لو أعطوه أولادهم بغير ثمن وخرج بهم ملكهم فكيف إذا باعوه ذلك؟ ".
إنك لا تستطيع أن تلغي عامل الزمن الذي كان يعيش فيه شيخ الإسلام رحمه الله، فكل إنسان هو ابن بيئته التي عاش فيها، والزمان الذي كان يعيش فيه ابن تيمية لم يكن ـ في الجملة ـ من الأزمنة المحمودة التي مرت على الأمة لا علمياً ولا تاريخياً ولا اجتماعياً.
وفي النص السابق يتكلم شيخ الإسلام عن الاسترقاق والبيع والشراء، وهذا أمر ربما يسوغ لأن العصر كان يألف هذا الأمر، وكان أشبه بالنظام العالمي غير المستقبح.
لكن اسمع إليه يقول متابعاً:"وكذلك لو سرق أنفسهم أو أولادهم أو قهرهم بوجه من الوجوه فإن نفوس الكفار المحاربين وأموالهم مباحة للمسلمين، فإذا استولوا عليها بطريق مشروع ملكوها ".
وإذن فمن دخل دار الحرب بغير عقد أمان، فلا عليه أن يسرق أموالهم ويستبيحها وأن يقهرهم بأي طريقة كانت، فأنفسهم وأموالهم مباحة للمسلمين كما يعبر شيخ الإسلام رحمه الله؛ دون أن يفرق بين مقاتلين وغير مقاتلين.
2. غير المؤمن تجب عداوته وإن أحسن إليك:
إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يؤصل للتعامل مع الكافر فيقول:" وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه ".
وإذن فالأصل هو معاداة الكافر حتى لو أحسن إلينا وأعطانا وأكرمنا، ولا تنس أن الكافر عند شيخ الإسلام هو كل من هو غير مؤمن بحسب ما قدّمت به حديثي هذا، وكل من هو غير مؤمن هو عدو لله ولرسوله وللمؤمنين يجب معاداته وبغضه وإهانته كما هو وارد في هذا النص.
فيكفي أن يكون الإنسان غير مسلم ليوصف بأنه كافر وأنه عدو لله تعالى، وأنه عدو للمؤمنين حتى لو كان جاهلاً أو غافلاً أو متردداً شاكاً، وحتى لو كان هندياً أو بوذياً أو مجوسياً يعيش في قرية نائية لا يعلم شيئاً ولا يفقه إلا ما تلقنه عن آبائه، وإلا ما يمارسه في حياته اليومية خالي الذهن عن العداوة أصلاً وخالي الذهن عن هذه المعاني التي يطرحها ابن تيمية.
3. وجوب إهانة غير المسلم وإهانة مقدساته:
وبالعودة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية نجد ما هو أبعد من هذا عنده إذ يقول:"فإن كل ما عُظِّم بالباطل من مكان أو زمان أو حجر أو شجر يجب قصد إهانته؛ كما تهان الأوثان المعبودة وإن كانت لولا عبادتها كسائر الأحجار ".
فهذه قاعدة مطلقة يعلنها شيخ الإسلام يقرر بها حكماَ شرعياً: أنه (يجب) قصد (إهانة) مقدّسات الآخرين، سواء أكانت أمكنة كالكنائس والمعابد وبعض الأنهار غيرها، أو أزمنة كعيد الكرسمس أو رأس السنة أو الشعانين أو خلافها، أو كانت أحجاراً أو أشجاراً كالصلبان أو المجسّمات أو الآثار أو أشجار عيد الميلاد مثلاً و غيرها.
وعلى الرغم من أن الأصل هو (وجوب قصد إهانة الكافر ومقدساته لأنه عدوٌّ لله، ولأن مقدساته باطلة) نجد أن شيخ الإسلام "يحبِّذ" بل "يوجب" ـ إذا اقتضى الأمر ـ أن يتشبه الإنسان بالكافرين في هديهم الظاهر في بعض الأحيان إذا كان عليه ضرر بمخالفتهم، فيقول:" لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمورهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة ".
فالأصل ـ إذن ـ هو وجوب قصد إهانة الكافر وإهانة مقدساته إلا في حالة الخوف من الضرر، وحالة الضعف، فلو كنا ضعفاء فالمستحب لنا، وربما الواجب علينا هو التودد للكافرين، فإذا قوينا فإن الواجب هو إهانتهم وإهانة مقدساتهم، وهذا هو الأصل في تعاملنا معهم، ولهذا يقول ابن تيمية:"المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار، فلمّا كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شرع ذلك ".
وإذن فالحال سيكون هكذا: إذا كنا في حالة ضعف فلا نهينهم ولا نعتدي عليهم لأن هذا سيضرنا، بل علينا أحياناً أن نحاكي سمتهم وهديهم الظاهر، أما إذا كنا في حالة قوة فإنه يجب علينا أن نهينهم وأن نمتهن أديانهم ومقدساتهم.
4. اليهود والنصارى ملعونون هم ودينهم:
ولهذا نجد أن شيخ الإسلام رحمه الله منسجم جدًّا مع ما يؤصله هنا من إهانة غير المسلمين كأهل الكتاب مثلاً، فنجده يُسأل "عن رجل لعن اليهود ولعن دينهم وسب التوراة، فهل يجوز لمسلم أن يسب كتابهم؟
فأجاب:
ليس لأحد أن يلعن التوراة، بل من أطلق لعن التوراة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن كان ممن يعرف أنها منـزلة من عند الله وأنه يجب الإيمان بها، فهذا يقتل بشتمه لها ولا تقبل توبته في أظهر قولي العلماء ".
يقصد بالتوراة هنا جنس التوراة الحق التي أنزلت على موسى، لا التوراة المحرّفة، وبالطبع سب هذه التوراة هو سب كلام الله حقاً فهو كفر حينئذ.
ثم يتابع الشيخ:" وأما إن لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس به في ذلك، فإنهم ملعونون هم ودينهم ... إلخ".
فأنت ترى هنا أن الشيخ يساعد ذلك المسلم الذي سب دين اليهود، ولهذا فلا بأس أن (تلعن) دين اليهودي في هذا الزمان فإنه دين باطل لا حرمة له.
وكذلك تجد الشيخ يكرر الأسلوب نفسه مع النصارى فيذكر بعض أعيادهم ثم يذكر أن طوائف من المسلمين تشاركهم في تلك الأعياد فيقول:" وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم لما رأيت طوائف المسلمين قد ابتلي ببعضها وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله... إلخ ".
فهذا تجويز من الشيخ لمن يقتدي به في أن يلعن دين اليهود ودين النصارى ويلعن أهل هذين الدينين، فكيف بدين من سواهم؟ بل إن الشيخ نفسه يمارس هذا فيجهر بلعن النصارى ولعن دينهم.
ومن إهانة شيخ الإسلام لأعياد ومقدّسات الآخرين (الزمانية) إهانته لعيد يعظمه النصارى يسمونه (الخميس الكبير)، لكن شيخ الإسلام يسميه ـ بقصد الإهانة التي يرى أنها أصل واجب ـ يسميه (الخميس الحقير) أو (الصغير) .
5. إذلال أهل الذمة:
ومن أجل هذا يؤصل شيخ الإسلام رحمه الله لإذلال أهل الذمة، فيذكر أصناف الشروط التي تفرض على أهل الذمة لإقامتهم ببلاد المسلمين وتعايشهم مع المسلمين، فذكر من تلك الشروط ما مقصوده التمييز عن المسلمين ، وذكر منها ما يعود بإخفاء شعائر دينهم، وذكر منها "ما يعود بترك إكرامهم، وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله تعالى "، وفي هذا السياق ينقل الإمام عن أبي الشيخ الأصفهاني بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب:" أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فتجري بينكم وبينهم المودّة، وأذلوهم ولا تظلموهم ، ومروا نساء أهل الذمة أن يعقدن زناراتهن، ويرخين نواصيهن، ويرفعن عن سوقهن حتى يعرف زيهن من المسلمات، فإن رغبن عن ذلك فليدخلن في الإسلام طوعاً أو كرهاً".
تلك الشروط وأشباهها ـ ولا مجال هنا للخوض في هذه الأحكام فإن فيها كلاماً كثيراً وأخذاً وردًّا لا يسعه هذا الكتاب ـ تلك الشروط يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الذي يجددها ويحييها على أهل الذمة هو "من وفقه الله من ولاة أمور المسلمين "، فإذلال أهل الذمة وتجديد هذه الشروط عليهم هو من توفيق الله تعالى.
بل إن فرض هذه الشروط المُذِلَّة ليس فيه إلا (كل الخير) للمسلمين مع أن هذه الشروط هي من (المصائب) بالنسبة لأهل الذمة، يقول شيخ الإسلام:" إن المسلمين قد فتحوا ساحل الشام وكان ذلك من أعظم المصائب عليهم [يعني النصارى] ، وقد ألزموهم بلبس الغيار وكان ذلك من أعظم المصائب عليهم، بل التتار في بلادهم خربوا جميع كنائسهم، وكان نوروز رحمه الله تعالى قد ألزمهم بلبس الغيار وضرب الجزية والصغار فكان ذلك من أعظم المصائب عليهم، ومع هذا لم يدخل على المسلمين بذلك إلا كل خير.... ".
ولا يتصدّى أحد أو يشير على ولي أمر المسلمين "بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام أو تقوية أمرهم ـ بوجه من الوجوه ـ إلا رجل منافق يظهر الإسلام وهو منهم في الباطن، أو رجل له غرض فاسد مثل أن يكونوا برطلوه ودخلوا عليه برغبة أو رهبة، أو رجل جاهل في غاية الجهل لا يعرف السياسية الشرعية الإلهية ".
بل إنه يرى أن القرية التي فيها نصارى ومسلمون معاً وبنى المسلمون فيها مسجداً فلا يجوز أن يكون فيها كنيسة، قال:" وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون ولا مسجد للمسلمين، فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم جاز ذلك، كما فعله المسلمون، وأما إذا سكنها المسلمون وبنوا بها مساجدهم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصلح قبلتان بأرض) ، وفي أثر آخر: (لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب) .. ".
بل يرى شيخ الإسلام أنه "كان ولاة الأمور الذين يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله فيهم كعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد ونحوهما، مؤيدين منصورين، وكان الذين بخلاف ذلك مقهورين مغلوبين "، وأن صلاح الدين لم ينتصر على الصليبيين إلا لأنه أبعد النصارى عن أي ولاية أو منصب .
ويصرّح شيخ الإسلام ابن تيمية بأن من أحدث من النصارى كنيسة يخالف فيها الشروط بينه وبين المسلمين فإنه على أحد قولي العلماء قد نقض عهده، وبهذا يصبح ماله ودمه حلالاً، ويباح منه ما يباح من أهل الحرب ، أي أنه يمكن أن يسترق أو يسبى وتسبى زوجته وذريته ويؤخذ ماله.
إن إهانة أهل الذمة وإلزامهم الصغار الذي يفهمه شيخ الإسلام من شرع الله وإذلالهم هو من (شروط التعايش) التي يراها بين أهل الذمة والمسلمين! وهو مما يدخل في مسألة (القصد إلى إهانة الكافر وإهانة مقدساته وسبه ولعنه هو ودينه).
مع أننا نجد نصًا له في الجزء الرابع من الفتاوى يقول فيه بأن من المشركين وأهل الكتاب من هو مؤتمن، وأن استعمال أحدهم جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة مثل ولايته على المسلمين وعلوه عليهم ونحو ذلك .
6. تخويف غير المسلم مصلحة:
بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يذكر أقوال بعض العلماء في مسألة (تأجير) الذمي داراً أو بيعه إياها، مؤدى تلك الأقوال: المنع من تأجير الذمي أو بيعه هذه المرافق لأنه سيدق فيها بالنواقيس وسيكفر فيها بالله، إلا أنه نقل أن رجلاً من السلف هو عبد الله بن عون الهلالي، كان لا يؤجر إلا الذميين فقط حتى (يرعبهم) بأخذ الأجرة!.
وكان الإمام أحمد ربما سئل عن كراء الذمي فيستشهد بابن عون هذا متعجباً منه، وهذا التعجب من الإمام يفسره شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه إنما كان "لحسن مقصد ابن عون ونيته الصالحة" ـ وسنرى ما هي نيته الصالحة بعد قليل ـ وإن كان يفهم من الإمام أحمد كراهته لتأجير غير المسلمين لئلا يكون إعانة لهم على كفرهم وفسقهم، ولست هنا بصدد التفصيل في هذا فليس هذا هو المقصود هنا، ولكن المقصود هنا هو ما يذكره شيخ الإسلام إذ يقول:" والفرق بين الإجارة والبيع، أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضه مصلحة أخرى وهو صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم وإنزال ذلك بالكفار ".
وإذن فتأجير الذمي فيه مفسدة ومصلحة، أما المفسدة فهي أن في تأجيره إعانة له على كفره وفسقه، وأما المصلحة فهي صرف التخويف بأخذ الأجرة عن المسلم، وإنزاله بهذا الكافر.
وإذن فسيكون موقف أصحاب المرافق المؤجرة قسمين:
الأول: يأبى أن يؤجر الذميين حتى لا يعينهم على كفرهم وفسقهم، فيتقي هذه المفسدة، ويؤجر المسلمين فقط.
الثاني: يأبى أن يؤجر المسلمين حتى لا يخيفهم ويروعهم بطلب الأجرة، ومن أجل هذا يؤجر الذميين ـ وإن كان في تأجيرهم إعانة على كفرهم وفسقهم ـ ليصرف هذا التخويف والإرعاب عن المسلمين لينـزلهما على هؤلاء الكافرين، وهذه مصلحة يحققها هنا في مقابل المفسدة بإعانة أهل الذمة الكافرين، والسؤال هنا: ما المصلحة المرجوة في تخويف مستأجر غير مسلم؟!
7. بل إكراه في الدين!:
وعلى الرغم من قطعية قوله تعالى:{لا إكراه في الدين}، نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يفصل في الإكراه فيقول:"والإكراه قد يكون إكراهاً بحق، وقد يكون إكراهاً بباطل، فالأول كإكراه من امتنع من الواجبات على فعلها، مثل إكراه الكافر الحربي على الإسلام، أو أداء الجزية عن يد وهم صاغرون، وإكراه المرتد على العود إلى الإسلام، وإكراه من أسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت ... إلخ" ويتابع:" وأما الإكراه بغير حق فمثل إكراه الإنسان على الكفر والمعاصي وهذا الإجبار الذي هو الإكراه يفعله العباد بعضهم مع بعض ".
فهذا تأصيل من شيخ الإسلام رحمه الله للإكراه في الدين، فصحيح أنه لا إكراه في الدين، لكن لو وقع الإكراه على أحد وكان إكراهاً (بحق) فإن شيخ الإسلام رحمه الله يرى هذا الإكراه ملزماً لمن وقع عليه الإكراه، أي أن الكافر إذا أكره على الإسلام فلا يحق له التحلل منه وإلا قتل مرتدًّا، فيقول:"وأما المكرهبحقكالحربيعلىالإسلام،فهذايلزمهماأكرهعليهباتفاقالعلماء ".
ابن تيمية والآخر المسلمبين النظرية والتطبيق
وبعد أن تناولنا بعرض موجزٍ علاقة ابن تيمية مع الآخر (غير المسلم)؛ نتناول هنا علاقة ابن تيمية مع الآخر (المسلم)، والمقصود بالمسلم الآخر هنا هو المخالف في الاعتقاد، وهو ما اصطلح أن يطلق عليه أنه من "أهل الأهواء والبدع".
غير أنه من المهم جداً في سياق الحديث عن الآخر المسلم أن أذكر تأصيل شيخ الإسلام لقواعد كلية في تكفير المخالف أو تفسيقه، أذكرها فيما يأتي:
قواعد نظرية في التعامل مع المسلم المخالف
الأمر بالجماعة، والنهي عن الفرقة والاختلاف:
كان من أساسيات الخطاب النظري لشيخ الإسلام رحمه الله الأمر بالجماعة والنهي عن الفرقة والاختلاف في الدين، وتفريق المسلمين، فأهل السنة والجماعة إنما سموا كذلك لأنهم "مقتفون لآثار رسول الله وسنته أولاً، ولأنهم يدعون إلى الجماعة التي هي ضد الفرقة والاختلاف وإذن فهم أهل السنة لاتباعهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم أهل الجماعة لأنها هي الاجتماع وضدها الفرقة.
فتأمل كيف ابتدأ الشيخ خطابه بالدعوة إلى الجماعة ووحدة الصف، والتذكير بأن كتابنا واحد ونبينا واحد وأصولنا واحدة، ثم تأمل كيف يقول: (إنه من خالفني كشفت له الأسرار وهتكت الأستار وذهبت إلى السلطان، فإن للسلم كلاماً وللحرب كلاماً!)، ولهذا يتساءل الإنسان: أي جماعة وائتلاف يدعى إليهما في ظل هذا الجو المشحون الذي نلمح فيه التهديد واضحاً، والوعيد قائماً لمن خالفه؟.
فتأمل هاهنا أيضاً أن الشيخ وهو ما زال يتحدث عن الوحدة والخلاف كيف يخاطب من سماه (الشيخ الكبير بجبته وردائه)، وكيف يصفه بعدم الأدب! وبعدم الفضيلة! (لا أدب ولا فضيلة)، إضافة إلى أنه اتهمه بالكذب، ومخالفة الإجماع في أول خلاف جرى في الأمة، والحق أن هذه المسألة ليس فيها إجماع، فما يزال الخلاف فيها إلى اليوم قائماً بين الباحثين.
والسؤال هو: كيف نجمع بين هذا الخطاب النظري الجميل، وبين السلوك في الواقع؟.
على أني أحب هاهنا أن أؤكد أن شيخ الإسلام رحمه الله بشر من البشر يخطئ ويصيب فليس هو كاملاً، وإذا كان قد تصرّف بحدّة ونزق في موقف شديد الضغط والحرج كهذا الموقف الذي نلحظ أنه يقف فيه موقف المتَّهَم بسبب آرائه التي يدعو إليها فربما نعذره من أجل هذا، وغيره أيضاً ربما يفعل مثل هذا وزيادة، لكن المقصود هنا أن الشيخ في خطابه النظري كان يدعو دائماً إلى الجماعة والائتلاف وينهى عن الفرقة والاختلاف، وأظن أن ما نقلته هنا فيه كفاية وما أكثر ما في كتب الشيخ رحمه الله مما يعبر عن هذا المعنى.
1. تكفير الطائفة لغيرها من المسلمين بدعة منكرة:
يقول شيخ الإسلام في هذا:" ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، كما يقولون: هذا زرع البدعي، ونحو ذلك؛ فإن هذا عظيم لوجهين:
أحدهما: أن تلك الطائفة الأخرى قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما في الطائفة المكفرة لها، بل قد تكون بدعة المكفرة أغلظ أو نحوها أو دونها، وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفّر بعضهم بعضاً؛ فإنه إذا قُدِّر أن المبتدع يكفر كفر هؤلاء وهؤلاء، وإذا قدر أنه لم يكفر لم يكفر هؤلاء ولا هؤلاء، فكون إحدى الطائفتين تكفر الأخرى ولا تكفر طائفتها هو من الجهل والظلم، وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم:{ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء}.
والثاني: أنه لو فرض إحدى الطائفتين مختصة بالبدعة لم يكن لأهل السنة أن يكفروا كل من قال قولاً أخطأ فيه؛ فإن الله سبحانه قال:{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، وثبت في الصحيح أن الله قال: (قد فعلت)، وقال تعالى:{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به}، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان)، وهو حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره، وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولاً أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وإن كان فيه مخالفاً للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، لكن للناس نزاع في التكفير.
والمقصود هنا: أنه ليس لكل الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ ولا إمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم ".
والنص كما ترى في غاية الوضوح، وفي غاية الحسم، وفي غاية القطعية أيضاً، فإن تكفير طائفة من المسلمين لطائفة أخرى إنما هو من شأن أهل البدع، فمن أطلق التكفير هكذا في طوائف المسلمين فهو مقتد في الحقيقة بأهل البدع، وهو مشارك للمبتدعة في هذه البدعة، فلا فرق بينه وبينهم من هذا الوجه.
هذا أمر، أما الأمر الآخر فهذا النص من شيخ الإسلام صريح في أن تكفير أو تفسيق الطوائف لا يعد من جملة تكفير وتفسيق المطلقات كما يظنه كثير من الناس فيجده يطلق الأحكام بالكفر أو الفسق جزافاً على فرق الإسلام من الشيعة والمعتزلة والإباضية وغيرهم ظناً منه أن تفسيق الطوائف هو تفسيق مطلقات لا تفسيق أعيان، وهو ظن مخطئ بل التكفير أو التفسيق متجه إلى طائفة محدّدة بعينها وإذن فهو شامل لأفرادها، وسيأتي ذكر هذا في حينه إن شاء الله.
ويتضح مقصود الإمام أكثر في موضع آخر حين يقول:" لا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة"، ثم ذكر الإمام عليًّا رضي الله عنه وكيف تعامل مع الخوارج وأنه لم يقاتلهم إلا لبغيهم لا لعقائدهم ثم قال:" وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص لم يكفروا مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه ".
فإذا كان الخوارج وهم من الذين يكفرون المسلمين بالذنوب ويستحلون دماءهم، وقد كفروا علياً رضي الله عنه، ومع هذا لم يكفرهم هو، بل لم يرفع السيف عليهم حتى رفعوه هم وأفسدوا فساداً عريضاً، إذا كان الخوارج على الرغم من ضلالهم وثبوت الأحاديث في ذلك لا يجوز أن يطلق القول بتكفيرهم فكيف بمن سواهم؟ من الشيعة أو المعتزلة أو الأشعرية أو الماتريدية أو غيرهم من أهل القبلة؟.
2. المتأول ـ مبتدعاً أو مرتكباً للكبيرة ـ يعذر بالجهل، ولا يكفَّر أو يفسَّق حتى تقام عليه الحجة:
وفي هذا يقول شيخ الإسلام:"قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة أنهم لا يكفِّرون أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا يخرجونه من الإسلام بعمل إذا كان فعلاً منهياً عنه، مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر ما لم يتضمن ترك الإيمان، وأما إن تضمن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، فإنه يكفر به، وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة" إلى أن قال:"والكلام إنما هو فيما لا يعذر بترك الإيمان بوجوبه وتحريمه من الأمور المتواترة، وأما من لم يعتقد ذلك فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به فالكلام في تركه هذا الاعتقاد كالكلام فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به ".
فليس من منهج أهل السنة والجماعة تكفير أحد من المسلمين بذنب أو بقول أو رأي مما تنازع فيه أهل القبلة وكما أن "غيبة العقل تكون عذراً في رفع القلم" فكذلك "الشبهة التي ترفع معها قيام الحجة قد تكون عذراً في الظاهر ".
ويقرر شيخ الإسلام أن "الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان سواء كان في المسائل النظرية أو العملية.
هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام. وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها؛ فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع فهذا الفرق ليس له أصل عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم ... ".
والصواب عند شيخ الإسلام: "أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يكفر بل يغفر له خطؤه، ومن تبيّن له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصّر في طلب الحق، وتكلّم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقاً وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته ".
ويبين لنا شيخ الإسلام أن أحوال الشخص تختلف "فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافراً بل ولا فاسقاً بل ولا عاصياً .... إلخ ".
3. التكفير حكم شرعي مرده لله ورسوله ..
ويؤكد ابن تيمية أن التكفير حكم شرعي، المرجع فيه إلى الكتاب والسنة لا إلى الأهواء والأمزجة، ولهذا يردُّ على من قال: أكفر من يكفرني! بأن "الكفر ليس حقاً لهم بل هو حق لله، وليس للإنسان أن يكذب على من يكذب عليه، ولا يفعل الفاحشة بأهل من فعل الفاحشة بأهله، بل ولو استكرهه رجل على اللواطة لم يكن له أن يستكرهه على ذلك" إلى أن قال:" ولو سب النصارى نبينا لم يكن لنا أن نسب المسيح ".
فالتكفير إذن هو حكم شرعي، لا مجال فيه للتهور أو للأمزجة الشخصية، فحتى لو أن أحدنا تعرّض للتكفير من بعض الجهلة المتعجلين فلا يجوز أن يقابل التكفير بالتكفير، فإن هذا ليس حقاً لنا، بل هو حق لله تعالى.
غير أن لنا أن نسأل: لقد ذكر شيخ الإسلام أن مسألة التكفير لا بد فيها من الرجوع إلى الكتاب والسنة، وهذا لا اعتراض عليه البتة، ولكن بأي فهم نرجع إلى الكتاب؟ وبأي سنة تحديدًا وبشروط من؟
4. التكفير والتفسيق بين المطلق والمعيّن:
ويلفت شيخ الإسلام الانتباه إلى التفريق بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن وكذا تفسيق المطلق وتفسيق المعيّن، فربما أطلقت الشريعة الأحكام على المطلقات، ولكن تنـزيلها على المعيّن لا بد فيه من توافر شروط وانتفاء موانع، وما نقل عن السلف الصالح في تكفير من قال كذا وكذا، أو في تكفير مطلق الجهمية أو في تكفير مطلق القدرية أو في تكفير من نفى رؤية الله يوم القيامة مثلاً فهذه الأقوال ليست إلا في المطلقات، أما إنزال هذه الأحكام على الشخص المعيّن فهذا لا بد فيه من توافر الشروط ومن انتفاء الموانع، قال الإمام عن منهج السلف في إطلاق لفظ الكفر:" وليس فيهم من كفر كل مبتدع، بل المنقولات عنهم تناقض ذلك، ولكن قد نقل عن أحدهم أنه كفّر من قال بعض الأقوال، ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليحذر، ولا يلزم إذا كان القول كفراً أن يكفر كل من قاله على الجهل والتأويل؛ فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعيّن كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع" إلى أن يقول:" وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفاراً لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين فيستغفر لهم ويُترحّم عليهم، وإذا قال المؤمن:{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}، يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله فخالف السنة، أو أذنب ذنباً فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان فيدخل في العموم ".
فهناك فرق إذن بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن، ولا يلزم إذا كان القول كفراً أو إذا كان الفعل كفراً أن يكون فاعله كافراً، فربما كان متأولاً أو جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً أو غير ذلك من الأسباب التي تمنع من إطلاق الكفر على المعيّن، وحين يدعو المسلم للذين سبقوه بالإيمان فدعاؤه هذا يمكن أن يشمل مخالفيه الذين اجتهدوا فأخطأوا.
بل ينقل ابن تيمية عن الإمام الشافعي أنه قال لحفص الفرد عندما قال: القرآن مخلوق، نقل عن الإمام الشافعي أنه قال له:" كفرت بالله العظيم"، ولم يعدّه شيخ الإسلام تكفيراً لحفص، ولكنه عدّه تبييناً من الإمام الشافعي له أن ما يقوله كفر، يقول ابن تيمية متابعاً:" ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرّح [أي الإمام الشافعي] في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والبدع ".
ولو أن كل من قال بقول أطلق القول بتكفيره جزافاً لكفرنا كبار السلف الصالح، فبعض السلف ينكر قوله تعالى:" أفلم ييأس الذين آمنوا" ويقرؤونها "أفلم يتبين"، وينكر القاضي شريح قوله تعالى:"بل عجبتَ" بفتح التاء، ويقرأها :"بل عجبتُ" بضمها، وبعضهم كان ينكر أن المعوذتين من القرآن، ومع هذا فلا يجوز تكفير أعيانهم لما قد يعرض لهم من الشبهات القوية أو الجهل بالتواتر وما أشبه ذلك .
والمقصود هنا: أن ابن تيمية يرحمه الله يبين لنا الفرق بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن وأنه لا بد من توافر الشروط وانتفاء الموانع لإطلاق الحكم بتكفير أو تفسيق المعيّن، ولا بد من إقامة الحجة على أن هذا القول أو هذا الفعل كفر "فمن لم يبلغه العلم في ذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام فإن أصرّ على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر ".
ويقول:""وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين، بل يبين له أنه قد أخطأ، فإن بيّن له بالأدلة الشرعية التي يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس، ولم يرجع بل أصر على إظهار مايخالف الكتاب والسنة، والدعاء إلى ذلك وجب أن يمنع من ذلك، ويعاقب إن لم يمتنع، وأما إذا لم يبين له ذلك بالأدلة الشرعية لم تجز عقوبته باتفاق المسلمين، ولا منعه من ذلك القول ولا الحكم عليه بأنه لا يقوله ... ".
ولكن السؤال: ما معنى بلوغ العلم أو الحجة؟ هل بمجرد بيان الأمر للمخالف تكون الحجة قد قامت عليه؟
الواقع أنه ما دام هناك شبهات قوية ومعارضات قوية عند المخالف لا يمكن القول بأن الحجة قد قامت عليه، وليس انقطاع المخالف في مناظرة سبباً للقول بأن الحجة قد قامت عليه؛ لأنه قد ينقطع صاحب الحق أحياناً بسبب انبهار أو شرود ذهن أو مغالطة ذكية لم يستطع كشفها أو غير ذلك من الأسباب، ولهذا فإقامة الحجة هو أمر لا يدركه إلا المخالف نفسه، هو نفسه يعلم ما إذا كانت الحجة قد قامت عليه أو لا، فإن أصر على الكفر بعد إذ علم في نفسه وانكشف له وجه الحق فحينئذ فهو كافر، ولكن من ذا الذي يعلم ما في الصدور إلا الله؟! فليس الأمر سهلاً.
وأمر آخر:
حتى تكفير المطلق لا بد فيه من دليل (قطعي) يشير إلى أن من قال كذا وكذا فهو كافر، فربما أطلق الكفر على أفعال أو أقوال هي ليست كفراً في نفس الأمر، فالأمر ـ أكرر ـ في غاية الخطورة.
هل كان شيخ الإسلام يكفر أحداً بعينه؟
يقول شيخ الإسلام:" مع أني دائماً ـ ومن جالسني يعلم ذلك مني ـ أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية ".
فيخبرنا الشيخ هنا أنه يتحرج جداً من تكفير المخالف، إلا إذا علم حقاً أنه قد قامت عليه الحجة، ولكن تبقى مسألة أنه: كيف نعلم أن الحجة قد قامت على المخالف؟ هل إبانة الحق للمخالف ـ أو ما نرى نحن أنه هو الحق ـ كافٍ لنكون نحن بهذا قد أقمنا الحجة عليه؟ ثم لماذا لا تكون الحجة قد قامت علينا نحن حين يطرح المخالف وجهة نظره ويسوق أدلته لنا؟ وإذن فسيرى هو أننا نحن الذين قد قامت علينا الحجة لا هو؟ ثم إن الحجة لا تقوم على من قامت لديه شبهات قوية تقف موقف المعارض مما نراه نحن حججاً، وما من سبيل لتكون الحجة قد قامت حقاً على المخالف إلا بأن يعلم في قرارة نفسه أن ما نقوله هو الحق، فإذا خالف ذلك انطبق عليه التكفير أو التفسيق ولكن من أين لنا أن نعلم هذه المسألة المستكنّة في قلوب العباد؟ والتي لا يعلم خباياها وخفاياها إلا الله تعالى؟ وإذن فأنَّى وكيف نستطيع
ـ عملياً ـ نسبة المعيّن إلى الكفر؟ فإن دخوله للإسلام كان بيقين، فلا يجوز إخراجه منه بالظن.
أما ثانياً: فإنا نجد أن شيخ الإسلام رحمه الله يتحرّج هنا من التكفير غاية التحرج، ويخبرنا بأنه من أشد الناس تعظيماً لنسبة المعيّن إلى الكفر، غير أنه ـ بغض النظر عن تكفير المعين ـ يكون هناك إشكال حقيقي في تكفير المطلق نفسه من جهتين:
الجهة الأولى: تكفير طائفة بعينها لها وجود في الخارج، مثل تكفير الجهمية على سبيل المثال، وكذلك تكفير القدرية مثلاً أو تكفير المعتزلة أو غير ذلك ألا يعد هذا تكفيراً للأعيان؟ تكفيراً لطائفة معيّنة موجودة في الخارج بعينها؟ تكفيراً لمجموعة معينة لا لفرد! وتكفيراً لجملة لا لشخص؟ فحين أقول مثلاً: النصارى كفار فهذا تكفير لأعيانهم ولكن بالجملة، وليس هذا تكفيراً لمطلق كما يظن بعض الناس، ولكني حين أقول: لقد كفر من قال إن الله ثالث ثلاثة، فهذا تكفير مطلق حقاً ليس مصروفاً إلى طائفة بعينها بل مصروف إلى من يقول هذا القول بشكل مطلق دون تحديد طائفة بعينها، فتأمل!.
الجهة الأخرى: تكفير المطلق من حيث هو مطلق، هل هو دائماً صحيح؟ بمعنى أننا لو قلنا بتكفير من ينكر رؤية الرب يوم القيامة مثلاً فهل هناك نص يفيد حقاً أن منكر الرؤية الحسية بالعين كافر أو أنه من المعلوم من الدين بالضرورة وإذن فمنكره كافر؟ بمعنى أنه هل كان يأتي الأعرابي ليسلم ويعلمه رسول الله الإسلام هل كان يلقنه أنه يجب عليك أن تؤمن بأن ذات الله تعالى ترى عياناً يوم القيامة؟ فهذه من أصول الإيمان التي يكفر تاركها؟ وهل كان رسول الله يلقن الأعرابي وجوب الاعتقاد بالمسيح الدجال؟ أو وجوب الاعتقاد بالمهدي المنتظر؟ ووجوب الاعتقاد بالمعراج مثلاً؟ وأن هذا المعراج كان بالجسد ... إلخ؟
وكذلك اعتبار من يؤوّل النصوص مثلاً مكذباً للنصوص، كما قال شيخ الإسلام في المؤوّلين لظواهر النصوص، قال:" ولو أقرّ بلفظه [أي النص] مع إعراضه عن معناه الذي بينه الرسول، أو صرفه إلى معان لا يدل عليها مجرى الخطاب بفنون التحريف، بل لم يردها الرسول؛ فهذا ليس بتصديق في الحقيقة، بل هو إلى التكذيب أقرب ".
فهل من يؤوّل النصوص على وفق لغة العرب هو مكذب للنص حقاً؟ وهل التأويل في أصله هو تكذيب للنص؟
فهذان إشكالان واقعان في مسألة تكفير المطلق يحتاجان إلى بحث وإلى موازنة.
فهذا مثال، وهناك مثال آخر يوحي بتكفير معيّن، وهذا موجود في فتوى من فتاواه، فقد سئل عن رجل يزعم بأن الله تعالى إنما خلق الكلام في الشجرة عندما نودي موسى عليه السلام، فأجاب:
" ليس هذا على الصواب، بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف الأمة وأئمتها، بل هو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإذا قال: لا أكذب بلفظ القرآن وهو قوله:"وكلم الله موسى تكليماً" بل أقر بأن هذا اللفظ حق لكن أنفي معناه، وحقيقته فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة .... إلخ ".
فهذا الكلام يوحي بتكفير ابن تيمية لهذا الرجل المسؤول عنه بعينه، لم يلتفت شيخ الإسلام فيه إلى افتراض أي مانع من الموانع التي تمنع من إطلاق الكفر عليه كجهل أو تأويل.
كذلك نجد أن ابن تيمية يكفر مطلق الفلاسفة فيقول بأن الفلاسفة ليسوا من المسلمين .
ويصف الفارابي بأنه كافر ضال . ويكفّر نصير الدين الطوسي وصدر الدين القونوي ، ويكفّر ابن عربي وصاحبه الرومي ، إلا أنه يتحرز في ابن عربي ويقول:" والله أعلم بما مات عليه".
وكذلك يكفّر ابن الفارض وابن سبعين ، ويكفر السهروردي ويصفه بأنه صابئي محض.
كما كفّر فخر الدين الرازي إمام الأشاعرة الكبيرالعلامة المتفنن المفسر المتكلم الأصولي صاحب التفسير الكبير مفاتيح الغيب، والمحصول وغيرها فخر الدين فخر الدين يرحمه الله، فوصفه بأنه المحاد لله ورسوله مرتين في كتابه بيان تلبيس الجهمية ، بل وصفه في بيان تلبيس الجهمية بأنه "ارتدّ" إلى الشرك بسبب كتاب منسوب إليه مختلق عليه اسمه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم)، وهو إن كان قد رجع إلى الإسلام فإن سريرته إلى الله! . ج3: 53.
لكننا في المقابل نجد أن شيخ الإسلام رحمه الله يسأل عمّن يفضّل اليهود والنصارى على الرافضة، فيجيب:
"كل من كان مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم؛ فإن اليهود والنصارى كفار كفراً معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام.
والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له؛ لم يكن كافراً به، ولو قدّر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذّب الرسول ".
وفي نكاح الرافضة يقول:"الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال، ولا ينبغي للمسلم أن يزوّج موليته من رافضي، وإن تزوّج هو رافضيّة صح النكاح إن كان يرجو أن تتوب وإلا فترك نكاحها أفضل لئلا تفسد عليه ولده .. ".
فالشيعة الاثنا عشرية عند شيخ الإسلام ليسوا كفّاراً وإنما هم أهل أهواء وبدع وضلال، وسيأتي عما قريب نص يفيد قول ابن تيمية بقتال أئمة الرافضة وإن لم يكونوا كفاراً.
كيف يعامَل المبتدع المتأول؟
علمنا فيما مضى مبدأ شيخ الإسلام في التكفير، وأنه أمر عظيم جليل، فليس هو ألعوبة بيد أي أحد يطلقه على من شاء، إنما هو حكم شرعي يجب أن يخضع لحكم الكتاب والسنة، وليس منوطاً بالأمزجة والأهواء المختلفة.
كما أخبرنا شيخ الإسلام أن هناك فرقاً بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن، وأخبرنا أن المتأوّل لا يمكن الحكم عليه بالكفر ولا بالفسق بل ولا بالإثم أحياناً إذا كان يريد الحق فأخطأه. فهذا كلام يتضح فيه مقدار التسامح الذي يبديه شيخ الإسلام رحمه الله نظرياً مع المخالف لكن السؤال هنا هو:
كيف نتعامل مع المبتدع المتأوّل الذي أراد الحق فأخطأه؟
يعلمنا ابن تيمية كيف نتعامل مع المخالف بأشكال يمكن سردها في نقاط:
1. قبول ظاهره والبعد عن امتحانه:
فيقول عندما سئل عن بعض من يتستر بمذهب السلف وهو ليس سلفيًّا فقال لمن سأله:"إن أردت بالتستر أنهم يجتنّون به ويتقون به غيرهم ويتظاهرون به حتى إذا خوطب أحدهم قال: أنا على مذهب السلف ـ وهذا الذي أراده والله أعلم ـ فيقال له: لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً، فإن كان موافقاً له باطناً وظاهراً؛ فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطناً وظاهراً، وإن كان موافقاً له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فيتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله، فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ".
فحين يمارس المبتدع التقيّة فلسنا نحن مطالبين بالتنقيب عما في قلبه، بل نأخذه على ظاهره والله تعالى يتولى السرائر.
وتجد الشيخ ينهى أن يمتحن الناس على انتماءاتهم الطائفية، ويقرر أن التقوى ليست بالطائفية والانتماءات الحزبية المختلفة والأسماء المطلقة والأوصاف مهما كانت، وإنما أكرم الخلق عند الله أتقاهم، فيقول:" لا نعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها، إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان.
بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان ".
2. إذا أعلن بدعته يجب الإنكار عليه وعقوبته:
وبالرغم من نظرية التسامح التي أصّلها شيخ الإسلام رحمه الله، وأن المخطئ معذور بجهله وتأويله وما قام به من الشبهات المانعة من إقامة الحجة، بالرغم من كل ذلك فإن شيخ الإسلام يقرر وجوب الإنكار على المبتدع (المعلن بدعته أو الداعي إليها)، كما تجب عقوبته بصور مختلفة أقلها هجره والبعد عنه حتى يترك بدعته هذه حتى لو كان متأولاً فيها وسيأتي الحديث عن هذا.
والحاصل هنا أن الشيخ يوجب عقوبة المخالف حتى لو كان متأولاً لم تقم عليه الحجة بل ربما كانت حجته هي الظاهرة، لكنه على كل حال مخالف للسلف الصالح رضي الله عنهم لأن مذهبهم هو الحق.
وفي عقوبة المبتدع الداعي يقول شيخ الإسلام:"يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس في دينهم وإن كان قد يكون معذوراً في نفس الأمر لاجتهاد أو تقليد " هذا في الداعي إلى بدعة يراها هو حقاً محضاً ويراها شيخ الإسلام بدعة منكرة، وإذا كان شيخ الإسلام يدعو إلى إقامة الحد على من استحل النبيذ المختلف فيه! وهو قد شربه ولم يدع الناس إليه، فكيف بالبدعة والدعوة إليها؟ فهو يقول مثلاً:" وكذلك نقيم الحد على من شرب النبيذ المختلف فيه وإن كانوا قوماً صالحين، فتدبر كيف عوقب أقوام في الدنيا على ترك واجب محرم بيِّن في الدين والدنيا، وإن كانوا معذورين فيه لدفع ضرر فعلهم في الدنيا، كما يقام الحد على من تاب بعد رفعه إلى الإمام وإن كان قد تاب توبة نصوحاً .. ".
ففلسفة العقوبة عنده هي حماية المجتمع من هذا الضرر في الدين والدنيا، وليس أن الفاعل مستحق لها بالدرجة الأولى، وإن كنت أستغرب من قياس المتأول في النبيذ أو في العقائد على من رفع إلى الإمام في حد من حدود الله الواضحة في القرآن الكريم!.
هذا، وأولئك المبتدعة الذين يدعو شيخ الإسلام إلى عقوبتهم من أجل أنهم يرون أن الدعوة إلى منهجهم هي دعوة إلى هداية لا إلى ضلال، هؤلاء المبتدعة ـ في نظر مخالفيهم ـ يرون مخالفيهم هم المبتدعة الضالين في نظرهم، فماذا لو كانوا هم المتسلطين في بلد ما أو في زمان ما؟ هل يرضى شيخ الإسلام أن يطبّق منهجه في عقوبة المخالف وإقصائه عليه هو نفسه أو على واحد من أتباعه؟.
هذا، مع أن شيخ الإسلام على الرغم من قوله بالعقوبة في الدنيا للمجتهد المتأول إلا أنه يرى أن عذره هذا إنما ينفعه من النجاة من العقوبة في الآخرة أما في الدنيا فيجب عقوبة من فهم النص فهماً مغايراً لفهمنا وأخذ يدعو الناس إلى ما يراه أنه (الحق)، وإن سرد الأدلة على ما يقول مناظراً ومجادلاً، فيجب أن يعاقب هذا المتأول المخالف في الدنيا بأنواع العقوبات، أما في الآخرة فحسابه على الله عز وجل، ذاك أن "العقوبة في الدنيا لا تدل على كبر الذنب وصغره، فإن الدنيا ليست دار الجزاء وإنما دار الجزاء هي الآخرة، ولكن شرع من العقوبات في الدنيا ما يمنع الفساد والعدوان "، ولا عبرة بالتأويل فإنه قد يرفع العقوبة في الآخرة أما في الدنيا فيقول شيخ الإسلام:"وهذا [يعني ما يتعلق بالتأويل] لا يمنع أن أقاتل الباغي المتأول، وأجلد الشارب المتأول ونحو ذلك، فإن التأويل لا يرفع عقوبة الدنيا مطلقاً، إذ الغرض من العقوبة دفع فساد الاعتداء "، والعقوبات المشروعة "قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة وتكون في حقه من جملة المصائب ".
أقول: أما قتال الباغي المتأول فهو قتال لمن رفع السيف، ورفع السيف يعني القتل وإراقة الدماء فقتاله إنما هو للدفاع عن النفس أو لرد العدوان حقاً، أما شارب النبيذ المتأول فما وجه جلده؟ هذا وشيخ الإسلام ينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لم يحد امرأة ثبت عليها الوقوع في الزنا، لأنها لا تعرف أنه حرام ! فكان هذا الجهل رافعاً للحد في الدنيا، في مسألة ليس فيها خلاف فقهي، هل هناك خلاف فقهي في تحريم الزنا؟ أما النبيذ فالخلاف فيه معروف، وعلى الرغم من أن لشيخ الإسلام رسالة رائعة مشهورة معروفة ضمنها الجزء العشرين من الفتاوى وهي : (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) بيّن فيها وجوه العذر للأئمة في بعض اجتهاداتهم التي قد تصل إلى الشذوذ أحياناً في أصول الدين وفروعه، وذكر فيها النهي عن لعن مجتهد مخطئ، أقول: على الرغم من كل ذلك نجد أن شيخ الإسلام لا يعذر من شَرِبَ النبيذ متأولاً بل يرى أنه يجب أن يعاقب في الدنيا بإقامة الحدِّ عليه!، وإن كان معذوراً في الآخرة لأنه مجتهد مخطئ لا يأثم باجتهاده، وعقوبته التي تقع عليه في الدنيا ـ إن كان مجتهداً مخطئاً ـ ستكون في حقه من جملة المصائب!.
فابن تيمية إذن يؤصل لعقوبة المخالف في الفقه أو في العقيدة، بأنواع العقوبات المقدور عليها، ويؤكد شيخ الإسلام أن هذه العقوبات تفعل مع القدرة، فإذا كنت تقدر عليها فافعلها وإن لم تكن قادراً فافعل ما تستطيعه من هذه العقوبات، وإذن ففي هذا المنهج انسجام بين معاملة الكافر التي ذكرنا طرفاً منها سابقاً، ومعاملة المخالف المسلم، ففي حالة الضعف لست مأموراً بأن تعاقب المخالف، أما إذا كنت أقوى منه فعليك عقوبته ولو بالهجر وإن لم تفعل ذلك فقد تركت واجباً من واجبات الدين، وسأذكر من نصوص شيخ الإسلام ما يؤكد هذا بعد قليل، أما العقوبات التي يقترحها شيخ الإسلام فمنها مثلاً:
أ. هجر المخالف والتحذير منه:
وهي أقل مراتب الإنكار كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله لينتهي عن فجوره وبدعته ، ويقول أيضاً:"وكذلك هجران الدعاة إلى البدع، وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء كلهم أو يعاونهم وكذلك من يترك الجهاد الذي لا مصلحة لهم بدونه فإنه يعاقب بهجرهم له لما لم يعاونهم على البر والتقوى، فالزناة واللوطية وتارك الجهاد وأهل البدع وشربة الخمور هؤلاء كلهم ومخالطتهم مضرة على دين الإسلام وليس فيهم معاونة على بر ولا تقوى فمن لم يهجرهم كان تاركاً للمأمور فاعلاً للمحظور، فهذا ترك المأمور من الاجتماع، وذلك فعل المحظور منه، فعوقب كل منهما بما يناسب جرمه فإن العقوبة إنما تكون على ترك مأمور أو فعل محظور، كما قال الفقهاء: إنما يشرع التعزير في معصية ليس فيها حد؛ فإن كان فيها كفارة فعلى قولين في مذهب أحمد وغيره ".
وإذن فهذه العقوبة لا تنال أهل البدع فقط، بل حتى من يخالطهم فلا بد أن يعزّر أيضاً، ولا يجوز مخالطتهم إلا على وجه تبرأ به الذمة بين يدي الله، وهذا لا يكون إلا بالإنكار عليهم وشنوء ما وقعوا فيه على قدر الإمكان .
ثم تأمل مساواته أهل الزنا واللواطة وأهل الدعارة بالمجتهدين المتأولين ممن سماهم أهل البدع.
ولا بدّ كذلك من تحذير الناس من المبتدع والتشهير به وبيان أمره للناس، فإن أهل البدع أشد على الناس من قطاع الطريق ، فليس للمبتدع غيبة، قال شيخ الإسلام:" ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة، كما روي ذلك عن الحسن البصري وغيره، لأنه لما أعلن ذلك استحق عقوبة المسلمين له، وأدنى ذلك أن يذم عليه لينـزجر ويكف الناس عنه، وعن مخالطته، ولو لم يذم ويذكر بما فيه من الفجور والمعصية أو البدعة لاغترّ به الناس، وربما حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو عليه، ويزداد ـ أيضاً ـ هو جرأة وفجوراً ومعاصي، فإذا ذكر بما فيه انكفّ وانكفّ غيره عن ذلك وعن صحبته ومخالطته، قال الحسن البصري: أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه كي يحذره الناس، وقد روي مرفوعاً .. ".
ومن هجر المبتدعة ألا يعاد مرضاهم، ولا تشيّع جنائزهم ، ولا يصلّى عليهم لزجر العوام عنهم .
وإن زجر هؤلاء المبتدعة ونهيهم عن الكلام في مذاهبهم المخالفة لمنهج السلف هو من واجبات الولاة والأمراء فعلى ولي الأمر زجرهم وردعهم "يجب ذلك في هؤلاء، وفي كل من أظهر مقالة تخالف الكتاب والسنة؛ فإن ذلك من المنكر الذي أمر الله بالنهي عنه ".
وإذن فمن أظهر مقالة تخالف منهج السلف فيجب زجره وردعه وتحذير الناس منه.
وإذا كان هؤلاء المبتدعة من المخالفين للسلف الصالح رضي الله عنهم الذين لا يكون مذهبهم إلا حقاً، وإذا كان ما يأمر به السلف هو ما يأمر به الله، وإذا كان ما ينهون عنه هو ما ينهى عنه الله تعالى؛ فإن "من لم يأتمر بما أمر الله به، وينته عما نهى الله عنه، بل يردُّ على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؛ فإنه يعاقب العقوبة الشرعية التي توجب له ولأمثاله أداء الواجبات وترك المحرّمات ".
وهكذا فالرد على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يستوجب العقوبة، وإذن فإذا أُمر المبتدع بشيء أو نهي عن شيء فعليه أن يستجيب طوعاً أو كرهاً، ولا يناقش، وإذا ردّ على الآمرين الناهين فلا بد أن يعاقب.
ومن العقوبات التي يقترحها شيخ الإسلام أيضاً:
ب. عزل المخالف عن التصدّر وسائر الولايات:
فلا يقدّم للإمامة في الصلاة، ولا يروى عنه الحديث، ولا تؤخذ منه الفتيا، ولا يعمل في القضاء، وترد شهادته في المحاكم، لأنه فاسق من الفسقة حتى وإن كان مجتهداً متأولاً وحتى لو كان عنده أدلته وبراهينه على ما يقول. قال:" لا بد من إقامة الجمعة والجماعة، فإن أمكن تولية إمام لم يجز تولية فاجر ولا مبتدع يظهر بدعته، فإن هؤلاء يجب الإنكار عليهم بحسب الإمكان ولا يجوز توليتهم فإن لم يمكن إلا تولية أحد رجلين كلاهما فيه بدعة وفجور؛ كان تولية أصلحهما ولاية هو الواجب ..إلخ ".
أما ردّ شهادة المبتدع الداعي إلى بدعته وعدم الرواية عنه، فيقول:"وردّ شهادة من عرف بالكذب متفق عليه بين الفقهاء، وتنازعوا في شهادة سائر أهل الأهواء: هل تقبل مطلقاً؟ أو ترد شهادة الداعية إلى البدع؟ وهذا القول الثالث هو الغالب على أهل الحديث، لا يرون الرواية عن الداعية إلى البدع، ولا شهادته، ولهذا لم يكن في كتبهم الأمهات كالصحاح والسنن والمسانيد الرواية عن المشهورين بالدعاة إلى البدع، وإن كان فيها الرواية عمن فيه نوع من بدعة كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية، وذلك لأنهم لم يدعوا الرواية عن هؤلاء للفسق كما يظنه بعضهم، ولكن من أظهر بدعته وجب الإنكار عليه بخلاف من أخفاها وكتمها، وإذا وجب الإنكار عليه كان من ذلك أن يهجر حتى ينتهي عن إظهار بدعته ومن هجره ألا يؤخذ عنه العلم ولا يستشهد ".
وإذن فالسائد عند أهل الحديث ألا يؤخذ عن الداعي إلى بدعته لا لأنه كذاب أو فاسق بل ليزجر عن هذه البدعة التي يعلنها ويدعو إليها، وحتى أصحاب الصحاح والسنن لم يرووا عن الدعاة إلى البدع، وإن كانوا قد رووا عن بعض من فيه بدعة.
ويقول أيضاً:" وعلى هذا فما أمر به آخر أهل السنة من أن داعية أهل البدع يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه، ولا يستفتى، ولا يصلى خلفه قد يكون من هذا الباب، فإن هجره تعزير له، وعقوبة له جزاء، لمنع الناس من ذلك الذنب الذي هو بدعة أو غيرها، وإن كان في نفس الأمر تائباً أو معذوراً ".
ومن العقوبات التي يقترحها شيخ الإسلام أيضاً في حق المخالف:
ج. حرمانه من حقه في الزكاة والفيء وغير ذلك من أموال (المسلمين):
من المعلوم أن الله تعالى جعل الزكاة فريضة تصرف في مصارفها الشرعية المذكورة في القرآن الكريم، فللفقير المسلم فيها حق معلوم، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يؤصل لمبدأ حرمان الفقير المخالف من زكاة المسلمين كأنه ليس من الأمة، أو كأنه ليس إنساناً، وهذا عنده داخل في إطار عقوبة المخالف الداعي إلى بدعته، فهذا أسلوب من أساليب (الحصار الاقتصادي) على المخالف ليترك الجهر بآرائه واعتقاداته، من أجل هذا يقول شيخ الإسلام في وإذا كان الله تعالى جعل للمؤلفة قلوبهم من غير المؤمنين سهماً من الزكاة، فكيف بالمسلم المخالف المتأول؟
والسؤال هو: مم يتوب المخالف؟ أيتوب من عقيدته التي يرى الانتقال عنها إلى غيرها هو الإثم وهو الفجور أو ربما الكفر بعينه؟
إن الذين نعتبرهم (دعاة إلى البدع)، يرون أنفسهم (دعاة إلى الحق)، يتحملون في سبيل دعوتهم المشاق كلها في سبيل أن يبلغوا الحق الذي يعتقدونه، وحين يمارس عليهم هذا التضييق وهذا الحصار الاقتصادي حتى كأنهم ليسوا من الأمة، أو ليسوا من البشر، فهذا التضييق ربما يعدونه نوعاً من الجهاد في سبيل الله كما يجاهد أهل الحق فيصبرون ويحتسبون، وحينئذ ربما نسأل: ماذا لو أن أهل البدع هم الذين كانوا المتصدرين وكانت لهم الغلبة والدولة؟ فهل يرضى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يعامل بهذه الطريقة؟ فإن خصومه يرونه مبتدعاً أيضاً كما يراهم! وإذن فهل سبيل إبلاغ الحق هو بحرمان (المسلم) المخالف من زكاة المال التي يستحقها بشروط توافرها الشرعية لا بمذهبه أو بتأويله المخطئ؟.
وفي هذا الصدد أيضاً يقول ابن تيمية:"وأما الزكاة فينبغي للإنسان أن يتحرى بها المستحقين من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم من أهل الدين المتبعين للشريعة، فمن أظهر بدعة أو فجوراً فإنه يستحق العقوبة بالهجر وغيره، والاستتابة فكيف يعان على ذلك؟ ".
فإعطاء المبتدع من زكاة المال هو إعانة له على سلوك طريق البدعة برأي شيخ الإسلام، ولست أدري هل يريد شيخ الإسلام رحمه الله من هؤلاء الذين يراهم مبتدعة، هل يريد منهم أن يظهروا غير ما يبطنون، ويعلنوا غير ما يسرون، ويمارسوا التقية باحتراف! حتى لا يهددوا في لقمة عيشهم، حتى لا يقصوا من المجتمع، بل ربما تتغير ولاءاتهم إلى غير بلادهم لما يرونه من الحصار الاقتصادي أو الفكري الذي يحرمهم من القول بآرائهم في أمن وأمان يعصمهم من الخوف على دمائهم وأعراضهم، أم ترى يريد الشيخ أن يجمعوا إلى البدعة السرقة وسلوك طرق الحرام لأن المجتمع المسلم منعهم من الزكاة بسبب آراء رأوها لهم فيها أدلتهم وبراهينهم.
د. ضرب المخالف المتأول وحبسه وقتله إن لزم الأمر:
وهو داخل في وجوب الإنكار على المبتدع، وفي وجوب عقوبته على قدر الإمكان كما قد نقلناه سابقاً، يقول شيخ الإسلام:" والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق (المسلمين)، وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه كما (قتل السلف) جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم ".
أما قوله (باتفاق المسلمين) فالسؤال هو: من هم هؤلاء المسلمون؟ هل المقصود بالمسلمين الأمة كلها بكل فرقها المنتسبة للإسلام؟ ففي تلك الفرق من هم من (أهل الأهواء والبدع) مرجئة وقدرية وشيعة وإباضية وغيرها، وهم ـ إن صح أنهم متفقون على معاقبة الداعي إلى البدعة ـ فهم مختلفون في ما هي البدعة التي يعاقب الداعي إليها، وشيخ الإسلام ـ رحمه
الله ـ نفسه يعد عند تلك الطوائف مبتدعاً داعياً إلى بدعته مستحقاً للعقوبة! وهذا ما جرى حقاً للشيخ رحمه الله، إذ اتهم بالبدعة وسجن في سجن القلعة في دمشق وبقي فيها سجيناً حتى مات رحمه الله، فما الذي جعله ثابتاً على رأيه؟ ولماذا لم يرضخ لضغوطات الخصوم؟
الجواب: لأنه يرى نفسه أنه هو على الحق، وهذا بالضبط ما شعر به الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيلان الدمشقي الذين قتلوا بطريقة وحشية فلم يرجعوا عن عقائدهم، لأنهم يرون أنفسهم أنهم على الحق.
بل إن شيخ الإسلام رحمه الله، يقول مقولة الواثق مما يعتقد:"أنا إن قتلت كنت من أفضل الشهداء وكان عليّ الرحمة والرضوان إلى يوم القيامة وكان على من قتلني اللعنة الدائمة في الدنيا، والعذاب في الآخرة ".
فها هو ذا (يجزم) بأنه إن قتل كان من (أفضل الشهداء)، فلم يرض رحمه الله أن يكون شهيداً حتى جعل نفسه من (أفضل الشهداء) إن قتل، بل هاهوذا يجزم بأن من سيقتله ستحل عليه اللعنة الأبدية في الدنيا، والعذاب في الآخرة! دون نظر إلى كون هذا القاتل متأوِّلاً أو لا. كل هذا لامتلائه بما يعتقد، وشعوره شعوراً قويًّا أنه على الحق، فكذلك هؤلاء الذين قتلوا كالجعد والجهم وغيلان وغيرهم لم يرجعوا عن أقوالهم برغم السيف المصلت على أعناقهم، لأنهم يرون أنفسهم على الحق.
وأما إن كان المقصود بالمسلمين ـ الذين اتفقوا على عقوبة المبتدع ـ أنهم ما اصطلح على تسميتهم "أهل السنة والجماعة" فهل هم وحدهم المسلمون؟ وإذا كانوا كذلك فماذا يكون من سواهم؟
هذا، والشيخ هنا ينسب للسلف أنهم مارسوا القتل ـ أو بالتعبير الحديث (التصفية الجسدية) ـ ضد المسلم المتأول المخالف وأنهم هم من سن هذه السنة في المسلم المخالف المتأول؛ ذاك أن الجهمية قد فتنوا الناس بخلق القرآن أيام المأمون، حتى قتل الواثق أحمد بن نصر الخزاعي بيده، وحُبِس الإمامُ أحمدُ وجُلِدَ من أجل هذا، فأصبحت سبة في حق الجهمية مدى الحياة، والسؤال هو: فمن هم السابقون في قتل المخالف وتصفيته جسدياً: الجهمية أم (السلف) الذين يشهد ابن تيمية لهم بأنهم هم من مارسوا قتل المخالفين ابتداءً وباركوا ذلك واستحسنوه؟ فهل يمكن القول بأن الجهمية قد أعادوا الكرة وسقوا مخالفيهم بالكأس نفسها التي سقاهم إياها من يسميهم ابن تيمية السلف ؟
ولا ينسب شيخ الإسلام قتل هؤلاء إلى السلف فقط، بل هو يرى أنهم قتلوا بسيف الشرع ، والسؤال هو: ما الدليل القطعي من الشرع الذي يبيح قتل المسلم المخالف المتأول؟ هذا ما لم نجد شيخ الإسلام يستدل عليه إلى الآن إلا بقوله تعالى:{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} كما سيأتي، وهذه الآية لم ترد إلا في حق الكافرين المشركين المقاتلين لا في حق المؤمنين المخطئين المتأولين.
ويتابع شيخ الإسلام فيقول:"ولو قدر أنه [أي المبتدع] لا يستحق العقوبة، أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها؛ فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله ".
فالأصل إذن ـ في نظر شيخ الإسلام ـ هو العقاب، فإذا كان العقاب متعذراً أو صعباً فاللجوء حينئذ إلى البيان والإرشاد وقرع الحجة بالحجة!، فهذا خيار ثانٍ يأتي بعد العقاب فتأمل!.
ثم يقول:"والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة ".
وهنا فمن حق المخالفين المذكورين في هذا النص أن يقولوا: ماذا تقصدون بالسنة التي خالفناها؟ إذا كنتم تقصدون بالسنة ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هدي في الصلاة والزكاة والصيام والحج وحسن الخلق، والطعام والشراب واللباس والجهاد وغيرها، فكل المسلمين يقولون بهذا، والمسلمون كلهم بهذا الاعتبار هم أهل سنة.
وإن كنتم تقصدون بالسنة ما ورد عن رسول الله من أحاديث، فكل فرقة من هذه الفرق لها دواوينها ولها محدثوها ورواتها ورجالاتها، وإذن فكل فرقة بهذا الاعتبار أيضاً أهل سنة.
وإن كنتم تقصدون بالسنة العقائد التي تقولون بها فهذا هو موطن النـزاع بيننا وبينكم، ولا بد إذن من الحوار والجدال والمناظرة والمناقشة بالتي هي أحسن، على وفق ما أمر الله تعالى به في القرآن الكريم من الجدال بالتي هي أحسن، وقول الحسن للناس.
بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يحث على قتل الداعية إلى البدع حتى وإن (أظهر التوبة)! فيقول:"ومن كان داعياً منهم إلى الضلال لا ينكشف شره إلا بقتله قتل أيضاً وإن أظهر التوبة وإن لم يحكم بكفره كأئمة الرفض الذين يضلون الناس، كما قتل المسلمون غيلان القدري والجعد بن درهم وأمثالهما من الدعاة ".
وإذن فشيخ الإسلام يرى أن المبتدع الداعي إلى بدعته يقتل حتى ولو لم يكن كافراً، كأئمة الرافضة الذين يضلون الناس!، وحتى لو أظهر هذا المبتدع الداعي إلى بدعته التوبة فهذا لن يرفع عنه سيف القتل، وبهذا فليحذر المخالفون فإنهم في خطر حتى وإن أظهروا التوبة!.
ويؤكد شيخ الإسلام أنه ليس شرطاً أن يكون من يقتل لدعوته إلى بدعته كافراً فيقول:"وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس كما يقتل المحارب، وإن لم يكن في نفس الأمر كافراً ".
هذا مع أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وعفا عنا وعنه لا يخفى عليه حديث أسامة بن زيد الصحيح في الرجل الذي قال كلمة التوحيد فقتله، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال أسامة: إنما قالها تعوُّذًا! فأجاب نبي الرحمة ونبي الإنسانية والعطف، قال: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم.
هذا والشيخ أيضاً يرى أنه يجب قتال الطائفة التي تخرج عن شريعة من شرائع الإسلام، ومن ذلك "إظهار البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها، مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وصفاته أو التكذيب بقضائه وقدره أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة من شرائع الإسلام ".
فأما الإلحاد في أسماء الله وصفاته فالمقصود به عند الإمام نفي الصفات وهو فعل الجهمية ومن وافقهم في هذا، وأما التكذيب بالقضاء والقدر فهو قول القدرية الذين ينكرون القدر بمعنى خلق أفعال العباد ويدخل فيه المعتزلة والزيدية، وأما الطعن في السابقين الأولين فالمقصود بهم الشيعة الاثنا عشرية.
فهؤلاء يجب قتالهم ـ في رأيه ـ ويستشهد شيخ الإسلام بقوله تعالى:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" قال:" فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله وجب القتال، حتى يكون الدين كله لله ".
وإذن فشيخ الإسلام يسوق حكماً كلياً مطلقاً هنا هو (وجوب قتال المخالفين) من الطوائف التي ذكرها، فهذا هو الأصل في التعامل معهم على قدر الإمكان.
إن قتل المخالف عند شيخ الإسلام رحمه الله فيه مصلحة للمسلمين وإراحة لهم من شره، "فإن الحق إذا كان ظاهراً قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته؛ فإنه يجب منعه من ذلك، فإذا فعل هجر وعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بصبيغ بن عسل التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قُتل كما قتل المسلمون الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما، كان ذلك هو المصلحة، بخلاف ما إذا ترك داعياً وهو لا يقبل الحق إما لهواه، وإما لفساد إدراكه، فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين ".
فالمهم هو أن يقتل هذا المبتدع الداعي، بغض النظر عن سبب إصراره على بدعته حتى لو كان هذا السبب هو ضعف إدراكه وقلة ذكائه مثلاً فيجب أن يقتل، فإن المصلحة إنما هي في قتله.
وإذا كان القتل هو أقسى عقوبة يمكن أن تلحق بالمخالف الداعي إلى بدعته، فهناك عقوبات دونها كالضرب مثلاً كما فعل عمر بن الخطاب بصبيغ بن عسل التميمي، وهي قصة عن رجل كان يثير الشبهات في متشابه القرآن لا يقصد معرفة الحق بقدر ما كان يقصد إثارة الشبهات، أما تلك الفرق التي يدعو ابن تيمية إلى قتلها وقتالها فلكل منها منهجها في فهم النص الديني، ولها أدلتها العقلية والنقلية، ومناهجها المعرفية، ولها مشايخها وعلماؤها وأعلامها المشهورون بالتقوى والصلاح والعبادة والحرص على مصلحة المسلمين، بغض النظر عما إذا وافقهم شيخ الإسلام أو خالفهم، وتلك الفرق ترفض أسلوب صبيغ بن عسل الذي هدفه فقط التلاعب بآيات الكتاب الكريم بلا منهج ولا ميزان، فأين هذا من ذاك؟.
وإذا كان القتل والقتال هو أقسى ما يمكن أن يوجه للداعي إلى بدعته، فإن للسياط أيضاً وللحبس موضعهما عند شيخ الإسلام، فهو يأمر الوالي أن يزجر البطائحية الصوفية بما سماه السياط الشرعية أي بأن يضربوا.
وهو ينقل عن الإمام أحمد أن المبتدع إذا لم يرجع عن بدعته يحبس حبساً مؤبداً مدى الحياة حتى يموت !.
وكذلك نجد شيخ الإسلام يسب العالم الشيعي ابن المطهر الحلّي في موضعين من كتابه منهاج السنة النبوية ويشتمه ويصفه بأنه "الحمار الرافضي" وبأنه "أحمر من عقلاء اليهود " .
إن شيخ الإسلام ينقم على المبتدعة أنهم "يلزمون بها [أي البدعة] الناس ويعادون من خالفهم فيها ويستحلون عقوبته ".
ولكن من يقرأ لشيخ الإسلام يجد أنه يسلك ـ بحق ـ ما سلكه هؤلاء المبتدعة، فيعادي من خالفه ويستحل عقوبته على الوجه الذي رأيناه.
وإذا كان البطش بالمخالف غير متحقق عملياً فلا أقل من (الفرح) بقتل المخالف وإراقة دمه ولو بعد قتله بقرون!، فهاهو ذا ابن القيم رحمه الله في نونيته يذكر قتل الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى حين قال خالد بن عبد الله القسري للناس يوم العيد: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلِّم موسى تكليماً، فنـزل من المنبر فذبحه، ينقل ابن تيمية هذه القصة ويقول بأن علماء المسلمين شكروا له هذا .
أما ابن القيم رحمه الله فصاغها في نونيته الشهيرة فقال:
من أجل ذا ضحّى بجعدٍ خالد الـ
إذ قال: إبراهيم ليس خليله
شكر الضحيّة كل صاحب سنّةٍ
ـقسريُّ يوم ذبائح القربـان
كلا، ولا موسى الكليم الداني
لله درُّك من أخي قربان
فابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ لا يخفي هنا فرحته من وراء القرون بقتل الجعد بن درهم على يد خالد بن عبد الله القسري، ولا يكتفي بهذا بل يذكر أن "كل صاحب سنة" شكر هذا، ثم يظهر ثناءه على القاتل بقوله: لله درُّك، يعجب من هذا الفعل رضاً به، واستحساناً لصنيعه.
أما جرم الجعد المذكور هنا فهو ـ بحسب ظاهر هذه الأبيات ـ أنه كان يقول إن إبراهيم ليس خليل الله، وإن الله لم يكلّم موسى، هذه الجريمة هي التي ذكرها خصم الجعد بن درهم وهو خالد بن عبد الله القسري. سُمِع الاتهام من القاتل ولم يسمع الدفاع من المقتول!.
فكأن الشيخ رحمه الله يرى أن بيان الخطأ إنما هو في الانقطاع في المناظرة! وهذا ليس كافياً ليمنع الرجل من الكلام، ثم إذا ظهر للناس بطلان ما يقول فلماذا يمنع؟ لقد سقط وانتهى أمره فما الحاجة إلى المنع والعقوبة؟ وأيضاً أي مناظرة سينجح فيها المخالف تحت ضغط العقوبة وظلال التهديد؟.
إن الذين سجنوا شيخ الإسلام وتسلطوا عليه إنما عاملوه بهذه الأصول التي يؤصلها، ونظروا إليه بالمنظار الذي نظر به هو إلى الآخرين، وهذا أمر مؤسف، أمر مؤسف أن يكون الخطاب الطائفي والمذهبي هو سيد الموقف، أمر مؤسف أن تتسلط كل فرقة على الأخرى حين يكون لها الغلبة، فإذا دارت الأيام تغلبت الفرقة المستضعفة واستضعفت الفرقة التي كان له الغلبة، وهكذا دواليك، وحين ستتعامل كل طائفة مع مخالفيها بهذه الطريقة فستتقطع أواصر الأخوة بين المسلمين، وسيقضى على الوحدة الإسلامية التي هي مطلب وهدف، لاسيما في هذه الأزمان التي نحن أحوج ما نكون فيها إلى التجميع لا التفريق ، فلتنـزع كواتم الصوت، ولترفع اللُّجُم عن الأفواه، وليترك صاحب كل قول ليقول رأيه، ولا خوف على الإسلام فإنه ليس ريشة تطيرها نسمة ضعيفة من الرياح، لم يزل الحق حقاً باقياً عرفناه أم جهلناه، كان حقاً قبل أن نولد، وسيبقى حقاً بعد أن نموت، الحق حق، والباطل باطل، فلا خوف على أهل الحق ولا هم يحزنون.
19/4/2011
ابحث
التعليقات
شكر
نشكر لك هذه المشاركة وهذا الكلام
أضف تعليقاً