
1- مقدمة:
أحد العقبات الصعبة امام الحركة الاسلامية نحو المستقبل: اقامة علاقات متوازنة بين مختلف المكونات السياسية والدينية والاجتماعية داخل بلادها وخارجها، ويعتبر عدم تحديد اشكال وحدود وتداخل هذه العلاقات أحد أهم العوائق الخارجية والداخلية في منع مشاركتها في العملية السياسية الديمقراطية، خاصة في ظل تجارب سابقة لم تعبر عن الاسلام بصورة صحيحة.
في زمن" الربيع العربي" وتحولاته الكبيرة المتسارعة، بات ملحا أن نقدم تصوراتنا لشكل الدولة العربية المستقبلية، خاصة ان الحركة الاسلامية احد الأعمدة المهمة في عملية التحول الجديد، وربما تعتبر أكبر الجماعات والاحزاب التي ستشكل الخارطة السياسية المستقبلية للوطن العربي.
الاداء الذي قدمته الحركة الاسلامية لغاية الان - وفي معظم البلدان العربية- كان مقبولاً، لكنه لم يكن كافياً لأن يبعث على الطمأنينة بما يعجل في حسم الامور في الدول التي لم تنتصر ثوراتها بعد، وتلك التي تشهد حراكاً اصلاحياً سلمياً كالاردن مصداقا لقوله تعالى (ان اريد الا الاصلاح ما استطعت).
2- مفهوم الدولة المدنية:
تتشكل الدولة المدنية من عناصر المكان والشعب ونظم العلاقات الذي تحكمهم داخل حدود الدولة، وتنظم علاقاتها بغيرها من الشعوب والدول، والدولة المدنية تعبير عن التجمع البشري لمجموعات قد تكون متعددة الاديان والثقافات والعادات والانساب والاصول، فاختلاف البشر في أديانهم واقع بمشيئة الله تعالى "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" (هود: 118 - 119)، وقد وجدوا اؤلئك انه من ضرورات الحياة والاستقرار والتطور، ان يرتبطوا معا في ظل نظام للدولة يقوم على حمايتهم ويوازن بين كل المكونات في حقوقها وواجباتها، من خلال المفاهيم الاساسية للمواطنة في الحرية الدينية والثقافية والعدالة وتوازن الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، والحق في ادارة الشؤون العامة لبلاده من خلال الانتخابات العامة الدورية والنزيهة، وينبغي أن يسود مفهوم المسائلة السياسية عبر سيادة الشعب، والمحاسبة القانونية لكل شخص فيها عبر استقلال القضاء، مع ضمانات عميقة لحقوق الاقليات المختلفة والحفاظ عليها كمكون سياسي وثقافي وديني ايجابي ضروري، فهم – لدى الثقافة الاسلامية- في حماية رسول الله –ص- (من آذى ذميا فقد آذاني ).
3- الدولة الاسلامية الاولى:
تعبر الدولة الاسلامية الاولى في عهد الرسول –ص – ومن ثم في عهد الخلفاء الراشدين الاربعة، تمثيلا حقيقيا لمفهوم الدولة المدنية، فقد اتخذت اسم " المدينة المنورة" بدل "يثرب" لعاصمتها، وتشارك العيش فيها المسلمون الأنصار -المواطنين اصحاب الارض- والمهاجرون بالاضافة للمشركين واليهود وبعض النصارى، تحقيقا لقوله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات 13، وقد نظم الرسول –ص- وثيقة المدينة ( كتعبير عن الدستور) التى تعتبر اول وثيقة بشرية تنظم العلاقات بين مكونات الدولة، لضمان حقوق وواجبات الجميع فيها، والاصل هو سلوكهم السلمي والتعاوني والتكافلي تجاه الدولة وليس اعتقادهم أوفكرهم، قال تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. " (الممتحنة 8). وقد تزوج الرسول (ص) - تعبيرا عن هذا التمازج في المجتمع المدني- صفية بنت حيي بن اخطب اليهودي، ومارية القبطية من مصر، وهند بنت ابي سفيان المشرك، ولم تمارس اي شكل فيما يطلق عليه اليوم ( احكام الطوارىء) لمدة تزيد في بعض الدول عن مدة تلك الحقبة التاريخية : النبوة والخلافة الراشدة، بالرغم من كونها دولة وليدة مستهدفة في وجودها من المشركين في جزيرة العرب ثم لاحقا من الدول المحيطة كالفرس والروم، حيث شهدت الأربعين عاما من عمر الدولة العشرات من الحروب.
قامت الدولة على ضمان الحقوق الاساسية التي تعتبر المقاصد الكبرى للشريعة الاسلامية والتي تشكل اهم واجبات الدولة المدنية وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، والاصل القيام بها بالعدل بين الناس، قال تعالى ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (الشورى:15).
استوعبت الدولة الاسلامية – حتى بعد اتساعها- النصارى واليهود والمجوس والمشركين في بلاد الشام ومصر واليمن والعراق وفارس وغيرها، ضمن قاعدة: لهم ما لنا وعليهم ما علينا، مع الحق لكل إنسان بحرية الاختيار، وشكلت نموذجا لا زال يضرب به المثل على سماحة المسلمين الذين حافظوا على الديانات الاخرى، ولم يجبروا احدا على الدخول في الاسلام مطلقاً، مصداقا لقوله تعالى ( وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر) الكهف: 29 ويؤكد ذلك قوله (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي) البقرة: 256. ، وما زالوا يعيشون في بلاد العرب حتى يومنا هذا دون اي اضطهاد سجله التاريخ، حتى في ظل العدوان على الأمة في مختلف ازمنتها ومنها غزو التتار والحروب الصليبية.
وحديثاً: لم يتجاوزخطاب الاخوان المسلمين- حتى في فترات اضطهاددهم- هذه المفاهيم وزخرت ادبياتهم المنشورة في معظم الاقطار بكل المعاني الاصلاحية الانسانية، ولم يسجل عليهم كمنهج او كممارسة خروجا على هذا المسار الاصلاحي.
4- الربيع العربي ودور الحركة الاسلامية فيه :
لم يكن الربيع العربي (2011) وليد لحظته، بل كان لتراكمات من الالآم والعذاب والاضطهاد والفساد، وشيوع منهج "التوريث والتأبيد" لمعظم النظم الحاكمة في الوطن العربي، ومن جهة اخرى:الصبر والتضحية المستمرة من المجموعات السياسية والجماعات المدنية، وفي مقدمتها الحركات الاسلامية في الوطن العربي.
شاءت ارادة الله ان تتفجر هذه الثورة في تونس ومصر واليمن وسوريا،وحراكات سياسية اصلاحية سلمية لم تحقق بعد كثيرا من اهدافها في الاردن والبحرين وغيرها، وكل البلاد العربية –بما فيها الدول النفطية- مرشحة للتغيير خلال السنوات القليلة القادمة.
لقد كان بارزا دور الحركات الاسلامية – جماعة الاخوان المسلمين- في هذه الحراكات وتحقيق انجازاتها، ومشاركتها الفاعلة في التخلص من الطواغيت والنظم الفاسدة، ولا زالت الشعوب تتحرك للوصول لحالة الاستقرار وتحقيق الانجازات، والبدء في عملية النهوض الحضاري لشعوبها ومساهمتها في بناء التطور الانساني.
تتعرض الحركات الشعبية وفي مقدمتها جماعة الاخوان المسلمين الى هجمات عنيفة من الداخل والخارج، تحت اتهامات شتى قد تبدو متناقضة، منها: العمالة للغرب والاجندة الخاصة وعدم موثوقيتها بالشراكة مع الاخرين، وانها لا تحترم الحريات الدينية والتنوعات الثقافية، وانها تريد الديمقراطية لمرة واحدة فقط، وانتقاص حقوق المرأة والتضييق على الحريات الفردية، وانها تريد محاربة الغرب، وغيرها من الاتهامات.
بالرغم من وضوح مواقف الحركة تجاه كل ما ذكر من اتهامات، الا أتها بحاجة الى جهود اعلامية وحوارية كبيرة ومتكررة لتقليل اثر "الماكينات الاعلامية" التي تملكها الانظمة الحاكمة، والموجهة سلبيا تجاه الحركة الاسلامية. وتحتاج ايضا الى خطاب واحد واضح موجه للداخل والخارج هو:خطاب الاسلام العظيم الذي جاء لرحمة البشرية (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين).
بالرغم من الاثار البطيئة لمثل هذه الخطابات والحوارات، الا ان الاستمرار فيها مطلوب، وتوفير الامكانات البشرية والمادية لها ضروري، فالغرب يشكل احد المعيقات المهمة امام تحرر ارادة الشعوب، ولا بد من ادراك ان كثير من الانظمة العربية الحالية تستمد شعورها بالشرعية من دعم الغرب لها وليس من خلال التمثيل أو التأيد الشعبي لها.
وربما يقلل هذا الاتصال من الصورة المفزعة التي تستخدمها الأنظمة المستبدة عن الحركة الإسلامية فيما لو نجحت هذه الحركات الإسلامية في أي انتخابات ديمقراطية في بلادها، وبلا شك يقدم صورة صحيحة عن المشروع الحضاري الإسلامي، وتصحيح الصورة السلبية عن الإسلام والحركات الإسلامية.
5-ضمانات التغيير وشروط الاستقرار:
تتمثل ضمانات التغيير في وضوح الرؤية لدى الحركة الاسلامية: نحو دولة مدنية تؤمن بالتعددية الدينية والثقافية والسياسية لقوله تعالى (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، ووحدة الهدف في تحقيق سيادة الشعب على ارضه ومقدراته، والحفاظ على المسار السلمي الاستراتيجي لمسار التغيير بعيدا عن العنف، لقوله تعالى (ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، ومن الضروري ان تعكس هذه الرؤية المفاهيم الاسلامية الصحيحة بالاضافة لحسن التعبير عنها بقيادات الحركات الاسلامية ومنابرها الاعلامية (من امر بالمعروف ، فليكن أمره بالمعروف) ، والاستمرار بالحوارات المختلفة مع الغرب ومنه الجانب الرسمي، وليس فقط الباحثين والاعلاميين، وتوجيه الخالق لنا في حوار أهل الكتاب كما في سورة العنكبوت: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون).
أما داخليا فلا بد من التعاون والتبادل الثقافي بين الحركات الاسلامية وكافة التيارات السياسية والفكرية والثقافات المتنوعة داخل بلدانها كشركاء في المشروع الاصلاحي الداخلي.
ان المسارين المتوازيين في العمل يعتبران ضروريان لاحداث التغيير ، والانتقال نحو مرحلة تعود السلطة فيها للشعب وينتهي حكم الفرد، وتتوقف السيطرة الأمنية على الحياة السياسية والاقتصادية للدولة، وصولا لترسيخ دولة القانون والمؤسسات وإرساء مبادئ حقوق الإنسان وتوفير الأدوات العادلة لتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع الممثلة لإرادة الشعب.
الغد: 18/1/2012
ابحث
أضف تعليقاً