
البيان الختامي لمؤتمر «وحدة الأمة الوسط: من الثوابت إلى ميثاق الوحدة»
إسطنبول – الجمهورية التركية الأربعاء 17 – 19 جمادى الأولى 1448 هـ | 28 – 30 أكتوبر 2026م
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
عملا بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، واستشعارًا لمسؤولية الأمة الإسلامية في وحدتها ورسالتها الحضارية والإنسانية القائمة على العدل والرحمة والتعاون ونصرة المظلومين؛ عقد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووقف علماء الإسلام، بالتعاون مع الجهات المنظمة، مؤتمر «وحدة الأمة الوسط: من الثوابت إلى ميثاق الوحدة» في إسطنبول خلال الفترة من ٢٨ إلى ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦م، بمشاركة علماء ومفكرين وقيادات مؤسسية وسياسية وشخصيات معنية بقضايا الأمة من دول عديدة.
وجاء المؤتمر في ظل تحديات فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وانقسامات أضعفت فرص التعاون والتكامل؛ ليؤكد ضرورة الانتقال من الدعوات العامة للوحدة إلى توافقات راسخة ومشروعات قابلة للتنفيذ. وبعد جلساته العلمية وحواراته وورش عمله، يعلن المشاركون ما يأتي:
أولًا: وحدة الأمة وثوابتها الجامعة
وحدة الأمة فريضة شرعية ومقصد أصيل شرعي وضرورة حضارية، لا تعني إلغاء التنوع المذهبي والفكري والاجتهادي المعتبر، بل ترسيخ المشتركات وإدارة الاختلاف بالحكمة والعلم والعدل، وتغليب المصالح العليا، ونبذ التعصب والغلو والفرقة. وهي ليست انغلاقًا على الذات، بل منطلق للتعارف والتعاون مع الأمم والشعوب في عمران الأرض ونشر الخير ونصرة المظلومين وتحقيق السلم العالمي. والوحدة مسار تراكمي يقتضي الصبر والحكمة والأخوة والحوار والتشاور والثقة، والتعاون المؤسسي المستمر بدلًا من اللقاءات العابرة.
ثانيًا: ميثاق الأمة الوسط وفقه التفريق بين الثوابت والمتغيرات
يؤكد المؤتمر التمييز المنضبط بين الثوابت الشرعية القطعية والمتغيرات الاجتهادية، حفظًا لأصول الدين، وإفساحًا لمجال الاجتهاد المشروع ومرونة التعامل مع المستجدات، بعيدًا عن الغلو والتفريط، مع التعاون فيما اتُّفق عليه، وإعذار بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، وفق الضوابط الشرعية والعلمية. ويتبنى مشروع «ميثاق الأمة الوسط: الثوابت والمتغيرات» لتطويره في ضوء ملاحظات المشاركين إلى صيغة توافقية جامعة تضبط العلاقة بين الثوابت والاجتهاد والتجديد، ويدعو العلماء والمفكرين والقيادات والمؤسسات الإسلامية إلى الإسهام في تطويره ونشر مقاصده.
ثالثًا: المسؤولية المشتركة والتكامل المؤسسي
تحقيق الوحدة مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار العلماء والمفكرين والقيادات السياسية والمؤسسات العلمية والدعوية والتربوية والإعلامية. ويدعو المؤتمر إلى خطاب إسلامي جامع، وحوار يحترم المذاهب والمدارس والتيارات، والانتقال من المبادرات المتفرقة إلى تبادل الخبرات والبحوث والبرامج العلمية والتربوية والمشروعات المشتركة. ويشدد على دور الإعلام في مواجهة الكراهية والتحريض والتعصب، وإبراز المشتركات وبناء الثقة.
رابعًا: التعاون السياسي والإنساني والعلمي ونصرة قضايا الأمة
يدعو المؤتمر إلى إيجاد آليات مستمرة للتشاور والتنسيق بين القيادات والشخصيات السياسية المعنية بقضايا الأمة، وتكثيف الجهود الإنسانية والاجتماعية لإغاثة المحتاجين ونصرة المظلومين وحماية الكرامة الإنسانية، ومواجهة الفقر، والجهل، والتخلف. ويؤكد المكانة المركزية للمسجد الأقصى المبارك، وأهمية تنسيق الجهود لنصرة قضيته وحماية المقدسات بالوسائل المشروعة والمسؤولة. كما يدعو إلى إطلاق مشروعات مشتركة في البحث العلمي وإعداد الموسوعات، وتنظيم البرامج التعليمية والتدريبية واللقاءات العلمية، والعناية بالتربية والإصلاح والتزكية وترسيخ الوسطية والاعتدال والأخلاق وتأهيل الأجيال، ويثمّن كل جهد يسهم في جمع الكلمة.
خامسًا: الآليات العملية ومشروعات الوحدة
للانتقال من المبادئ إلى العمل، يقرر المؤتمر ما يلي:
• تأسيس «مركز الوحدة للدراسات والمشروعات الوحدوية والنهضوية» إطارًا علميًّا وعمليًّا للدراسات والمبادرات.
• تشكيل لجان للوحدة في الدول الإسلامية والمجتمعات المسلمة في بلاد غير المسلين لتقريب الرؤى وتنسيق جهود الجماعات والمؤسسات.
• تنظيم دورات علمية مشتركة لتنمية الفهم والحوار.
• عقد ورش عمل داخل كل دولة لتشخيص المعوقات واقتراح حلول قابلة للتنفيذ والمتابعة.
• إدامة التواصل بين العلماء والدعاة والمفكرين باللقاءات والمؤتمرات الدورية.
• إعداد مشروع دعوي جامع ومتجدد، يتجاوز الوعظ المباشر إلى البناء والإصلاح، مستلهمًا القرآن والسنة، ومرتكزًا على سبعة أصول: فقه الميزان والموازنة بين المصالح والمفاسد، وفقه البصيرة والمآلات، والحكمة، والحوار بالتي هي أحسن، والموعظة الحسنة، واعتماد الأحسنية في الأقوال والأعمال والمواقف، والتجديد المستمر للخطاب والبرامج والوسائل مع حفظ الثوابت.
سادسًا: تحويل المخرجات إلى برامج ومتابعة التنفيذ
يؤكد المؤتمر أن نجاحه يُقاس بما يتحقق من مشروعات وتعاون مستدام، ويدعو إلى جعل وحدة المسلمين مادة معتبرة في المناهج التعليمية والتربوية والتكوينية والدعوية، وتحويل مخرجات ورش العمل حول التعاون السياسي والتعاون بين المؤسسات الإسلامية العلمية إلى برامج ومبادرات واضحة الأهداف والأولويات، وتسمية نقاط اتصال بين الجهات المشاركة لتبادل المبادرات والخبرات ومتابعة الاتفاقات، واستمرار التشاور وعقد لقاءات دورية لتقييم النتائج وتذليل الصعوبات.
سابعًا: نصرة الشعوب المظلومة وصون وحدة الأوطان
يؤكد المجتمعون أن الفرقة والضعف من أبرز العوامل التي فاقمت معاناة شعوب الأمة في فلسطين واليمن والسودان وغيرها، ويدعون إلى توحيد الكلمة وتنسيق الجهود لنصرة المظلومين وحماية الحقوق والمقدسات. ويطالبون بوقف الإبادة الجماعية في غزة، وإنهاء القتل والانتهاكات في الضفة الغربية، وحماية الأسرى والمقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، وإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية.
ويؤكد المؤتمر تضامنه مع الشعب اليمني، ودعمه لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، وتمكين مؤسسات الدولة الشرعية من أداء مهامها وبسط سلطتها على أراضي البلاد. كما يؤكد تضامنه مع السودان، ودعم وحدته وسيادته ومؤسساته الشرعية، ويدعو إلى تكثيف الدعم الإنساني والمادي والمعنوي لشعبه، والعمل على إنهاء الصراع واستعادة الأمن والاستقرار في جميع أنحائه.
ويجدد المؤتمر تضامنه مع الشعوب المضطهدة في الروهينغا وتركستان الشرقية وغيرهما، ومع المظلومين من سجناء الرأي في كل الأقطار والذين لم يرتكبوا جرمًا، ويدعو إلى إطلاق سراحهم وصون حقوقهم وكرامتهم.
كما يؤكد الاتحاد موقفه الدائم والثابت الداعي إلى نهوض الشعوب الإسلامية وبخاصة الأفريقية وجمع كلمتها واستثمار خيراتها وثرواتها في النهوض والبناء والعمران وتحقيق الاستخلاف الرباني في الأرض في كافة المجالات الدينية، والاقتصادية، والتعليمية، وغيرها.
ثامنًا: صون السلم المجتمعي ورفض الاعتداءات وخطاب الكراهية
يؤكد الاتحاد موقفه الثابت الرافض للإرهاب بكافة أشكاله وصوره ويحذّر من توظيف هذه الاضطرابات في بعض البلاد الغربية لتأجيج خطاب الكراهية ضد المسلمين، وتعزيز ظاهرة الإسلاموفوبيا ومعاداة الإسلام والمسلمين، ويدعو إلى احترام القانون وصون الحقوق والحريات، والتأكيد على إدانة الاعتداء الذي طال الكنيسة ويدعو إلى وترسيخ مبادئ التعايش السلمي والاحترام المتبادل.
ختامًا:
يشكر المشاركون الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووقف علماء الإسلام والجهات المنظمة، والعلماء والمفكرين والقيادات والوفود المشاركة، والجمهورية التركية رئيسا وحكومة وشعبا وكل من أسهم في تيسير المؤتمر وإنجاحه. ويؤكدون أن المؤتمر خطوة في مسار ممتد نحو وحدة تقوم على الثوابت الجامعة وتحترم التنوع المشروع، وتترجم التوافق إلى تعاون مؤسسي ومشروعات ملموسة تخدم مصالح شعوب الأمة ورسالتها الحضارية والإنسانية. ونسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والخير، ويؤلف بين قلوبهم، ويوفقهم لصالح دينهم ودنياهم.
والحمد لله رب العالمين
صادر عن مؤتمر «وحدة الأمة الوسط: من الثوابت إلى ميثاق الوحدة»
إسطنبول، الأربعاء 19 جمادى الأولى 1448 هـ / ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦م
#وحدة_الأمة_الوسط
#مؤتمر_الوحدة
ابحث
أضف تعليقاً