
بسم الله الرحمن الرحيم
إعداد الدكتور: عماد صالح إبراهيم شيخ
أدب الاختلاف
الاختلاف : أن ينهج كل شخص طريقا مغايرا للآخر في حاله أو في قوله ، والخلاف أعم من" الضد" لأن ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين ، قال تعالى " فاختلف الأحزاب من بينهم "([1]) وقال تعالى " إنّكم لفي قول مختلف" "([2]) وقال تعالى " إنّ ربّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون "([3]) ، وعلى هذا يمكن القول بأن " الخلاف والاختلاف " يراد به مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة أو الموقف . ([4])
أسباب الاختلاف :
هناك أسباب كثيرة تجعل الناس يختلفون :
أنواع الاختلاف([5])
أمثلة الاختلاف
أولا: الاختلاف في القرآن الكريم:-
أورد القرآن الكريم أمثلة كثيرة تبين أنواعا من الخلاف ، ومن أمثلة الخلاف المذموم ما دار بين فرعون والسحرة ، فبعد أن وعد فرعون سحرته بأنه سيجعلهم من المقربين ، وأنهم سيكون لهم شأن عظيم عنده إن فازوا على موسى عليه السلام ، ووعد موسى عليه السلام بالا تباع إن فاز على السحرة ، لكنه في نهاية الحوار كذّب موسى عليه السلام ولم يؤمن به ، وقتل السحرة عندما لم يستطع صدهم عن الإيمان .قال تعالى ((قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ) (70)) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ([6])
اختلاف الصحابة زمن رسول الله r :-
ذكر الو احدي من حديث ابن جريج ، قال حدثني ابن أبي مليكه أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله r ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أمِّر القعقاع بن معبد ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أمِّر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر ما أردتّ إلا خلافي ، وقال عمر ما أردت خلافك ، فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما،فنزلت الآيات : يَا ((أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ *)) ([7])
اختلاف الصحابة بعد رسول الله r :
إذا كان الاختلاف قد حصل في حياة رسول الله r فكيف لا يحدث بعد وفاته r ؟ لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في كثير من الأمور بعد رسول الله r منــــــها:
ملاحظات على اختلافات الصحابة رضي الله عنه
1-أن الصحابة بشر والبشر يخطئون ويصيبون
2- لم يعب أحد من الصحابة على الآخر رأيه أو قوله ولكن إن شاء أخذ به أو تركه .
3- لم يكن قصد الصحابة الاختلاف أصلا وإنما كان قصدهم المصلحة العامة ،
4- سرعة عودة الصحابة إلى الحق بعد وقوع الاختلاف ، وعدم انتصارهم لأنفسهم
5- امتثال الصحابة لأمر الله عز وجل ، واستجابتهم لأمر رسول الله r .
قواعد عامة في الاختلاف([9]):
1) ما لا يتطرق إليه الخلل ثلاثة: كتاب الله ، وسنة نبيه r ، وإجماع الصحابة ،
وما سوى ذلك ليس بمعصوم:
الأصول التي لا يتطرق إليها الخلل والتي يجب الرجوع إليها عند كل خلاف هي كتاب الله سبحانه وتعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة ، ثم ما علم يقيناً أن أمة الإسلام جميعها اجتمعت عليه ، وما سوى هذه الأصول الثلاثة فليس بمعصوم من الخطأ .
ويترتب على هذه القاعدة السابقة ما يلي:
أ) لا يجوز لأحد أن يطرح ما له دلاله قطعية من كتاب الله ، وسنة رسوله ، وما علم يقيناً أن الأمة قد أجمعت عليه. على مائدة الحوار والاختلاف فلا حوار ولا خلاف على فرضية الصلاة وحرمة الربا .
ب) ظني الدلالة من الكتاب والسنة يرد إلى المقطوع ، والمتشابه يرد إلِى المحكم
2) رد المعلوم من الدين بالضرورة ( كـُفر ) :
لا يجوزالحوار والخلاف في حكم من الأحكام الإسلام المقطوع بها والمجمع عليها إجماعاً لا شبهة فيه ، والمعلوم من الدين بالضرورة كالإيمان بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى ، والصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ، ووجوب الزكاة والحج ، وحرمة الربا والزنا ، والخمر ، والفواحش ، ونحو ذلك من المعلوم من الدين بالضرورة أنه من الإسلام.
3) الخلاف جائز في الأمور الاجتهادية:
يجوز الاختلاف في الأحكام الفقهية الاجتهادية ،بل إن الاختلاف في الأحكام الفقهية أمر طبيعي تقتضيه طبيعة هذا الدين ، ولا يجوز الحكم على من اتبع قولاً منها بكفر ولا فسق ولا بدعة .
ولمن بلغ درجة النظر والاجتهاد أن يختار منها ما يراه الحق ، ولمن عرف الأدلة وأصول الفقه أن يرجح بين الأقوال ، ولا بأس بالتصويب والتخطيء ، وبالقول إن هذا راجح ، وهذا مرجوح ، كقراءة الفاتحة وراء الإمام في الجهرية ، والجهر والإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم ، وإتمام الصلاة في السفر .
4) وقوع الاختلاف هـــو رحمة وسعة أحياناً :
الخلاف في الأمور الاجتهادية وقع من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع علماء وفضلاء هذه الأمة سابقا وحتى هذه الأيام ، وذلك أنه من لوازم غير المعصوم ، ولا معصوم إلا رسول الله r ،وأما من بعده فلا عصمة لأحد منهم ، والخطأ واقع منهم لا محالة.
وقد أكد العلماء أن هذا الخلاف فيه أنواعا من الرحمة لهذه الأمة :
أ) الرحمة في عدم المؤاخذة: قال تعالى : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ([10]) وقد ثبت في صحيح البخاري رحمه الله أن الله قال بعد أن أنزل هذه الآية ، وتلاها الصحابة : قد فعلت ، والمجتهد المخطئ معذور ، بل مأجور أجراً واحداً كما جاء في الصحيحين :" إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فله أجر واحد"([11]).
ب) الرحمة والسعة في جواز الأخذ بالقول الاجتهادي قال ابن قدامة رحمه الله في مقدمة كتابه المغني : (أما بعد ... فإن الله برحمته جعل سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام وأوضح بهم مشكلات الأحكام : اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة)[12]. وذكر ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: (أن عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد اجتمعا فجعلا يتذكران الحديث فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفاً فيه القاسم ، وجعل ذلك يشقُّ على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر : لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم)([13])
5) يجب اتباع ما ترجح لدينا أنه الحق:
ما تنازع فيه الصحابة وأئمة الإسلام بعدهم ، وعلم بعد ذلك أن النص بخلافه فإنه يجب علينا فيه اتبع ما تبين أنه موافق للدليل ، وعدم اتهام السابقين بكفر أو فسق أو بدعة وذلك : ، كصرف الدينار بالدينارين ، ونكاح المتعة ، ومنع التمتع في الحج ، ...ومثل هذه المسائل كثير .
6) أسباب الخلاف التي يعذر فيها:
أسباب الخلاف التي يعذر فيها المخالفون كثيرة : كمعرفة بعضهم بالدليل ، وجهل بعضهم له والاختلاف حول صحة الدليل ، وضعفه ، وتفاوت فهمهم للنص وتقديم بعضهم دلالة من دلالات النص على أخرى ، كمن يقدم الفحوى على الظاهر ، ،كما اختلفوا في قوله r : (لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيهم وقال بعضهم ، بل نصلي ، لم يرد منا ذلك فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم)([14]) ومثل هذه الأسباب يعذر أصحابها إذا اجتهد كل منهم لمعرفة الحق .
7) أسباب الخلاف التي لا يعذر فيها المخالف:
وأما الأسباب الأخرى التي لا يعذر فيها المخالف فهي الحسد والبغي ، والمراءاة والانتصار للنفس ومن كانت هذه دوافعه للخلاف ، حرم التوفيق والإنصاف ، ولم يهتد إلا للشقاق والخلاف كما قال تعالى: )) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ((213) ([15])فالذين هداهم الله هم الذين لا يبغون .
8) وجوب طاعة الإمام في الأمور العامة وإن أساء ما لم يخرج من الإسلام:
منهج أهل السنة والجماعة الصلاة خلف أئمة الجور والجهاد معهم ، وإن كانوا فجاراً ، والصوم بصومهم والحج بحجهم ، وإعطاء الزكاة لهم . ففي الصلاة صلى المسلمون خلف الذين حاصروا الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وصلى السلف خلف الحجاج والوليد ، ، وأمر النبي r بالصلاة خلف الولاة وإن كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها . وفي الزكاة قال النبي r : (أدوا إليهم حقهم ، وسلوا الله حقكم)([16])
9) لا يجوز للإمام أن يحجر نشر علم يخالفه:
ليس لإمام المسلمين أن يحجر الناس من نشر علم يخالف رأيه ، أو مذهبه ، بل عليه أن يترك كل مسلم وما تولى، كما ترك عمر رضي الله عنه عماراً وغيره يذكر ما يأثره عن الرسول رضي الله عنه في التيمم.
وأفتى ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم بخلاف رأي عمر رضي الله عنه في متعة الحج ، وأفتى حذيفة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بخلاف رأي عثمان رضي الله عنه في إتمام الصلاة بعرفة ومنى .
ولكن يجب على الإمام أن يمنع نشر الكفر والبدع والزندقة ، وأن يقيم الحدود الشرعية في ذلك ، فسب الله وسب رسوله وسب دينه يوجب القتل لقوله r : من بدل دينه فاقتلوه»رواه البخاري ، والساعي في المتشابهات ، والتشكيك في الدين يجب تعزيره.
1.) لكل مسلم الحق بل عليه الواجب في إنكار المنكر والأمر بالمعروف:
لما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً من الله على كل مسلم وجب على ولي الأمر إطلاق يد المسلم في ذلك إلا ما كان من حقوقه هو كإقامة الحدود والتعزير ، وأما ما كان تحت ولاية المسلم فهذا له كتأديب الزوجة ، والولد في حدود ما شرعه الله في ذلك ، وكذلك إنكار المنكر باللسان ، لو كان هو منكر الإمام نفسه عملاً بقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)([17])
فلا يجوز للمسلم أن يكتم علماً ، ولا أن يقر على باطل إذا علم أن إقراره رضا ومتابعة ، وقد بين النبي r ذلك حيث يقول : (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن عرف برئ ، ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا . ما صلوا)([18])
آداب الاختلاف:
الاختلاف سنة شرعية أكدها القرآن الكريم ونص على وجوبها بين الناس لاختلاف مراتب عقولهم وأفكارهم ومعتقداتهم و.. يقول الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ([19]). وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8) ([20])
بينما نجد البعض يرفض شرعية الاختلاف فيجعل الناس يؤمنون بفكر واحد وثقافة واحدة دون تجديد وتطوير وتطلع للإبداع والتغيير، من الغريب أن نجد من يدعي لنفسه فهم الإسلام وحقائقه وهو لا يعطي فرصة حق الاختلاف للرأي الآخر.
إن مصادرة الرأي الآخر لن يحقق إلا تمزيق الأمة وتفتت وحدة المجتمع وخلق الفتن والصراعات العبثية المنهي عنها شرعاً وعقلاً ومنطقاً وأخلاقاً.. في حين أن احترام الرأي الآخر وتشجيعه سيؤدي إلى التقدم والإبداع والابتكار.. كما أن ضمان حرية الرأي للجميع سيساهم في بناء وحدة الأمة وصلابة عودها.
فالحوار والاعتراف بحق الآخر يفسح مجالاً واسعاً للبحث في الدراسة المقارنة بحثاً موضوعياً يتوخى من ورائه حل مشاكل بعيدا عن التعصب المذموم.
وهذه جملة من الآداب العمل بها يهدي إلى الحق بإذن الله ويبعد المؤمنين عن الخلاف :
1- إخلاص النية لله: قال الله تعالى :((قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163) ) ([21]) على من يجلس للحوار والمناظرة أن يجعل نيته هي إرضاء الله سبحانه وتعالى والوصول إلى الحق ، وكشف الغموض عن مسألة يختلف فيها المسلمون ، ورأب الصدع بينهم ، وجمع الكلمة وإصلاح ذات البين .عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :قال رسول الله r : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)([22]) ، ومن أخطر ما يمكن أن يتعرض له المتحاوران هو حب الظهور والانتصار على
الخصم ، واثبات الذات ،قال الإمام الشافعي :"ما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة ، وما ناظرت أحدا قط على الغلبة ".([23])
2- تمني الخير للمناظر المحاور في الطرف الآخر
إذا كانت نية الإنسان الوصول للحقيقة فعلية أن يتمنى الخير لخصمه من أجل الوصول إلى الحقيقة ، وعلى المسلم أن يعلم أن المسلم أخو المسلم لا يحقره ولا يخذله ولا يسلمه كما ثبت ذلك في صحيح حديث رسول الله r .
قال الإمام أبو حنيفة :" كنا نناظر وكأن على رؤوسنا الطير ، مخافة أن يزل صاحبنا ، وانتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم ، ومن أراد أن يزل صاحبه فقد أراد أن يكفر صاحبه ومن أراد أن يكفر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر صاحبه ."([24]) وقال الإمام الشافعي :" ما كلمت أحدا إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان " والمقصود بالكلام هنا المناظرة والحوار .([25])
3- احترام الرأي الآخر بالاستماع إليه حتى ينتهي .
من آداب الحوار والمناظرة أن تسمع من مخالفك قبل أن ترد، وأن تحدد محل الخلاف قبل أن تخوض في الموضوع.و يجب على كل مختلفين أن يعطي كل منهما للآخر عند النقاش فرصة مكافئة لفرصته، فإن هذا أول درجات الإنصاف . فلا تقاطع وانتظر فرصتك في النقاش واسمع لمخالفك وانتظر أن ينتهي من كلامه .
ومن الأمثلة الرائعة في هذا المجال ما دار بين رسول الله r وبين الوليد بن المغيرة عندما أرسلته قريش يحاور الرسول r لكي يقنعه بأن يتوقف عن دعوته الجديدة التي جاء بها يدعو الناس إليها ، فجاءه وهو يصلي في المسجد فقال : أنك منا حيث قد علمت من خيارنا نسبا وحسبا ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت أحلامهم ، وعبت آلهتهم ودينهم ، وكفّرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، فقال رسول الله r قل يا أبا الوليد أسمع . فقال يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئت به مالا،جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن لا تسسطيع رده طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا ، حتى نبرئك منه . فقال عليه السلام :" أفرغت يا أبا الوليد "؟قال : نعم ، إن كلام أبو الوليد وإن ظهر فيه الأدب إلا أنّه فيه استهزاء عميق برسول الله r ، فكأنه يقول لرسول الله r وبالعبارة الصحيحة : إما أنك وصولي أو انتهازي أو مجنون أو شهواني وبمعنى آخر نحن لا نصدق إطلاقا بأنك نبي مرسل من عند الله . وفي ذلك إقصاء حقيقي لمصداقية الرسول r ، ولكن العظمة تظهر في خلق رسول الله r ليس في سكوته على هذه الاتهامات ولكن فيقول له : "أو قد فرغت يا أبا الوليد" ؟ يعني هل عندك شيئا آخر تضيفه ؟ فيجب أبو الوليد : نعم فرغت . فيقول له اسمع يا أبا الوليد ويقرأ عليه القرآن
: بسم الله ارحمن الرحيم ((حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ((14)[26])
فأمسك أبو الوليد بفيه وناشده الرحم أن يكف . ورجع يقول لقومه والله لقد سمعت كلاما ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني وخلو بين الجل وما هو فيه ، فقالوا سحرك والله يا أبا الوليد . ([27])
فلماذا لا نقتدي برسول الله r ؟ ونقبل على سيرته نقرؤها بقلوب متفتحة وعقول مستنيرة ، لنطبقها في كل تصرفاتنا وأعمالنا ففيها الخير والنور والحل لكل مشاكلنا .لقد استمع رسول الله r إلى خصمه الذي تحدث معه من منطلق قوة واستخفاف إلى أن أنهى حديثه كاملا ولم يقاطعه ، وبعد أن انتهى قال له أفرغت يا أبا الوليد ؟ وعندما رد عليه لم يجبه بنفس الأسلوب من التهكم بل قرأ عليه القرآن الذي يبين حقيقة دعوته ووظيفته كبشر ينقل رسالة ربه.
4) ادخل إلى المناظرة وفي نيتك أن تتبع الحق وإن كان مع خصمك ومناظرك:
المسلم الذي قرر الإخلاص في حواره ومناقشته وابتغى في ذلك وجه الله عز وجل لا يمكن أن يرفض الحق ،فالحكمة ضالة المؤمن وهو أحق الناس بها ، فمن هنا يجب على المسلم الذي يخالف أخاه في مسألة ويناظره فيها ألا يدخل نقاشاً معه إلا إذا نوى أن يتبع الحق أني وجده ، وأنه إن تبين له أن الحق مع مخالفه اتبعه وشكر لأخيه الذي كان ظهور الحق على يده لأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس.
5) لا تتهم النيات:
مهما كان مخالفك مخالفاً للحق في نظرك فإياك أن تتهم نيته ، افترض في المسلم الذي يؤمن بالقرآن والسنة ولا يخرج عن إجماع الأمة ، افترض فيه الإخلاص ، ومحبة الله ورسوله ، والرغبة في الوصول إلى الحق ، وناظره على هذا الأساس، وكن سليم الصدر نحوه.
لا شك أنك بهذه الطريقة ستجتهد في أن توصله إلى الحق إن كان الحق في جانبك وأما إذا افترضت فيه من البداية سوء النية ، وقبح المقصد فإن نقاشك معه سيأخذ منحى آخر وهو إرادة كشفه وإحراجه ، وإخراج ما تظن أنه خبيئة عنده ، وقد يبادلك مثل هذا الشعور ، فينقلب النقاش عداوة ، والرغبة في الوصول إلى الحق رغبة في تحطيم المخالف وبيان ضلاله وانحرافه.
7) إذا تيقنت أن الحق مع مخالفك فاقبله وإذا قبل منك الحق فاشكره ولا تمن عليه:
يجب على المسلم إذا علم الحق من كلام مخالفه أن يبادر إلى قبوله فوراً لأن مخالفك في الدين يدعوك إلى حكم الله وحكم رسوله ، وليس إلى حكم نفسه . وأما إذا كان رأياً مجرداً ، ورأيت أن الحق معه ، وأن المصلحة الراجحة في اتباعه فاقبله أيضاً لأن المسلم رجّاع إلى الحق، ولا بد لانطلاق الحوار من التسليم الجدلي بأنَّ الخصم قد يكون على حق ، فبعد مناقشة طويلة في الأدلة على وحدانية الله تأتي هذه الآية من سورة سبأ: "قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) ([28]) فطرفا الحوار سواء في الهداية أو الضلال ، ثم يضيف على الفور في تنازل كبير بغية حمل الطرف الآخر على القبول بالحوار وأما إذا وافقك مخالفك ، ورجع عن قوله إلى قولك فاشكر له إنصافه ، وقبوله للحق ، واحمد الله أن وفقك إلى إقالة عثرة لأخيك ، وبيان حق كان غائباً عنه.
8) أرجئ النقاش إلى وقت آخر إذا علمت أن الاستمرار فيه يؤدي إلى الشقاق والنفور:
إذا تيقنت أن النقاش والحوار سيؤدي الاستمرار فيه إلى الشقاق ، والنفور فاطلب رفع الجلسة ، وإرجاء النقاش إلى وقت آخر ، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ،قال : قال رسول الله r : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً ، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خُلقه .)([29])
أن ترك الحوار والمناقشة والجدال ، من أجل الحفاظ على الأخوة ورأب الصدع ومنع الشقاق والخلاف ، خير من الاستمرار فيه حتى وإن كانت النتيجة هي الانتصار على الخصم ، وعلى المتحاورين أن يضعوا نصب أعينهم أن الخلاف في الرأي يجب أن لا يفسد للود قضية ، بل إن الحفاظ على الأخوة والوحدة الإسلامية فريضة يجب الدفاع عنها ،
المـــــــــــــــراجع
****القرآن الكريم
1.- أبو حامد محمد الغزالي .- إحياء علوم الدين .- دار المعرفة ، بيروت .
11-خالد محمد خالد ، بين يدي عمر ، الطبعة الرابعة ، القاهرة ،دار المعارف .
12-مصطفى الشكعة ، الأئمة الأربعة ، الطبعة الأولى ، القاهرة : دار الكتاب المصري ، 1979
13-عبد الرحمن الشرقاوي ، أئمة الفقه التسعة ،الطبعة الأولى ، بيروت ، دار اقرأ 14.1/1981
14-طه العلواني ، آداب الاختلاف في الإسلام ، الطبعة الأولى، كتاب الأمة رقم (9)من منشورات رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دولة قطر .جمادى الأولى 1405هـ
15-محمد بن إدريس الشافعي ، ديوان الشافعي ، الطبعة الأولى ، بيروت :دار صادر للطباعة والنشر 1996
16-إبراهيم المشوخي ، آفات اللسان ، الطبعة الثانية ، الزرقاء : مكتبة المنار ، 1983
17-حسن البنا ، مجموعة الرسائل ، الوصايا العشر
***مجموعة مقالات عبر شبكة الإنترنت
http://www.e-wtc.com/emrc/positive_conversation.html
1- سورة مريم ،الآية (37)
2- سورة الذاريات الآية (8)
3- سورة يونس ، الآية ( 93)
4- طه العلواني ، أدب الاختلاف في الإسلام ، ص(23)
1- طه العلواني ، أدب الاختلاف في الإسلام ، ص (28)
1.
2.
3.
4.جامع بيان العلم وفضله
5.
6.
1.
2.
3.
4.
5.
1.
2.
3.
4.
5.
1-
ابحث
أضف تعليقاً