wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
أسباب ومعيقات مكافحة التطرف في المشرق العربي.. ثقافياً وسياسياً
محمّد رفيع

محمّد رفيع *

كثيرةٌ هي المعيقات والعقبات التي تواجهُ المعنيين في بلادنا في محاولات الحدّ من الغلواء في التشدّد والتطرّف، الذي وصلت إليه أشكال التعامل مع الأمور، وفي شتّى مناحي الحياة. وإذا كان هذا التطرّف، الذي يبرز اليوم، في مستويات وحقول أكثر من غيرها، كالسياسة والثقافة والدين، فإنّ ذلك لا يعني أنّه ظاهرة خاصّ بأقطار المشرق العربيّ دون غيرها من الأماكن، أو أنّه خاصّ بثقافتهم وحدهم من دون ثقافات البشَر.
فكلّ الشعوب والأمم والثقافات تحوي جذوراً كامنة للعنف والتشدّد والتطرّف بدرجات متفاوتة، فيما إذا انكسر العقد الاجتماعي الناظم لها، وإطاراته السياسيّة الضامنة لعيشه السلميّ الحضاريّ الآمن. ما يعني أنّ السبب الرئيسيّ لانطلاق دورة العُنف والتطرّف، في بلادنا، في هذه الفترة، وبوتيرةٍ لم تعهدها الأجيال الحالية، هو سببٌ سياسيّ، يدورُ حول؛ ضعف الدولة، وتآكلها، أو انكسارها، وفشلها في تأمين الحدّ الأدنى من وظائفها في كفالة الحاجات الأساسيّة لمجتمعاتها.
وإذا كانت هناك أسباب سياسيّة محليّة، لتآكل وجود الدولة، في مجتمعاتنا، وفشلها بدرجات متفاوتة، كسبب رئيس لانفلات التطرّف من كمونه في المجتمع، أيّ مجتمع، فإنّ هنالك أسباباً أخرى خارجيّة لهذا الضعف، مرتبطة بأشكال الصراع المحتدم في هذا الكون، بأشكاله السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة وغيرها.
هُنا، سنستعرضُ بعضاً من تلك الأسباب ومظاهرها، المولّدة للتطرّف، داخليّاً وخارجيّاً، ولكن من دون الغرق في التعريفات الأكاديميّة للمفاهيم والظواهر، سيّما أنّ المسألة معقّدة وممتدّة، وتحتاج إلى ورشات عمل فعليّة صريحة وجريئة، من أجل الإمساك بالأسباب العامّة والخاصّة بكلّ مجتمعٍ على حِدَة.
ففي سياق الممارسات السياسية والإعلاميّة السلبيّة، بل والمدمّرة، في معظم مجتمعات المشرق العربيّ، هناك ممارسات وآليّات يوميّة تُكرّس التطرّف وتُنمّيه، بقصدٍ أو من دونه، وبكلّ ما يحمله ذلك من مخاطر طويلة الأمد؛

التطرّفُ في تأهيلُ الأفراد..!
كلُّ مفردة هنا تستدعي تحفّظاً، وأوّلها مفهوم «التطرّف»، لكثرة ما تمّ استهلاكه وامتهانه، في ثقافتنا السياسية واليومية، في السنوات الأخيرة.
غير أنّ «التطرّف» أو «التشدّد»، المقصود هنا، ليس بالمعايير العلميّة أو الأكاديميّة أو حتّى السياسيّة، ولا حتّى بمعايير الثقافة الغربية. بل بمعايير «القيمة» المطلقة، للأفكار والمواقف والأشياء، منسوبة إلى ثقافة مجتمعاتنا العربية، وما راكمت، في العصر الحديث، من معارف حول الحقّ العربي، وحول الباطل. بما في ذلك المعايير المطلقة عن الخير والشرِّ، والخطأ والصواب، والمُمكن وغير المُمكن.
في مجتمعاتنا، تنمو الآن وسيلة ليست جديدة، لتأهيل أفراد للقيام بمهمّات عامّة، ثقافيّة وسياسيّة، إضافةً إلى إعادة تأهيل، ما يتساقط في المجتمعات، على المستويين السياسيّ والثقافيّ، من أفراد ونُخب، نتيجة استهلاك طاقاتهم وقدراتهم وملامحهم، في مراحل سابقة، أو بسبب مهمّات أنجزوها، فأودت بهم. تأهيلٌ وإعادة تأهيل، تقوم به عادة مؤسّسات بعينها، أو جماعات محدّدة، أو حتّى أفرادٌ بأنفسهم، ينتشرون في وسائل الإعلام ومنابرها، ومؤسّسات الثقافة وحقولها، وفي وسائل التواصل المختلفة.
وهي وسيلة ناجعة نسبياً، الآن، لأسباب يصعب تفصيلها هنا، لعلّ أبرزها خطر الوقوع في «شَرَك» الفكرة ذاتها، وهو الانتقال إلى الطرَف النقيض من «التطرّف».
فَبِها، أي بالتطرّف، كوسيلة لتأهيل الأفراد، ليس هنالك محرّمات. وليس هنالك فكرة، أو موضوع، أو موقف أو حدث، لا يمكن التطرّف فيه وبِه أو فيها وبِها. غير أنّ هذا التأهيل يحتاج إلى شروط لنجاحه، وأوّلها القدرة على تحديد «الخصوم»، وتحويلهم بسرعة إلى «أعداء». والخصوم هنا هُم خصوم فكرة أو أفكار، ولا بأس هنا، في الطريق إلى التأهيل، لو تحوّل المجتمع كلّه أو نصفه إلى أعداء. فليس المقصود هنا أعداء حقيقيين، بل حركة عداء طاردة وناظمة للفرد، المُراد تأهيله، كبطلٍ مَكروه.
ومن الشروط أيضاً امتلاك القدرة على «التحريض»، حتى لو كان هذا التحريض، يقود إلى تفسيخ أبسط أشكال التماسك الموجودة بين الناس. فالتحريض، الذي يعني شكلياًّ تجميع الناس حول فكرة، هو في حالة التطرّف، بقصد إعادة التأهيل، يعني حركة نابذة، بشكل دائم، تدفع الأفراد إلى البحث عن أبسط أشكال التماسك والانتماء.
فبالتحريض، الخالي من المحرّمات والمحاذير، يندفع الأفراد نحو البحث عن ذواتهم، في حركة سلبية نحو الأسفل؛ من الوطن الكبير، إلى الوطن الصغير، إلى مجتمع المدينة، فالريف، فالقرية، فالقبيلة، فالعائلة الصغيرة، وصولاً إلى «الأنا» الذاتية، التي تجد ذاتها أخيراً معلّقة في الهواء. وفي الطريق، يجري تفتيت كلّ شيء، ولا يجد الأفراد نماذجَ مُلهمة لهم سوى أبطال سلبيّين، جرت إعادة تأهيلهم، بتطرّف استهلَكَ، في طريقه، كلّ ما أنتجته المجتمعات من توافقات وتماسك وقيم موحِّدة، نقلتهم من انتماء «جماعاتهم» الصغيرة، إلى انتماء الجماعة الأكبر.
ولعلّ أخطر شروط التأهيل هو ما يتمّ اختياره من «موضوعات»، كعنوان رئيسي للتطرّف، يتميز به الشخص المقصود تأهيله. فدوماً تحمل تلك الموضوعات حساسية خاصة في المجتمع، وتستثير غرائز خَطِرة، بمجرّد الحديث فيها، وغالباً ما تحمل محاذير، يتمنّع كثيرون من الخوض فيها، درءاً لِشُبهة التطرّف، بأشكالها المختلفة، وتطهرّاً من الانزلاق إلى مستنقعات الغرائز والأحقاد والشُبهات.
أوهامٌ كثيرة عادة ما تتلبس «المُعاد تأهيله» بالتطرّف، أوّلها شعوره بأنّه أصبح «بطلاً»، قادراً على تحريك المجاميع وهو نائم. وهي بطولة يفشل في اختبارها حتى في أضيق «محيطاته» العائلية. لكنّها، بالمقابل، تمنحه شعوراً، غامضاً، وسريّاً، انّ بمقدوره القيام بأيّ فعل وأيّة مهمّة، مهما كانت خطيرة، وهو ما يحتاج إلى إعادة تأهيل مرّة أخرى، ولكن ليس بالتطرّف، بل تأهيل نفسيّ، وهو ما لا تراه «بصيرة» المُتطرّف..!؟

التطرّفُ القادمُ من الغربِ؛
امتلاكُ المَشرِقِ بأسلحةٍ بدائيّة..
في الزمن الهارب من أصحابه، تُحلّقُ الأفكارُ والأحلامُ في فضاءاتها، لِتعود ثانية للاصطدام بواقع تسرّبت خيوطه، منذ أزمان، كالرمال من بين الأصابع. وهو زمنٌ يعيش فيه الغالب والمغلوب حياةً يشتبك فيها الماضي والمستقبل، بحيث يستعصي على كليهما امتلاك الحاضر.
فالغالب لا يكتفي بمصادرة تاريخ المغلوب والحديث باسمه وعنه، بل يذهب إلى ما وراء التاريخ. أمّا المغلوب، فلا يجد سوى اللجوء إلى ما قبل التاريخ، دفاعاً عن نفسه وذاته. فعلى الرغم من أنّ حجم المؤلّفات الغربية، التي تبحث في شؤون المشرق العربي، تجاوزت ستين ألف مؤلف، خلال مئة وخمسين عاماً، منذ مطلع القرن التاسع عشر، إلّا أنّ صفة «الاستبداد» ظلّت مُلصقةً بالمشرق، في الخطاب الاستشراقيّ، كصفة تترافق بالصفة العربية الإسلامية. وتسهيلاً لفهم المشرق العربي وإدراكه، انطلقت عبارة المستشرق «رينان» الشهيرة: «الخيمة والقبيلة» كالسحر، لتفسير الطبيعة العضوية للاستبداد في المشرق الأوسط. وفي سياق تلك العبارة «الخيمة والقبيلة»، لا يؤخذ العرب إلّا جماعات، لا فرادَةَ فيهم، ولا تميّز، ولا استثناء...!
وعليه، فلا وجودَ في الخطاب الاستشراقيّ الغربيّ لمشرقٍ معاصر. بل خطفٌ لذاكرته كمغلوب، أو على أحسن تقدير طمس لمعالمها وملامحها المفيدة. وهو خطفٌ وطمسٌ متعمّد ومنظّم، يبقى فيه المغلوب دوماً على حافّة الهاوية، أي على حدود التنازل والتخلّي عن أقرب حواضره. وعلى هذه الحافّة، يظلُّ العرب في هذا الخطاب كما هُم؛ لا إبداعَ ذاتياً عندهم، ولا تحوّلات ولا تغيير ولا تجارب. وهي مصادرةٌ للذاكرة بغرض إدراج العرب ضمن وحدانية الغرب الحضاريّة المستقبليّة. وحدانية لا وجود فيها لمن يحتجّ على الهيمنة، بسبب فقدان الذاكرة وطمسها. لهذا، فإنّ المشرق العربيّ دائم الاعتصام بماضيه، الذي يملك شيئاً من الجبروت والممانعة، وهو دائم الحنين والمناجاة له.
وفي الزمن الهارب إيّاه، فإنّ المغلوب، بطبيعة حاله، لا يعيش في حاضره، فهو دائم التطلّع، بل والتطرّف، إلى منفاه التاريخيّ. أمّا الغالب، فيتطلّع، وبتطرّف شديد، إلى اللحظة التي يتبدّد فيها المغلوب ويتلاشى إلى حيث اللازَمن. تلك هي أحلام الغالبين والمغلوبين، المُحلّقة في الزمن الهارب من أصحابه. غيرَ أنّ الغالب فيه يصطدم ويُفاجأ بعُنف انتفاضة المغلوب وتطرّفها، وأحياناً بشراسته وشراستها. أمّا المغلوب، فيبقى مُستغرباً مدهوشاً مِن تكرار إخفاقاته...!!!
في مطلع التسعينات، خاطب مستشار غورباتشوف الأميركيين قائلا: «إنّنا نُسدي إليكم شيئاً رهيباً. إنّنا نُحرّركم مِن الأعداء». وقد تكرّرت تلك العبارة، على نحو مختلف، في رواية أدبيّة مغاربيّة، حيث يقول الراوي حزيناً: »بعد أن حُرِمنا من الأعداء، أصبحنا على أشدّ الاستعداد لتوجيه أفواه بنادقدنا ضدّ بعضنا«. وقد تنبّه إلى دلالة تلك العبارات وخطورتها عدد كبير من المفكّرين والخبراء الأمريكيّين، فالفراغ الذي أحدثه الانتصار الأمريكي في الحرب الباردة نظرَ إليه هؤلاء المفكّرون على أنّه لعنة، قد تُودي وتعصفُ بإنجازات تاريخيّة وإنسانية كاملة. فالتفتّت، ونشوء العصبيّات، المولّدة للعنف والتطرّف، هي، وحدها، ما يبدو أنّها تتحضّر لملء هذا الفراغ.
إنّ تبلور الهويّة هو حاجة إنسانية قديمة ومتشعّبة، وهي لا تتكّشفُ إلّا بالاحتكاك مع الآخر. وفي رأي أحد المفكّرين العرب، الذين يعيشون في الغرب، فإنّ »أزمة الهويّة لا تظهر إلّا في المجتمعات التي تدخل ديناميكيّة الحداثة«. غير أنّ المُفارق فيها هنا، هو أنّها حداثة تتحدّد على أنّها علاقة متطرّفة بين غالب ومغلوب، يكون فيها الغالب هو القادر والمُبادر لِطرحها، جاعلاً من وظيفة الهويّة عند المغلوب أزمة تدوم بدوام غلبته..!! وكأنّ الصراع على امتلاك المشرق وتاريخه يعود هذه المرّة بأسلحةٍ بدائيّة، مُطلّاً على العالم، عبر نوافذ التطرّف، في تعريف الذات الفرديّة والجماعيّة، من خلال: العرق، والمذهب، والطائفة والهوية..!!

التطرّفُ بتكريس ثقافة
«الغرب الغالب» و«المشرق المغلوب»
معظمُ العربِ المعاصرين لا يحضر فيهم الغرب كـ«آخر» إلّا بأوجهَ سلبيّة. ولا يملكون، إزاء هذه الصورة للغرب، سوى الردّ، بتشدّدٍ وتطرّفٍ، بالتأكيد على ذواتهم الجمعيّة المُخترَقةِ والمُستباحَةِ من هذا الآخر.
فالعربُ المعاصرون، لم يصطدموا بالآخر الغربيّ إلّا بعد حملة نابليون «العلميّة!»، ومنذ ذلك الحين، تحوّلوا من سُباتهم العثمانيّ، وفُتِنُوا بهذا الآخر،ثم افترقوا، وقارعوه وقاتلوه وما يزالون. ولكن، هل هناك حالة لا وجود فيها لتصوّر الآخر وقبوله؟ فقط عند المجانين، حيث تتعدّد وسائلهم لاستئصال الآخر، بهدف واحد وغاية واحدة هي نفي وجوده. وأبرز هؤلاءء المجانين هو «دون كيشوت»، ابن الثقافة الأوروبيّة، الفاقد لهويّته وسط عالم يُنكِرَه، مُتلَهّيا بِقِيَم الفروسيّة الغاربة. ومِن ملامحه أنّه يتمنّع عن بلوغ أيّة سُلطة، على الرغم من إدراكه اليقظ بمنجزاتها، وذلك لأنّه يقرأ العالم بعيون كُتب الفروسيّة وقيمها الذاهبة. فهو بطلٌ، لا يُريد من مآثره سوى تقديم البرهان، حيث لا قيمة للانتصار، إلّا بمقدار تحويله الواقعَ إلى قِيَمٍ وعِبَرٍ.
إنّ القبيلة، وهي أكثر التشكيلات الاجتماعيّة طبيعيّة وبساطة وأوّليّة، يبدو فيها الآخرُ، ثقافيّاً، جزءاً من مكوّناتها البنيويّة، على الرغم من سرعة وتيرة تحرّكه وتبدّله. فثقافةُ القبيلة تقول: (أنا وأخي ضدّ ابن عمّي، وأنا وأخي وابن عمّي ضدّ الغريب!). هذا الغريب، يتحدّد أيضاً عند ابن خلدون متحرّكاً، بحسب الهدف المتوخّى من تحديده. فهو عنده حلقات دائمة التوسّع، تحتاج إليها العصبيّة لبلوغ «المُلك»: وهي «الرياسة» ثم «الحماية والموافقة والمطالبة»، ثم «المُلك»، وذروتها هي «عصبيّة تكون أقوى من جميعها تغلّبا وتستتبِعُها،و وتلتحم فيها جميع العصبيّات، وتصير كأنّها عصبية واحدة كبرى».. ومن دون ذلك تُخفق هذه العصبيّة في نَيل «المُلك»، وهي أدنى مراتب الوظائف، التي يُمليها الآخر.
إنّ ما سَبق يُقيم صِلةً غامضة بين الآخر وأيّ مشروع للسلطة، سواء كان ذلك مُلكاً، بحسب ابن خلدون، أم بالحدّ الأدنى بهدف «كسب حصة ما من الحياة». ومن أجل هذا، وبسببه، لا بد من آخر يحمل السِمات المحرّكة والدافعة للصراع. الصِلةُ الغامضة في هذا الصراع، هي ما تجعل الغالب هو القادر والمبادر دوماً إلى طرح مشكلة «الآخر» وهويّته، جاعلاً منها أزمةً عند المغلوب، تدوم بدوام هزيمة المغلوب وغَلَبة الغالب.
ففي ثقافة الغالب، ليس هناك ندّية بين الغالب والمغلوب، وليس هناك نظام للخصومة في شريعته، سوى ما يحدّده الغالب من قوانين ووسائل، تضمن تفوّقه وفناء الآخر وتبدّده. أمّا ما يجري من محاولات، حول «حوار الحضارات»، أو «حوار أتباع الأديان»، أو جَدَل «المقاومة والإرهاب» فليس سوى أسلوب الغالب ووسيلته، لفرض نظام غلبته وشرعنتها. وهو ما يحيل محاولات المغلوب في تنظيم هذه الخصومة وشرعنتها إلى «مجرد تبديد للوقت»، ولِمَا تبقّى من تماسك لهويّات الشعوب المغلوبة وثقافتها، بما في ذلك محاولاته لِدَفع فكرة التطرّف عن نفسه، كجزءٍ من ثقافته الأساسيّة.
العربُ، الذين يحضر فيهم الغرب بهذا الوجه السلبيّ، والذين يحرصون على تأكيد ذاتهم الجمعيّة، على الرغم مِن تخلّف الكثير من ملامحها، هؤلاء، لا يستطيعون التعايش والتحوّل إلى نموذج آخر، كأحفاد الهنود الحمر الأمريكيين، الذين ذاقَ أجدادُهم مجازرَ الآخر البرتغاليّ والإسبانيّ، عند اكتشاف «كولومبس» للقارّة الاميركية. ولا يستطعيون الاكتفاء برفع شعار «لاتكتشوفنا..»، كما رفعه ما تبقى من الهنود الحمر في العقد الأخير من القرن العشرين، احتجاجا على الاحتفال بذكرى اكتشاف «كولومبس» لهم. وذلك ببساطة لأنّ العرب الآن لا يملكون تَرَف ترديد هذا الشعار..!!
فقد سَلَبهم الغربُ الغالبُ هذا التَرَف منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين اعتبر (ماكيوني) شعوبَ المشرقِ؛ «مجرّد مرشّحين لِدخول المدنيّة الأوروبيّة»، وذلك لأنّ، بحسب تعبيره: «رَفّاً واحداً بمفرده، في مكتبة أوروبية جيّدة، يوازي في قيمته الأدب المحليّ لِكلّ من الهند والبلاد العربية»..!؟

التطرُّفُ بـ«تلاشي الأحلام»
و«الاغترابُ الجماعيّ»
ثمّة إحساس عامٌّ بأخطار تتهدّد الزمانَ والمكانَ؛ المدن والجماعات، الأفراد والأحلام. إحساسٌ يقودُ إلى الخوف، مِن موت يتجاوز موت الجسد الفرديّ، ليصل إلى موت الذاكرة الجماعيّة، موتٌ للماضي وليس مِضِيّه فحسب.
وهو خوفٌ له ما يبرّره، فتلاشي الأحلام، وانعدام إمكانية الحُلم بالانعتاق والتقّدم والعدالة والتحرّر، يُفضيان إلى موتٍ حقيقيّ للمجتمعات والعُمران، وموتٌ لأنماط من الحياة والطبقات والأفكار والمشاريع والتواريخ.
فالعارفون والقارئون في بلادنا يشعرون بالاغتراب، وأنّ نسيانا متعمّداً يجري فرضه بالحيلة أوّلاً، وبالقوّة ثانياً. حيلةٌ وقوّة تُفضيان إلى القبول بانتفاء السياسة وجدواها، وصولاً إلى القبول بتحلّل المجتمعات والدُول. ما يعني، في النهاية، استحالة الأحلام، ثقافيّة كانت أم سياسيّة. فبالنسيان المتعمّد، والاغتراب الجماعيّ، يتفشّى شعورٌ ومناخٌ بأنّ حكايةَ الجماعةِ، وروايتها وقصّتها، أصبحت مستحيلة، ما يقود إلى الشعور باستحالة الإرادة.
والموتُ المقصود هنا هو موت خاصّ، منظّم، وأنيق. حيث تبقى فيه السُلطة وتغيبُ شرعيتُها، وهو ما يعنيه النسيان، كعمليّة منظّمة واسعة. بمعنى آخر؛ تعايشٌ مع القبول بالموت وغياب الحقيقة، حينها يستفحل الإحساس بالتوحّد والفرديّة والذاتيّة، باحثةً عن التفاصيل التي تؤكّد وجودها، سعياً وراء إعادة إنشاء الواقع والحياة، بما في ذلك الماضي، من جديد.
لهذا، نلحظ، في العقود الأخيرة، احتلالُ السيرة الشخصية والذاتية مساحةً كبرى من أعمال الشعراء والمخرجين المسرحيّين والسينمائيّين والروائيّين وغيرهم. إنّ مناخ النسيان، والإحساس بالتلاشي، يقود المفكّرين والمثقّفين والعامّة إلى تعنت، هو في جوهره تطرّفٌ أو تشدّدٌ، يندفع فيه الأفراد، خصوصاً المثقّفين، إلى كتابةٍ لاهثة وراء كلّ الملامح والوقائع المؤثّرة المختزِنَةِ للمعاني والأفكار، لمواجهة خطر فقدان الحقائق الأصيلة، التي هي في جوهرها منبع كلّ فرادة وتميّز وهويّة وتواصل.
ثمّة أشكالٌ مذعورةٌ مِن الكتابة، سَببها الشعورُ بخطر الانقطاع، وحلولُ أصفار كبيرة في حياة الناس، بعد انهيار كلّ شيء! كثيرون، إن لم يكن كلّنا، يتحدّثون، بريبةٍ وشكٍّ، تجاه التاريخ المكتوب، تجاه حكاية واحدة قبلناها، ذات زمان، من دون تمحيص « النهضة، الاستعمار، الوحدة، القومية، التحرّر، التحضّر..». وهي ريبة أفضت إلى تساؤل لم يعد مكتوماً؛ هل كان ما جرى، كلّه أو بعضه، مجرّد خدعة من نوع فريد؟ خدعةٌ جعلت الكيانات السياسية مجهولةَ المصير، والقِيَمَ على وشك الذوبان، حيث تصبح حياة الجماعة والمجتمع بعدها مستحيلة.
المُفزعُ والمُخيفُ أنّ هذا التساؤل لا يطالُ العناوين فقط، بل يصل إلى زعزعة وخلخلة أركان الحياة العربيّة برمّتها، فما سَبق ليس مجرّد تواريخ وعلامات، بل هي ناظم وعماد معارفنا وثقافتنا، نوازعنا وإدراكنا وعصبيتنا وقِيَمنا.
ذات يوم، في ثمانينيّات القرن العشرين، كتب أحد المفكّرين العرب نصّاً مُشبعاً بالإحساس بالتلاشي والتبدّد، قائلاّ: «.. نَكتبُ، رُبّما لأنّ الحياةَ محاولةٌ فاشلة». ولم يمض وقت طويل حتى تسلّلت رصاصات متطرّفةٌ، غامضةٌ ومجهولة، إلى جسده، ومضى، وهو في ذُروة عطائه وفَيْضه الفكريّ.
تُرى، هل حقّاً تلاشت الأحلام واستحالت؟ أم أنّ ثمّة أشياء في حياة الأفراد، حياتنا، ما زالت تستحقّ المحاولة والعَيش، قبل أن يغمر الزَبدُ والتطرّفُ كلّ شيء، وتستفحلُ عتمة الاغتراب الكبير؟!

التطرُّفُ.. كـ«طلقةٍ يائسة»
(...)
في المشرق العربيّ، وعلى هذا النحو، الذي يتحرّكُ فيه نهر التطرّف بعنف وقسوة.. يسودُ إحساس؛ بأنّنا كُنّا سجناء لِوهمٍ انهارت جدرانه، فوجدنا أنفسنا عُراة بلا شيء، بلا أجساد، بلا ذاكرات، ولا أسرار خاصّة، بلا يقين نطمئن إليه، أو معتقدات ترسم ملامحنا وأحلامنا، بلا قصص وحكايات تخصّنا.
الإحساسُ بالعُريّ، والتحوّل إلى هُلامات رخوة، هو ما أصعد في النفوس مرارةً تقطرُ سواداً وحزناً، يفوقُ في جوهره، معظمَ أشكالِ التشدّد والتطرّف المألوفة. ففي مناخٍ كهذا، يغمرُ الأفرادَ شعورٌ بخسران كلّ شيء، حيث الجميع بلا ذاكرة، وبلا تاريخٍ ولا دَورٍ، شعورٌ بالخُسران يتجاوز الأشخاص، ليصل إلى الشكّ في مبرّرات وجودنا، كفكرةِ بلادٍ وجغرافيا ودُول، ومجتمعات حديثة ومدنيّة. مناخٌ يُروّضُ فيه المثقّفون والمفكّرون ويتشرّدون، بلا مدنٍ ولا مقاهٍ وبلا صحافةٍ حقيقية. أي وجودٌ وحياةٌ بلا معنى بامتياز.
هنا، تُصبحُ السيرة الذاتية المجرّدة، أو المضمّنة في قصيدة أو رواية أو مسلسلة تلفزيونية أو فيلماً سينمائيّاً، هي ردّة الفعل السلميّة الوحيدة المُمكنة، لا لشيء إلّا لأنّ الذاكرة وحدها أصبحت هي الطلقة الأخيرة اليائسة. وهو ما طغى على كثير من الأعمال الأدبية والإبداعية والفنيّة، وحتى الصحفيّة مؤخراً، فبَدت سِيرُ الأفراد وقصص حياتهم فيها وكأنّها « فضيحةٌ أخيرة »..!؟
وبموازاة تلك الطلقة الثقافيّة السلميّة اليائسة، يُطلُّ التطرّف والتشدّدُ كَبُركان، مهدّداً الجميع بِنَهرٍ من الحِمَم المصهورة، جارفاً في طريقه كلَّ مَن تهاونوا وتكاسَلوا واستهتروا، سياسيّا وثقافيّاً، بما كان ينبغي عدم التهاون في إنجازه عربياً ومنذ عقود..!؟
الهزيمةُ والخيباتُ والفشلُ، ليست قدراً في تاريخ ثقافات الشعوب والأمم. غير أنّ النهوض والردّ على التحديّات ومكافحة الموت لها مقومات أيضاً، تبدأ أوّلا باشتباك المعرفة ضدّ النسيان والضياع، ولا تنتهي بإعادة التعرّف على شروط الزمان ومُمكناته، قبل أن يفوت الأوان. فحين يتمرّد الشيطان على حرّاسه، وتستفحلُ في العقولِ والوجدانِ ثقافةُ التطرّف، وذهنيّةُ التحريم، بلا حدود، يصبحُ عندها تمجيدُ الجماعةِ والوطنِ والأمّةِ رطانةً جوفاءَ، لثقافةٍ سَوّغت الجحيمَ والتعصّبَ والإنغلاقَ على أنّه جنّةُ الأوطانِ، ليصيرَ الوطنُ بعدها، بِحَسبِ تعبيرِ الجواهريّ؛
(وَطنٌ تُشيّدهُ الجَمَاجِمُ والدَّم
    تَتَهدّمُ الدُّنيا ولا يَتَهدَّمُ)..!!

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.