
الأحوال الشخصية للأقليات المسلمة
ما سبق في المبحث الأول من الترخيص للمسلم المقيم في دولة غير مسلمة بالاحتكام إلى قضاتها للضرورة لا ينطبق على قضايا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونسب ونحوها؛ لأن أحكام هذه القضايا تثبت بنصوص من الكتاب والسنة، ومجال الاجتهاد الفقهي فيها ضيق، فهي أقرب اتصالًا بالعبادة والعقيدة، والفصل فيما ينشأ عنها من نزاع يقتضي الكثير من الخشية والانضباط، ولهذا صدرت إعلانات دولية تقرر للأقليات الدينية الحق في التمتع بثقافتهم الخاصة، وإعلان وممارسة دينهم الخاص بحرية ودون تدخل أو تمييز، ولهم الحق في إنشاء الجمعيات الخاصة بهم والمحافظة على استمرارها، وأوجبت على الدول اتخاذ تدابير لتهيئة الظروف المواتية لتمكين الأشخاص المنتمين إلى أقليات من التعبير عن خصائصهم ومن تطوير ثقافتهم ولغتهم ودينهم وتقاليدهم وعاداتهم، إلا في الحالات التي تكون فيها ممارسات معينة منتهكة للقانون الوطني ومخالفة للمعايير الدولية.
وفي ظل هذا الوضع يقوم التحكيم بدور فعال في علاج المشكلات المرتبطة بقضايا الأحوال الشخصية للأقليات المسلمة؛ فالمسلمون خارج ديار الإسلام على ضربين:
1- أقليات تتمتع بقدر من الاستقلال الداخلي أو الحكم الذاتي، إما بنَصٍّ أو مُعاهَدة، وإما بحكم الأمر الواقع؛ لأن بلادهم كانت تخضع لحكم إسلامي ردحًا من الزمن؛ مثل مسلمي الهند أو مسلمي البوسنة، وهؤلاء لا توجد لديهم صعوبات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية؛ ففي البوسنة: يوجد قضاء شرعي للأحوال الشخصية تعترف به الدولة، وأحكامه ملزمة وواجبة التنفيذ، وفي الهند: توجد مجموعة من القوانين صدرت في السنوات 1937، 1939، 1954م تنظم أحكام الزواج والطلاق والعِدد والمهر والحضانة والميراث والهبة والوقف وحقوق الملكية للمرأة المسلمة، وكلها مستمدة من الشريعة الإسلامية[1] على المذهب الحنفي.
2- أقليات إسلامية في بلاد لا يسمح نظامها بغير قضاء الدولة وأحكام الأحوال الشخصية فيها تخضع لقانون موحد، كما هو الحال في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، أو تخضع لقوانين مختلفة؛ كالولايات المتحدة الأمريكية التي تتعدَّد فيها قوانين الأحوال الشخصية من ولاية لأخرى.
والمسلمون في هذه البلاد ليس أمامهم إلا الالتجاء إلى التحكيم، وذلك باختيار مسلم عادل عالم بالشرع يفصل في قضاياهم المتعلقة بالأحوال الشخصية، وغالبًا ما تتولى هذه المهمة اتحاداتهم أو روابطهم أو جمعياتهم أو المراكز الإسلامية لديهم، وبعد صدور حكم هيئة التحكيم - فردًا أو أكثر - إما أن ينفذه الأطراف طوعًا، بوازع من الإيمان أو بتأثير من الجماعة، وإما أن يرفع حكم التحكيم إلى قضاء الدولة ليشمله بالصيغة التنفيذية.
والواقع أن نظام التحكيم - في الكثير من صوره - أصبح الآن معترفًا به في معظم الدول، ولا يعترض القضاء على نتيجته إلا إذا خالفت النظام العام أو حسن الآداب الذي يسود الدولة[2].
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/world_muslims/0/124752/#ixzz57Rco7qsW
ابحث
أضف تعليقاً