wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"الإنترنت": عيش مع الخطر..!
علاء الدين ابوزينة

كان أبرز ملامح إرهاب الإنترنت في الفترة الأخيرة، هو استخدام "داعش" الكثيف للشبكة في نشر دعايته وتجنيد إرهابييه. وقد وفّرت هذه التقنية للتنظيم الإرهابي وسيلة مُترفة قريبة، على بُعد "كبسة زر" للتواصل مع المجندين المحتملين وفي الإطار التنظيمي، بالإضافة إلى زرع الرعب في قلوب الجمهور العالمي المتصل بالشبكة.
لكن هناك مستويات أخرى من رعب الإنترنت، والذي يطال الدول والأفراد على حد سواء. ويمكن التفكير في عشرات المخاطر التي يعرضها هذا القادم الجديد إلى العالم، بدءاً من "الحرب السيبرانية" التي تواجهها الدول، مروراً بالعادات الاجتماعية والنفسية التي تتغيَّر بقوة بسبب "الشبكة"، وانتهاء بالانكشاف والفقدان المطّرد للخصوصية الفردية.
أصبحنا نعرف عن ناشطين تعتقلهم السلطات وتدينهم على أساس أدلة من "الإنترنت". وبالإضافة إلى الإرساليات والمشاركات العلنية التي يرسلها الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي ويُعتقلون على أساسها، هناك برمجيات التجسس. فإذا أرادت سلطة أو جهة معرفة المتقدم والمتأخر عن شخص ما، سيكفيها أن ترسل رسالة معينة إلى حاسوبه الشخصي أو هاتفه الذكي، وعندما يفتح الرابط، يصبح لدى الجهة المعنية كل ما لديه: مراسلاته وملفاته وأرقام حساباته المصرفية، والصور والفيديوهات الخاصة أو المواقع التي يرتادها وما يراه فيها. بل إن بالإمكان تشغيل الكاميرات في أجهزته من دون علمه، والتقاط صور له ولمحيطه.
وفي حوادث أخرى ذات صلة، يتورط كثيرون في اتصالات مع أشخاص أو منظمات إجرامية، يغوونهم برسائل ومكالمات ذات محتوى مالي أو جنسي. ثم بعد ذلك يتعرض الشخص إما للنصب المالي أو الابتزاز الأخلاقي بتهديده بنشر محتوى محادثاته المكتوبة أو المصورة. كما يحدث كثيراً أن يتم إرسال فيديوهات ورسائل غير مؤدبة إلى معارفه وصلاته باسمه ومن دون علمه، ليضطر بعد ذلك إلى تبييض صفحته: "يا إخوان، حسابي تهكّر، والله لم أرسل أي شيء".
فوق ذلك، أصبح بالإمكان تعقب تحركات الفرد وتحديد مكانه بدقة في أي وقت بتعقب هاتفه. وعلى مستوى أفظع، سمعنا قبل فترة أن لدى وكالات تجسسية في الولايات المتحدة القدرة على الاحتفاظ بملفات لكل متصلي الشبكة في الكرة الأرضية، واستخراج كل المعلومات المتاحة في أجهزتهم وحواسيبهم عند الطلب.
الآن، لم يعد بوسع المتقدم إلى وظيفة عرض صورة رائعة عن نفسه لجهة التوظيف من خلال "السيرة الذاتية" إياها التي عادة ما يجعلها عطِرة. وأصبح بوسع دوائر الموارد البشرية أن تنبش شخصية المتقدم للوظيفة وتقلب جوانبه من ملفاته و"حوائطه" وإرسالياته على مواقع التواصل الاجتماعية. وسيتمكن أي معني من تحليل الاتجاهات الفكرية للهدف من نوعية مشاركاته على الشبكة، وسيعرف طبيعة علاقاته ومسيرته الدراسية والعملية، وسيحصل على صور له في مراحل وأوضاع مختلفة.
المشكلة أننا نعرف عن هذه المشكلات والكثير غيرها مما لا يتسع المقام لسرده، لكننا لا نمتلك خيارات حقيقية لتجنيب أنفسنا مخاطر "الشبكة". لم يعد من المعقول أو العملي أن نتراسل بواسطة الرسائل القديمة في صناديق البريد. ولم يعد أحد يحتفظ بألبومات الصور القديمة التي كنا نستخرجها من الأدراج ونتصفحها حين يخالطنا الحنين. وأصبح من الصعب للغاية أن لا نحمل الهواتف الذكية؛ إذ نكون مختلفين أو نعتبر "متخلفين".
يوصوننا بتغيير كلمات المرور في فترات متقاربة، واختيار إبقاء بعض المعلومات "خاصة". لكن الخصوصية أصبحت أبعد ما يكون عن حياة معظمنا من المتورطين في الإنترنت أو المضطرين له. وأتصور أن كثيرين يقلّبون بين فترة وأخرى فكرة الانسحاب من "فيسبوك" أو "تويتر" وما شابه، وإغلاق ملفاتهم هناك، لكنهم لا يجرأون أو يغلبهم الإدمان. وحتى لو اختار الواحد لحظة قطع وانسحب، فإنها لا تجبّ ما قبلها، ويكون كل ما سبقها من معلومات ومشاركات وخصوصيات قد استقر عند صاحب النصيب.
ينبغي أن تصيبنا هذه المخاطر التي جلبها علينا اتصالنا بالشبكة بـ"رهاب الإنترنت"، وربما أصبنا به حقاً، لكنه رهاب عجيب. ففي العادة، يتجنب صاحب رهاب الأماكن الضيقة أو المرتفعة التواجد فيها ويهرب منها، وكذلك بقية أنواع الرهاب. أما "الإنترنت"، فصاحب سطوة حتى أننا نرهبه ونتشبث به فيما يلزم ولا يلزم.
في النهاية، ليس من المستحيل أن يغلق المرء حساباته هناك ويكتفي من "الشبكة" بالضروري الذي لا مفر منه. لكن الوصول إلى هكذا قرار هو المستحيل!

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.