
بقلم: د. جمال الحمصي
تمهيد
في ظل ظروف انتقالية صعبة، تواجه الاقتصاديات العربية حالياً حالة من الضبابية بخصوص توجهاتها الإستراتيجية في مجال السياسات الاقتصادية. وتعزى هذه الحالة إلى الفراغ الكبير الذي أحدثته الأزمات العالمية والإقليمية في رؤية الاقتصاديين والسياسيين لطبيعة وملامح النموذج الاقتصادي "الأمثل" للدول من ناحية، وإلى تأخر الأداء الاجتماعي وهشاشة الوضع الاقتصادي في المنطقة العربية عموماً بالمقارنة مع أداء بقية المناطق خلال العقدين الماضيين، من ناحية أخرى.
فهل ستتابع الدول العربية والإسلامية تطبيقها للمبادئ الاقتصادية الليبرالية التي كانت مآلاتها ونتائجها دون التوقعات ومخيبة للآمال في تحقيق التنمية الشاملة والعادلة، أم ستعود إلى ممارسات حقبة الخمسينيات الماضية في تبني أسس الاشتراكية والتخطيط المركزي التي هجرها أصحابها؟ أم أن هنالك خيارات أخرى متميزة وفريدة تناسب هذه الأمة وثقافتها؟
باختصار هنالك حاجة ماسة إلى البحث عن "نموذج تنموي جديد" بعد انهيار الحلم الاشتراكي في نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وتراجع الثقة بالنموذج الرأسمالي بعد التداعيات الضخمة للأزمة المالية والاقتصادية العالمية الجديدة. هذا المقال يستعرض مزايا النموذج الاقتصادي الإسلامي.
عجز كبير في تحقيق هدف النمو التشاركي
وفقاً لأحدث المعايير التنموية في المجال الاقتصادي، تعاني معظم الدول العربية والإسلامية من عجز كبير في تحقيق هدف "النمو التشاركي Inclusive Growth "، ويشير النمو التشاركي ليس إلى النمو في الدخل القومي بغض النظر عمن ينتفع بثمار هذا النمو، وإنما إلى: النمو الذي يساهم فيه ويشترك في ثماره مختلف فئات السكان، والقادر على تخفيض نسبة الفقر وانتشاره وعلى تقليل عدم المساواة الاقتصادية، وتوفير فرص العمل الكريم، وتوسيع الطبقة الوسطى بصورة فعالة وقابلة للاستمرار ومن خلال التركيز على استدامة النمو الاقتصادي وسرعته وتوزيعه في آن واحد.
ومن المعروف أن إحدى خطوات أو مراحل المنهج العلمي في حل المشكلات واتخاذ القرار ما يعرف بمرحلة "تحديد البدائل أو الخيارات"، وإذا ما أدركنا بأن الهدف الأساسي من وجود أي نظام اقتصادي (أي نظام القيم الذي يحدد كيفية تخصيص الموارد وتوزيع الدخول لإشباع الاحتياجات المادية للمجتمع) إنما هو حل المشكلة الاقتصادية وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة والنمو التشاركي، تبين لنا أهمية دراسة النظام الاقتصادي الإسلامي باعتباره احد البدائل الرئيسية المتاحة لدى الجنس البشري، إضافة إلى النظامين الرأسمالي والاشتراكي.
تحليل عام للنظام الاقتصادي الإسلامي
وإذا ما قمنا بتحليل عام للنظام الاقتصادي الإسلامي، نجد انه يمكن تقسيمه إلى جزأين رئيسيين هما:
من المعلوم إن الاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد مختلط، بمعنى انه يجمع بين الاعتماد على قوى السوق الحرة في تحقيق الحرية والكفاءة الاقتصادية وبين اللجوء إلى التدخل الحكومي في تحقيق العدالة والكرامة الاقتصادية (عادة يتم ذلك خارج إطار السوق). ودور الدولة هنا يكون من خلال تطبيق قواعد دستورية ثابتة في السياسة الاقتصادية Policy Rules تحفز الإنفاق والاستثمار والنمو وتعيد توزيع الدخل والثروة (مثال: نظامي الزكاة والوقف) من ناحية، ومن خلال تنفيذ سياسات أخرى مرنة ومتغيرة وبدرجات متفاوتة طبقاً للظروف واجتهاد الحكومات، من ناحية أخرى.
وقد يقول قائل، فبماذا إذن يتميز النظام الاقتصادي الإسلامي جوهرياً عن الأنظمة الحديثة القائمة حالياً، وتحديداً الاقتصاديات الغربية ذات الأنظمة المختلطة؟ وما الجديد الذي سيقدمه الاقتصاد الإسلامي مقابل الاقتصاديات الغربية الغنية والمتقدمة؟ ولما لا نحاكي الأمم الغربية التي حققت نجاحات مشهودة في مجال النمو الاقتصادي القائم على التقنية العالية والحاكمية الرشيدة؟
في الواقع، فان ما يميز النظام الإسلامي هو ثلاث خصائص رئيسية: ربانية الأصول وأخلاقية التعامل الاقتصادي والأسبقية التاريخية. وفي حين تم شرح الخاصية الأولى أعلاه، فان الخاصيتين اللاحقتين تستحقان بعض الشرح. لاشك بأن البعض سيتحفظ على الخاصية الأخلاقية ويمكن إن يعتبرها حلماً ليس له انعكاس على الواقع. وفي المقابل، لابد من التأكيد بأن الأخلاقية تنبع من توفر مناخ مشجع وقواعد أخلاقية ذات قبول عام يتوقع من الجميع الالتزام بها طواعية، وفي حالة غياب مثل هذه التوقعات، وفي حال وجود مخالفين كُثر وبصورة متزايدة، يصبح الواقع المؤلم معياراً للسلوك. لكن التاريخ الاقتصادي الإسلامي في مختلف مراحله يؤكد إمكانية "إنعاش" الروح في جسد "الإنسان الاقتصادي"، بحيث تصبح الأخلاق معياراً للسلوك يفيد الفرد في الدنيا والآخرة، وبدعم من مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعي للفرد. فمع أن الاهتمام بالذات هو من الدوافع الثابتة في التاريخ البشري، إلا أن مدى هذا الاهتمام وهيمنته يتغير بتغير التنظيم الاجتماعي.
ويقصد بخاصية "الأسبقية التاريخية" إن النظام الاقتصادي الإسلامي قد سبق النظام الرأسمالي المعاصر زمنياً وبمراحل في إقامة أسس الاقتصاد المختلط. فأسس الاقتصاد الإسلامي - في جانبه الرباني الثابت - محددة ومعلومة منذ نحو 14 قرناً، في حين أن الرأسمالية الحديثة تطورت مع الزمن منذ ما يقارب من 3 قرون فحسب، فمن له الريادة والسبق؟ ومن ربما حاكى الآخر وتعلّم منه؟
ومن ناحية أخرى، لا يجب أن ننسى بأن الاقتصاديات الغربية الحديثة تتصف بسياق تاريخي مختلف تماماً في العديد من المجالات الرئيسية عن نظيره في الدول العربية والإسلامية، بدءاً من الثورة الصناعية وما رافقها من استغلال للطبقة العاملة الفقيرة آنذاك، ومروراً بالبناء على معارف البشرية المتراكمة كما جمّعها وأضاف عليها العلماء المسلمون في "العصور الوسطى"، تلك العصور التي كانت بمثابة عصوراً ذهبية للأمة الإسلامية (خصوصاً القرنين التاسع والعاشر الميلادي) وعصور ظلام بالنسبة للغرب، وانتهاءً باستعمار الدول الغربية للدول النامية واستغلال مواردها الطبيعية والبشرية وأسواقها.
وهذه العوامل الرئيسية الثلاثة تجعل من مسار التنمية للدول الغربية متمايز عن مساره لدى الدول العربية والإسلامية ولا مجال لنسخ التجربة بهدف "اللحاق بالغرب" ووفقاً لنموذجهم الليبرالي، وان كان هنالك مجال لاستقاء الدروس والعبر من التجربة الغربية إلى جانب تجربة دول شرق آسيا (أو النمور الآسيوية) في انجاز التطور الاقتصادي طويل الأجل، سيما في مجالات المساءلة والحوكمة الرشيدة من ناحية والابتكار وتطوير المقدرات التقنية من ناحية أخرى.
يستعين الاقتصاد الإسلامي بأسمى وأرقى الدوافع الإنسانية (الاهتمام بالآخرين)، في حين تستغل الرأسمالية احد أقوى الدوافع الإنسانية وأكثرها أنانية (الاهتمام بالمصحة الذاتية)، والنظام الاقتصادي الأمثل هو ذلك الذي يجمع بين أقوى الدوافع البشرية وأسماها لتحقيق ليس فقط النمو التشاركي وإنما كذلك التنمية الإنسانية الشاملة كهدف أسمى وأعم.
وإضافة إلى ما سبق، فان الأنظمة الرأسمالية الغربية الحديثة لا تمثل "نهاية التاريخ" وهي لا زالت تعاني من اختلالات هيكلية ومن تراخي النمو وتسعى جاهدة لتحقيق مزيد من العدالة التوزيعية والنمو التشاركي، إلى جانب سد القصور في مجالات التوازن البيئي وتماسك الأسرة ومكافحة الجريمة والإقصاء الاجتماعي، خصوصاً بعد الأزمات المالية والاقتصادية الحادة التي تمر بها والدورات الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها.
المحركات التسعة للنمو التشاركي في الاقتصاد الإسلامي
ولكن ما هي بالتحديد المزايا النسبية للنظام الاقتصادي الإسلامي في تحقيق مستويات أعلى من النمو التشاركي؟ وما هي المحركات الفريدة لدعم هذا النمو في الاقتصاد الإسلامي؟ من الواضح ان هذا يتطلب مقالاً مستقلا لتبيانه، لكن نعدد فيما يلي أبرز المحاور والعوامل الفرعية الداعمة للنمو التشاركي في الاقتصاد الإسلامي:
خاتمة: يستعين الاقتصاد الإسلامي بأسمى وأرقى الدوافع الإنسانية (الاهتمام بالآخرين)، في حين تستغل الرأسمالية احد أقوى الدوافع الإنسانية وأكثرها أنانية ووفرة (الاهتمام بالمصحة الذاتية)، والنظام الاقتصادي الأمثل هو ذلك الذي يجمع بين أقوى الدوافع البشرية وأسماها لتحقيق ليس فقط النمو التشاركي وإنما كذلك التنمية الشاملة كهدف أسمى وأعم.
فالاقتصاد الإسلامي يستعين بقواعد السياسة (كنظام الزكاة) كجزء من الدستور الاقتصادي، وكذلك بالسلوك الأخلاقي الفردي، والنهج اللامركزي في الرقابة وإعادة التوزيع، ويدمج بين الأخلاق والمؤسسات غير الرسمية والحاكمية الرشيدة وبين التشريعات والحوافز المالية في آن واحد، وهذه التشكيلة الفريدة نابعة من كون الاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي يستمد قيمه التضامنية الثابتة من خالق الإنسان ومدبر شؤونه (قال تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، سورة الملك) .
ابحث
أضف تعليقاً