wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التحرش الجنسي دناءة نفسية وبذاءة سلوكية

د. أحمد ياسين القرالة

كثيرا ما كنت أشاهد الفتيات يتحدثن بالهاتف الجوال أثناء وقوفهن انتظارا لركوب حافلة أو سيارة أو وهن يرقبن إشارة المرور الخضراء لقطع شارع، أو وهن واقفات ينتظرن زوجا أو قريبا، وقد أثار استغرابي هذا السلوك وحاولت فهمه وتفسيره، فتبين لي أن الكثير منهن يلجأن لهذا السلوك لإشغال أنفسهن بعمل ما لتجنب التحرش الذي يتعرضن له من قبل بعض السائقين أو المارة.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى انزعاج النساء من هذا السلوك ومقدار أذيته لمشاعرهن وعواطفهن، وسعيهن الدائم لتجاهله والتغافل عنه وتجنب التعرض له.
والتحرش بلا أدنى شك سلوك غير سوي يلحق بالمرأة الأذى النفسي ويسبب لها الحرج والعنت؛ وفيه اعتداء على عفتها وطهارتها وحقها في صيانة شرفها وحماية عرضها، ويعتبر استطالة غير مبررة على عواطفها ومشاعرها، واستقواء دنيئا على ضعفها، وهو من أبشع صور العنف الموجه للمرأة؛ لأنه يمس أخص خصوصياتها ويعتدي على أرفع حقوقها، كما أن فيه امتهانا لكرامتها وآدميتها، فهي في نظر المتحرش ليست سوى وسيلة لإشباع النزوات وإرضاء الأهواء وتسكين الرغبات.
ونظرا لطبيعة الحياة المعاصرة واضطرار المرأة للخروج للعمل والدراسة أو لتحقيق مصالحها ومصالح أسرتها، أصبح تعرضها للتحرش كبيرا وأضحى خضوعها له أكثر، فهي تتعرض له في ميادين العمل من قبل بعض الزملاء وأرباب العمل خاصة المسؤولين منهم، وما تواجهه من قبل زملاء الدراسة أو المدرسين، كما لا تسلم منه من قبل جمهور الناس وعوامهم في الحافلات العامة ومراكز التسوق وغيرها، وقد تطور هذا التحرش مع تقدم وسائل الاتصال والتقنيات المعاصرة فأصبح يمارس بوسائل إلكترونية عديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال الصور والرموز وبعض الكتابات والإيحاءات الجنسية.
وللتحرش صور كثيرة ومظاهر متنوعة، فقد يكون بصريا عن طريق النظر وحركات العين المريبة، وقد يكون لفظيا بطريقة مباشرة أو بدلالة إيحائية، كما قد يكون بالفعل ولغة الجسد أو من خلال التلامس باليد أو غيرها من أعضاء البدن.
وقد استقبح الإسلام هذا الفعل واستقذره ونهى عنه بكافة أشكاله وصوره، واعتبره خروجاً على خلق الحياء الذي يجب على المسلم التخلق به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وستون شُعبة، والحياء شُعبة من الإيمان، ووسيلة لإشاعة الفاحشة والأخلاق والسلوكيات المريضة في المجتمع، وهو ما توعد القرآن بقول الله تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ”؛ لذلك نهى الإسلام عن إدامة النظر وإطالته حتى وإن كان بريئاً لقوله تعالى:” قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ “،فكيف إذا كان بمقاصد دنيئة ويحمل بين طياته الأذى والدلالات القبيحة؟! ونهى عن التفحش في القول أو السلوك حتى ولو لم يكن التفحش تحرشاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش”، فكيف إذا كان تحرشاً جنسياً؟!
ويرى الإسلام أن أسوأ الناس سلوكاً وأكثرهم بعداً عن الله تعالى أولئك الذين يسعون في إيذاء الناس والتطاول على أعراضهم والمس بخصوصياتهم إرضاء لنزوات عابرة وتصرفات جامحة، فقال تعالى:” وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْما مُّبِينا”، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
ولا يجوز أن يعتبر سلوك المرأة وطريقة لباسها أو زينتها مبررا لمثل هذا السلوك القميء أو مسوغا لهذا التصرف الشاذ، فأخلاق المسلم وتربيته تأبى عليه ذلك، فليس سلوكه مجردَ ردة فعل أو استجابة غريزية لمؤثرات خارجية، إن مثل هذا الأمر لا يجعل من فرق كبير بينه وبين الحيوان الذي يخضع بشكل آلي وغريزي لقاعدة المثير والاستجابة، أما المسلم فهو بإيمانه وكريم أخلاقه يتعالى على هذا القانون ويستعلي عليه، وخير مثال على ذلك سيدنا يوسف عليه السلام الذي تعرض لأعلى درجات الإغراء وتهيأت له كل وسائل الخضوع والاستجابة، ومع ذلك ترفع وتمنع، قال تعالى:”وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ”.
التحرش الجنسي سلوك مشين وتصرف بذيء لا يصدر عن شخص سوي النفس معتدل المزاج مستقر عاطفاً ووجداناً، وهو ينم عن نفسية مريضة وشخصية مضطربة تتخذ من آلام الآخرين وعذباتهم وسيلة للتسلية أو المتعة.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.