
أسامة شحادة
كانت أحوال المرأة في روسيا سيئة أيضاً كحال المرأة في أوروبا، حيث كانت تعتبر من ضمن مقتنيات الرجل/الزوج، وكانت تعاني كثيراً من ضعف الرعاية الصحية والحرمان من التعليم، وعلى صعيد العمل فقد كانت تعاني من نفس الظروف البئيسة للعاملات في أوروبا، إذ لا حدود لساعات العمل وبرواتب أقل من رواتب العمال الذكور، ولا يحصلن على إجازات مرضية ولا ضمان صحي، وفي حالة الحمل كُن يطردن من العمل، إذ كانت الدعارة منتشرة بين العمال والعاملات.
وعلى غرار ما حدث للمرأة في أوروبا في الحرب العالمية الأولى فقد استدرجت المرأة الروسية لتحل محل مئات الألوف من العمال الذكور الذين تم شحنهم لجبهات الحرب، وأضحت عليهن مسؤولية إدامة الصناعات، وخاصة الصناعات الحربية، فضلا عن مشاركتها في التمريض وبعض المهام الحربية بالإضافة لمسؤولية رعاية البيت وتوفير مستلزماته عبر الوقوف الطويل في طوابير الخبز وما شابه، ثم تم الاستغناء عن كثير منهن بعد الحرب.
هذه الظروف السيئة للمرأة الروسية دعت بعض النساء من الطبقة العاملة للمطالبة بإنصاف المرأة ورفع المظالم عنها، كالمطالبة باحترام المرأة وتقديرها وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية لها وتحسين ظروف العمل التي تنخرط فيها، أما بعض النساء من الطبقة المتوسطة والعليا فكانت ترتكز مطالبهن على الحقوق السياسية.
في تلك المرحلة كان كارل ماركس (توفي 1883م) في لندن ينتقد الرأسمالية وكيف أنها تحقق أرباحا فاحشة عبر استغلال عمل النساء والأطفال دون مراعاة لظروفهم وأحوالهم، إذ كانت نظرة أصحاب المصانع للنساء والأطفال باعتبارهم “جيشا احتياطيا” ومصدرا رخيصا للأيدي العاملة يمكن استدعاؤه متى لزم والاستغناء عنه بسهولة.
وأكمل إنجلز (توفي 1895م) مهمة ماركس بنقد مفهوم الزواج من منظور طبقي ماركسي حيث اعتبر قيام الزوجة بواجباتها الأسرية دون أجر مادي يجعل منها “خادمة رئيسة” ويُخرجها من دائرة الإنتاج، وبذلك أوجد حالة تعارض بين قيام المرأة بواجباتها الأسرية بما لا يمكّنها من المشاركة في الكسب والإنتاج، وبذاك تبقى مقيدة وغير حرة! بينما الواقع يقول إن تطبيق الرؤية الإسلامية بمراعاة ظروف المرأة وعملها في قطاعات مناسبة لها يجعلها تجمع بين الأمرين بسهولة ويُسْر ويجنّبها كل سلبيات واقع عمل المرأة في النظامين الرأسمالى والشيوعي.
ومعلوم أنه برغم كل تنظير ماركس وإنجلز لثورة شيوعية في بلد رأسمالي صناعي إلا أن الثورة الشيوعية قامت في بلد إقطاعي زراعي، وهي روسيا، سنة 1917! وهنا بدأ لينين يطبق نظريات كارل ماركس وإنجلز ما تطور منها لدى القيادات الشيوعية، وسنركز حديثنا عمّا يخص قضية تحرير المرأة بحسب الفكر الشيوعي والماركسي.
وكما أن الثورة قامت في بلد لم يكن في حسبان النظرية الماركسية فإن تنظيرات النسويات الماركسيات القائمة على التحرر الجنسي تم جلبها واستيرادها وتطبيقها قصراً واستبداداً باسم نشر الحرية ومحاربة الطغيان!
فمثلاً النسوية الشيوعية الروسية ألكساندرا كولنتاي والتي كانت أول وزيرة في العالم ضمن حكومة لينين الأولى والتي كانت ضد مفهوم الزواج ونسبت لها “نظرية كأس الماء” والتي تعني أن إشباع الرغبة الجنسية في المجتمع الشيوعي هو أمر يسير وتافه “كشرب كأس من الماء”!!
أما إينيسّا آرمان الشيوعية والنسوية الفرنسية وعشيقة لينين فقد صكّت العبارة الشهيرة: “إذا كان لا يمكننا تصوّر أنّ تحرّر المرأة يتمّ بدون الشيوعيّة، إذاً فلا يمكننا أن نتصوّر أن الشيوعيّة سوف تتحقّق بدون تحرّر المرأة”، وطبعاً تقصد بتحرر المرأة التحرر الجنسي أولاً!
أما الشيوعيّة الألمانيّة كلارا زتكن فكانت تعتقد أن الزواج من صور وأشكال المِلكيّة الفرديّة والنّظام الاجتماعيّ البرجوازيّ الذي يشهد حالة انهيار بسبب الثورة الشيوعية.
وقد انعكست هذه الأفكار والتنظيرات في القوانين التي أقرتها حكومة الثورة الشيوعية، فلم تمضِ عدة شهور على الثورة الشيوعية حتى تم إدخال تعديلات جذرية على القوانين بخصوص النساء، فتم رفع بعض المظالم عن المرأة بخصوص ظروف العمل، كما تم تبديل مفاهيم العلاقات بين الرجال والنساء بشكل تام عبر قانون الأسرة:
ابحث
أضف تعليقاً