wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الحركات الإسلامية.. منطق المثالية الدينية و البراغماتية السياسية

الحركات الإسلامية: منطق المثالية الدينية والبراغماتية السياسية

حسن أبو هنيّة

كاتب وباحث في شؤون الحركات الإسلامية

 

يشير مصطلح الحركة الإسلامية إلى تيار إسلامي حديث عريض ومتنوع متعدد الأوجه، يتكون من قوى وتيارات وتوجهات وجماعات ومجموعات وتنظيمات وحركات وأحزاب، ويتبع تقاليد خطابية موحدة ترتكز على مرجعية مؤسسة على القران الكريم والسنة النبوية في مجال الإلهيات والنبوات والرسالات، وتميزه وتفرقه التأويلات الاجتهادية المجسدة المتعلقة بالمجال التدبيري العملي والحقل السياسي، فالحركات الإسلامية تؤمن بالإسلام كدين وأيديولوجية سياسية، وهي عناصر تشكل مفهوم الإسلام السياسي، الذي يضم مجموعة من الهويات السياسيّة متعددة الأوجه والأشكال ومتناقضة في الأولويات والأساليب.

وإذا كانت أصول الإلهيات النظرية الاعتقادية والعبادات العملية الأساسية تتمتع بالثبات ونوع من الجوهرانية، فإن الوقائع العملية والتدبيرات السياسية بطبيعتها اختلافية وتتميز بالتغير والتحول ضمن أطر ومبادئ أخلاقية ثابتة ترتكز على قيمة العدل، ولذلك شهد المسار التاريخي السياسي داخل التيار السائد للحركات الإسلامية نمط ثابت من السلوك السياسي العملي بالتكيف والتحول التدرجي من رؤية أيديولوجية مثالية إلى الدخول في نزعة براغماتية واقعية. 

ويعود ذلك إلى ظروف وملابسات نشأة وتأسيس الحركات الإسلامية الحديثة في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى، وبروز إشكالية الديني والعلماني وتبدل مفهوم السياسي عقب ظهور الدولة الوطنية الحديثة، التي برزت بعدإلغاء نظام الخلافة الإسلامية عام 1924 الذي كان استمراية لأطر الحكم التي شكلت الدولة والمجتمع، فنتيجة تفكيك الدولة العثمانية بالقوة العسكرية الامبريالية الاستعمارية، خلقت حالة جديدة ملتبسة من نظم الحكم، حيث تمسك الجيل الأول للحركة الإسلامية بأطروحة استعادة الخلافة، التي هيمنت على تصورات وبرامج النخب والحركات الإسلامية التي تطورت من رؤية هوياتية إحيائية إلى حركة سياسية، بينما انقسمت الأجيال اللاحقة بين راديكاليين وإصلاحيين ومحافظين مسارات بالتعامل مع إكراهات الواقع السياسي الجديد.

وقد أدى الاختلاف حول مسألة الإمامة والحكم في تاريخ الإسلام المبكر إلى انقسام المسلمين إلى فرق وجماعات وتوجهات مختلفة من قدرية وجبرية وخوارج ومرجئة ومعتزلة وشيعة وسنة، وتنوعت هذه الفرق والجماعات وانقسمت على نفسها في المسائل السياسية التفصيلية الدقيقة، وفي واقع المسلمين المتأخر شكل المجال السياسي جوهر الانقسامات والاجتهادات المتضاربة، فالحركة الإسلامية المعاصرة رغم تعددها واختلاف توجهاتها تسعى إلى استئناف حياة إسلامية مطابقة لتصوراتها الإيديولوجية حول الحكم المثالي للشريعة، باتباع استراتيجيات متنوعة من العنف إلى الهيمنة فسياسات الأسلمة، ومن هنا ظهرت إشكالية الدعوي والسياسي في "تطور" خطاب وممارسة هذه الحركات، وسلوكها في المجال السياسي؛ ولا جدال أن خطابها مستوحى من مفاهيم دينية وأخلاقية نابعة من التقاليد الإسلامية واستثماره في الحقل الدعوي والإيديولوجي، ويشكل مفهوم التقليد الخطابي والتأويلات المجسدة أحد أهم الطرق لتجاوز المقابلة بين الدعوي والسياسي، وإشكالية النظريات الجوهرانية والسياقية .

بين الجوهرانية والسياقية تتموضع المسالك المثالية والبرغماتية، وتبرز إشكالية العلاقة بين الإسلام السياسي والدولة الوطنية، فالإسلام السياسي مصطلح بشير إلى الحركات الإسلامية التي تسعى لإقامة "نظامٍ إسلامي" يتمثّل في دولة دينية تُحكَم بالشريعة وتفرض القوانين الأخلاقية الخاصة بها في المجتمعات الإسلامية، لكنها تمارس أنشطتها في إطار دولة قومية حديثة تتناقض في أبسط تعريفاتها مع مفاهيم الحكم الإسلامي، ودولة الشريعة، ومنظومة "الخلافة"، وما تزال الحركة الإسلامية مترددة في خطابها وممارساتها بين منظورات ملتبسة ومتنوعة من النزعات الراديكالية والمحافظية والإصلاحية، ومتأرجحة في خياراتها الفقهية والسياسية بالانحياز إلى بنى تقليدية تستند إلى مفهوم الجماعة الديني، وأخرى تحديثية منحازة إلى مفهوم الحزب المدني، ويتجلى الالتباس الإيديولوجي بصورة واضحة في غموض العلاقة بين المجال الديني والمجال السياسي، فالحركة الإسلامية تصر على الدمج بين أنشطتها الدينية والسياسية على الصعيد الخطابي، وتتتلبس بممارسة براغماتية على الصعيد الواقعي.

أدت التطورات المتعاقبة العالمية والمحلية إلى تحول نوع من الحركات الإسلامية المتعددة الأوجه إلى ظاهرة "الإسلام السياسي" والدخول في أفق "قوميّة دينيّة"، والتي تجسدت بسبب الخصوصيات الثقافيّة والسياسيّة للدولة القوميّة المبنيّة على أنقاض الامبراطوريّة العثمانيّة، وجاء ذلك نتيجة دمج الشرق الأوسط في "النظام الوستفالي" في القرن التاسع عشر، وهو تصور جديد لم تعرفه الحركات الإسلامية التي هيمن نظام الخلافة على مخيالها السياسي، فحتى ذلك الحين، لم تكن المفاهيم السياسية الحديثة كالإقليم والدولة مفاهيم أساسيّة في تعريف النظم السياسيّة الإسلاميّة، كما هو الحال بالنسبة للدول الأوروبيّة، فكبار مفكري الحركات الإسلامية قبلوا بالدولة القومية الحديثة كأمر مفروغ منه وكحقيقة طبيعية.

وافترضوا في أغلب الأحيان أن هذه الدولة لم تكن قائمة على مر تاريخهم فحسب، بل ساندتها أيضاً سلطة القرآن نفسه. فالإسلاميون يرون أن الدولة القومية التي تعد ظاهرة غير مسبوقة وفريدة كعنصر تكويني للدولة الحديثة، دشنت في الدستور الإسلامي الذي وضع في المدينة المنورة منذ أربعة عشر قرناً. وفي الوقت الذي يشكك فيها بعض المنظرين في الغرب باستمرارية الدولة القومية في المستقبل؛ فإن منظري الإسلام السياسي في العصر الحديث يقبلون الدولة كأمر مفروغ منه، وباعتبارها ظاهرة تصلح لكل زمان. وذهبوا إلى أن مفاهيم المواطنة والديمقراطية وحق الاقتراع من إنجازات المجتمعات الإسلامية الباكرة.

وعلى هذا النحو، ظهرت مقولة "الدولة الإسلامية" في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، فحسب وائل حلاّق "تفترض الخطابات الإسلامية الحديثة أنّ الدولة الحديثة أداة للحكم محايدة، يمكن استخدامها في تنفيذ وظائف معيّنة طبقاً لخيارات قادتها وقراراتهم" فهي كانت توليفة لتجاوز طوبى الخلافة التي كانت تتراءى يومئذ غير ممكنة التحقّق. لهذا ستتمّ استعارة هيكل الدولة الحديثة المعاصرة، على أن يكون قانونها إسلاميّاً، وهو الشريعة. فالدولة في هذا المتخيّل أشبه ما تكون بقوالب محايدة ممكن ملؤها بما يُراد.

إن تحول رؤية التيار السائد في الحركات الإسلامية من المثالية الإيديولوجية إلى البراغماتية العملية جاء بفعل مزيج من الإكراه القسري والاختيار الاجتهادي، فقد تحولت الحركات الإسلامية السياسية من خلال مسار براغماتي شاق وعنيف والخضوع للاكراهات والقيود التي فرضت عليها سلسلة من التكيفات التكتيكية المتعاقية مع البيئة السياسية الجيواستراتيجية الدولية والإقليمية المتغيرة، أو المحلية المتقلبة،حيث شكلت هذه التكيفات المحرك الرئيس لإعادة تموضع سياسي لا يستند إلى التخلي عن عقيدة قديمة ومباشرة بناء عقيدة جديدة، فحسب، بل نتيجة عمق التحولات الفكرية وضعف المخيال السياسي، فالعملية التي أزيحت بموجبها منظومة الشريعة عن نظم الحكم في العالم الإسلامي وقصر الشريعة على مجال الأحوال الشخصية بعد أن أفرغت من مضمونها ومجال اشتغالها، خلقت نموذج هجين جديد ضعيف الصلة بالماضي الإسلامي.

ففي هذا النموذج أصبحت "الدولة" بديل الله بما تملكه من سلطة سيادية مطلقة تتحكم في كافة الأنشطة السياسية والاجتماعية وتحتكر استخدام العنف المادي والقانوني، ولذلك فقد شكلت الدولة القومية الحديثة التي حلت مكان نظام "الخلافة " الأثر الأكبر في الانقسامات التي تبلورت داخل المجال الحركي الإسلامي، فالارتباط بين الإسلام والسياسة هو من أشد مظاهر الحركات الإسلامية إشكالية ولبساً وتناقضاً، إذ يشكل هذا الارتباط الحيرة المركزية في الحركة الإسلامية فالإسلاميون تجمعهم طريقة وعقيدة دينية مشتركة، لكنهم مختلفون في تطبيقها على المشاكل المعاصرة، لا سيما فيما يخص السياسة، حيث ترتبط الانقسامات بين مكونات الحركة الإسلامية المختلفة بالتحليل السياقي، وليس بالإيمان، وبهذا انقسمت الحركة لإسلامية إلى ثلاثة فصائل رئيسية: النقائيون، الذين يهتمون بشكل أساسي بالحفاظ على نقاء الإسلام من خلال الدعوة والتربية. والسياسيون، الذين دعوا في إلى الانخراط في الشؤون الراهنة للدولة والمجتمع. والجهاديون، الذين يؤيدون استخدام العنف لإقامة الدولة الإسلامية ومحاربة الغرب الكافر.

أفضت التطورات التاريخية والتحولات السياسية، إلى تنامي الجدالات الإيديولوجية والمناظرات الفقهية داخل أطر وهياكل الحركة الإسلامية، وأدت إلى بروز ثلاثة نماذج فكرية وعملية رئيسية حول طرائق العمل وحدود التعامل مع أطر ومؤسسات الدولة الوطنية: وقد تبنى النموذج الأول؛ مفهوم الحزب الثوري من النمط اللينيني، حيث يصبح الحزب بمثابة طليعة ثورية تهدف إلى الاستيلاء على السلطة بالقوة، وينكر الأسس الشرعية للدولة الوطنية، ويرفض العملية السياسية ويناهض المسالك النقابية، ويتبنى نهج يستند إلى مفهوم "حرب الحركة" يهدف إلى تغيير النظام من أعلى وفرض الحكم الإسلامي بالقوة المسلحة.

ويعدّ سيد قطب المنظر المرجعي للتيار الراديكالي داخل الحركة الإسلامية، ومن رحم التيار الثوري الراديكالي خرجت الجماعات الجهادية المعاصرة، أما النموذج الثاتي؛ فيستند إلى مفهوم الحزب السياسي على النمط الليبرالي الغربي، ويمارس عمله وأنشطته من داخل أطر الدولة الوطنية والنظام الديمقراطي الانتخابي متعدد الأحزاب، ويسعى إلى تمرير الحد الأقصى من عناصر برنامجه السياسي في حدود الدستور والقانون، ويتبنى النموذج الثالث؛ مفهوم الجمعية الدينية، التي تسعى إلى ترويج القيم الإسلامية وتغيير العقليات وسلوكيات المجتمع عبر استحداث حركات تشاركية، والتغلغل في أوساط النخب المحلية المختلفة.

وينتمي أنصار النموذجين الأخيرين إلى التيار "الإصلاحي"، الذي يتبنى نهج "حرب المواقع"، وفق استراتيجية المنظر اليساري الإيطالي أنطونيو غرامشي التي تقوم على خلق هيمنة إيديولوجية أخلاقية وسياسية في المجتمع، تفضي تدريجياً في نهاية المطاف إلى عملية أسلمة المجتمع، متوقعة أن الدولة الوطنية سوف تصبح إسلامية على المدى الطويل، تدريجياً وسلمياً من خلال الأطر الدستوريّة والقانونية للدولة القومية، وذلك عبر تبني الإجراءات الديمقراطيّة، وآليات تعبئة المجتمع المدني من خلال الروابط المهنية والمنظمات غير الحكوميّة والمساجد والجمعيّات الخيريّة.

تتجسد معضلة الحركة الإسلامية وترددها بين المثالية والواقعية في طبيعة بنية وتكوين الدولة العربية الإسلامية الحديثة، فهي دولة مشتبهة علمادينية، فبينما تستند الأسس الفلسفية للدولة الوطنية، إلى منظورات الدولة القومية ما بعد الكولونيالية الحديثة، ومقتضيات "الدولة المدنية"؛ فأسس الدولة القومية الحديثة تقوم على مفهوم السيادة، وحق احتكار العنف والتشريع والقانون وضبط الحياة اليومية، إذ يشكل الدين أحد مكونات الهوية القومية للدولة، التي تفترض استقلال النسق السياسي عن النسق الديني، وحصر الدين في المجال الخاص، فالسيادة القانونية تعد أهم مميزات الدولة الحديثة، بينما تعود السيادة إلى الشريعة الإلهية في نظام الحكم الإسلامي، وتعرّف الدول العربية نفسها سياسياً باعتبارها دولة مدنية محكومة بسيادة القانون وتستند إلى مفاهيم دينية إسلامية في المجالات الروحية الأخلاقية، محددة مفهوم المجال الديني بمنظورات المؤسسات الدينية الرسمية، التي تسعى إلى تشكيل الإطار الأخلاقي للمجتمع دون التدخل في المجال السياسي.

يتطلب فهم الحركة الإسلامية وسلوكها بين المثالية والواقعية بصورة أفضل بتجنب المقاربات الجوهرانية والاقتراب من النظرة السياقية، حيث تشير التحولات الإيديولوجية والسياسية التاريخية التي تعاقبت على الحركة إلى أهمية السياقات الاجتماعية والسياسية، والتأويلات المجسدة للتقاليد الخطابية، فالحركة الإسلامية قولبت ايديولوجيتها مرات عديدة وبدّلت مواقفها وتصوراتها حول الدولة والمجتمع عبر مراحلها التاريخية، ورغم أن الحركات الإسلامية السياسية لا تزال على اختلاف مكوناتها وتياراتها، تحتفظ بهدف إقامة "دولة إسلامية"؛ إلا أن مفهوم الدولة الإسلامية الذي تنشده يتموضع في صلب بنية الدولة القومية.

وعلى مدى عقود تشكلت تيارات عديدة داخل الحركة الإسلامية تتباين اجتهاداتها ومنظوراتها حول طبيعة الوسائل والآليات التي يجب اتباعها وسلوكها لتحقيق أهدافها وغاياتها النهائية باستئناف حكم إسلامي يقوم على مبدأ تطبيق الشريعة، فالتيار الأساس السائد داخل الحركة هو الاتجاه الديني المحافظ، وعلى أطرافه تتموقع التوجهات الراديكالية والإصلاحية، وتعود أسباب هيمنة منظورات وتصورات التيار الديني المحافظ إلى تشكل بنية ومكونات الحركة الإسلامية التاريخية في سياق استعماري، وطبيعة ظروف نشأتها كجماعة دينية إحيائية إصلاحية محافظة تنشد الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع وتأكيدها في مواجهة عمليات نزع الهوية وتغريبها، ثم تحولت الحركة لاحقاً إلى حركة سياسية في ظل إرهاصات انحسار المد الاستعماري، وأخذت اهتماماتها ترتكز على إعادة تأسيس كينونة سياسية واجتماعية، تؤكد على مركزية بناء هوية دينية إسلامية مناهضة للمركزية الغربية، التي فرضت سيطرتها وعممت تصوراتها على العالم الإسلامي، وشكلت نموذجاً إرشادياً لنخب الدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لا جدال أن الحركة لإسلامية تنطوي على حركات وقوى وتوجهات متعددة تتقلب بين المثالية الثورية والواقعية السياسية، وفي داخل هذه الحركات اجتهادات متعددة، فالحركات الإسلامية الثورية الجهادية منقسمة في تصوراتها وطرائق عملها، وقد تمكنت بعض فصائلها من تحقيق نجاحات بالسيطرة والحكم، ثم اختلفت في تطبيقات الأسلمة وحكم الشريعة، ولا يزال التيار السائد للحركة الإسلامية السياسية يراهن على البراغماتية رغم تعرضه لمنظورات سلطوية استئصالية، فالإسلام السياسي يراهن على فكرة أسلمة المجتمع وقد حقق نجاحات كبيرة، لكنها عملية لم تفضي إلى أسلمة الدولة، ودفعها إلى مزيد من الاستبدادية، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، فرضت الحركة الإسلامية هيمنتهاعلى النقابات المهنية المهمة في عدد من الدول العربية، دون أن تتمكن من تحقيق أسلمة الدولة، بل إن الحركة نفسها تحولت إلى أحد مكونات الدولة الوطنية، وباتت أحد عناصر اللعبة الديمقراطية.

وقد برهنت التطورات اللاحقة مع أحداث "الربيع العربي" على فشل أسطورة أسلمة الدولة الوطنية من خلال استراتيجيات الهيمنة الإيديولوجية وتكتيكات السيطرة على مؤسسات المجتمع المدني، وأظهرت مآلات الانتفاضات العربية حجم المبالغة والتهويل لمصادر قوة الحركة الإسلامية وتعظيم خصائصها البنيوية، فالدولة الوطنية الاستبدادية من خلال أجهزنها القمعية والإيديولوجية أكدت على رسوخها وقوتها وبطشها، وصعوبة تغيير أبنيتها العميقة العسكرية والقانونية والسياسية، التي تشكل مظاهر السلطة السيادية، فقد أزيحت حركات الإسلام السياسي عن الحكم في مصر وتونس بسهولة بالغة عن طريق قوة الجيش كأساس مادي للسلطة، وقوة القانون كأساس روحي للسلطة، فالجيش والقانون هما من المجالات التي لا يسمح للإسلام السياسي أصلاً باختراقهما؛ فضلا عن السيطرة عليهما في الدولة الوطنية ما بعد الاستعمارية، إذ لم تقتصر عملية إبعاد الإسلام السياسي في مصر وتونس عن مراكز السلطة التشريعية والأجهزة التنفيذية في الدولة فحسب، بل تم نزع الأسس الشرعية للإسلام السياسي من الناحيتين السياسية والقانونية، وجرى تجريد حركات الإسلام السياسي في معظم الدول العربية من كافة مؤسساتها الدعوية ومصادرة كل مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية، وجرى في عدة دول قتل وملاحقة أعضائها وزج قياداتها في السجون والمعتقلات، وتم حظر هذه الحركات وتشويهها وتصنيفها بقوة القانون منظمة "إرهابية" محظورة.

خلاصة القول إن الحركات الإسلامية تشترك في اتباع تقاليد خطابية ثابتة وتفترق في تأويلات مجسدة في واقع سياسي متغير، وإذا كان الإسلام ينطوي على عنصري الثبات والشمول في المجالات الاعتقادية النظرية والعملية التعبدية، وعنصري التغير والتبدل في المجالات الاجتهادية العملية والتدبيرات السياسية، فإن ظاهرة تنوع وتعدد الحركات الإسلامية تغدو ظاهرة طبيعية، وتصبح التحولات والتكيفات مسألة منطقية تختلف الأنظار في حدودها ومحدداتها، فالجوهرانية والسياقية لا ينفصلان ولا يتناقضان وإنما يتصلان ويتمايزان باختلاف المجالات، وهما يشكلان كينونة الإسلام السياسي، فظهور أفعال سياسية باسم الإسلام يمكن وصفه بطريقة مفيدة باعتباره الإسلام السياسي، ومهما تعددت وتنوعت تكيفاته واجتهاداته وتحولاته فإنه يعبر عن كينونة مسلمة تشكل نقيض ابستمولوجي وتحدي جيوسياسي للغرب الجماعي.

فالتحدي الذي يفرضه الإسلام السياسي يمكن مقاربته من خلال النظر إليه باعتباره إطاراً مفككاً للاستعمارية الصهيونية والإمبريالية الغربية على الصعيدين الابستمولوجي والاستراتيجي، فالحركات الإسلامية تتوافر في جوهرها على أجندة تؤسس لكينونة مناهضة لسياسات ومصالح ومشاريع الغرب الإمبريالي والمشروع الصهيوني، فحركات الإسلام السياسي نشأت كرد فعل على الاجتياح الكولونيالي والإمبريالي للعالم الإسلامي الذي تزامن مع نشوء الحركة الصهيونية وتأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، وعلى وقع صدمة انهيار وسقوط الخلافة الإسلامية (العثمانية)، وقد تطور الإسلام السياسي كأيديولوجيا سياسية في إطار الدولة ما بعد الكولونيالية، وتشكُل الدولة الوطنية (العلمانية)، وبهذا أصبحت أهداف وغايات الحركات الإسلامية مناهضة للدكتاتورية والإمبريالية والصهيونية، من أجل استعادة "الخلافة" كرمز للهوية السياسية الدينية الإسلامية، وسواء اتخذت الحركة الإسلامية نهجا مثاليا أم براغماتيا، فإنها تستند إلى اسم الإسلام الذي ينطوي على مبادئ إيمانية توقيفية جوهرانية لا تتبدل ولا تتغير ومسائل عملية توفيقية سياسية متغيرة، والاجتهاد في المجالات العملية السياسية والتراتيب التدبيرية هي محددات تحول الحركات الإسلامية وتنوعها وتكيفاتها. 

 

#المنتدى_العالمي_للوسطية

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.