
الدولة المدنية من منظور الشريعة الإسلامية
د. أبوجرة سلطاني
رئيس المنتدى العالمي للوسطية
لم تحدد الشريعة الإسلامية نمطا واحدا للحكم، ولم يفرض الإسلام على الحاكم المسلم أن يكون "نسخة طبق الأصل" من سابقية لعلم الله جل جلاله أن الأزمنة تتغير، والأمكنة ليست واحدة، وأقضية الناس تتجدد وتتباين ويطرأ عليها من الحوادث ما لم يسبق له مثال.
وللناس طبائعهم وظروفهم وقضاياهم.. ومن أجل ذلك وضع الإسلام معالم وضوابط ومحددات للدولة ليسود العدل بين الناس.
فدولة الإسلام مدنية في نشأتها الأولى؛ لأنها تأسست على مبادئ واضحة تضمنتها " صحيفة المدينة" التي نصت على أن لكل مواطن حقوقا يؤتاها مقابل واجبات يؤديها لتتوازن الفرص بين الناس، وتتكافؤ دماؤهم كمواطنين دون تمييز بينهم لأي اعتبار من دين أو عِرق أو جنس أو انتماء قبلي أو لون سياسي، ولم تكن دولة التأسيس كهنوتية ولا عسكرية.
ويخطئ من يضع الدولة المدنية في مقابل الدولة الدينية، فالدولة المدنية يقابلها النظام العسكري، والدولة الدينية تقابلها الدولة العلمانية (اللادينية). وإذا كانت غير مدنية فلا يهم أن تقوم على أساس انتخاب ديمقراطي أو على أساس بيعة شرعية تزكي مدنيين يزعمون أنهم منبثقون عن سلطان الأمة..!! أو عن إرادة الشعب..!! عبر صناديق الاقتراع..!! أو تمت تزكيتهم بأنماط أخرى. فأدولف هتلر انتخب ديمقراطيا.. !! وجميع الحكام الذين أسقطتهم "ثورات الربيع العربي" كانوا يتحدثون - باسم الشعب - عن دولة مدنية تنظم سلطاتها دساتير (أو لجان شعبية) ضامنة لسيادة القانون الذي يخضع له جميع المواطنين والرعايا، بمن فيهم رئيس الدولة وأسرته وحاشيته.
وكانوا يقولون لشعوبهم إن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وإنه لا تمييز بينهم على أي أساس آخر سوى المواطنة، وأن السلطات منفصل بعضها عن بعض، وكل سلطة مستقلة تمارس صلاحياتها وفق دستور البلد، الذي زكاه الشعب، ووفق قوانين الدولة الناظمة للعلاقات. فالسلطة التشريعية تختص بالتشريع والرقابة، والسلطة التنفيذية تهتم بتدابير الحياة اليومية للمواطن وتجسد سياسة الحاكم. والسلطة القضائية مستقلة عن السلطتين باختصاصها الأول الذي هو تحقيق العدل وقمع الظلم والسهر على إمضاء سيادة القانون.
وأن اختيار الحاكم، أو الرئيس، يتم دائما عن طريق انتخابات نظيفة ونزيهة..!! وكذلك يتم انتخاب ممثلي الشعب، على جميع المستويات، من البلدية إلى البرلمان، وكلهم - في هياكل الدولة المدنية - منبثقون عن صناديق اقتراع نظيفة وشفافة. وأن الحريات مضمونة ومكفولة ومحترمة ومتاحة للجميع (حرية المعتقد وحرية التعبير والتنقل والتملك والانتماء السياسي والثقافي..) في أطر مرنة تكفلها الدولة ويضمنها الدستور وترعاها المؤسسات وتعززها.
أما الدين "فمسألة شخصية"، وهو فهم علماني غربي خاطئ لانه يفصل الدين عن الدولة، ويعزله عن صناعة الحياة، ويحرمه من حقه في إدارة شؤون الحكم، فتكتفي الدولة العلمانية بتنظيم شؤونه ورعاية القائمين عليه مادام يتحرك أخلاقيا على هامش الحياة، ولا رأي له في حلال وحرام، ولا يهدد أمن الحاكم ولا يزعزع عرشه ولا يغير منكرا ولا يزحزح نظاما مهما بلغ فساده وجوره وفجوره.
أما الجيش فحامي السيادة وحارس الحدود، لا يتدخل في السياسة ولا يتلون إلا بلون الوطن، وهو في خدمة الدولة مادام القائمون عليها يحظون بشرعية الشعب وليس حاكما لها ولا مهيمنا عليها، ولا خادما للحاكم.
لكن هذه الصورة المثالية الجميلة للدولة المدنية لا نجدها على الأرض، حقائق ومؤسسات، في أغلب أنظمة العالم الثالث إلا على الورق، أما في واقع الناس فشأنها آخر.
من منظور إسلامي لم يطرح الإسلام "قالبا جاهزا" للدولة، واكتفى برسم معالم كبرى ومبادئ عامة لنظام حكم راشد غايته تحقيق العدل ونشر الفضيلة بين الناس، فالعدل غاية في دولة الشريعة. أما مسائل إدارة الحكم (من تنظيم السلطات إلى تحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم)، فوضع لها مبادئ ثابتة لا تتعارض - في مقاصدها - مع مفهوم الدولة المدنية الحديثة إلا في مصدر التشريع، وهو ما أقرته "صحيفة المدينة".
فنصوص القرٱن الكريم والسنة المطهرة لم تفرض شكلًا محددا للدولة ، ولم تأمر المسلمين بتأسيس حكم ملكي أو سلطاني أو جمهوري أو ثيرقراطي أو كهنوتي.. إنما حددت حدودا ورسمت معالم ووضعت قيمًا ومبادئ على أسس من الشورى:﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: الشورى: 38. وأمرت أركان الدولة بالتعاون على البر والتقوى لمنع تفشي الظلم والعدوان. وأمرت الأمة كلها بمحاصرة الفساد لتحقيق العدل والمساواة بين المواطنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾النحل: 90. وغلظت القول في حمل الأمانة وفي تقلد المسؤولية إلا بحقها وبالقدرة على أداء واجباتها. وربطت المسؤولية بالمحاسبة والجزاء والعقاب في الدنيا والآخرة، ودعت إلى أن تكون الدولة في خدمة الصالح العام.
باختصار: هي دولة المؤسسات وليست دولة الأشخاص (دولة الشعب وليس الشعب ملكا للدولة). ولا يتحقق ذلك إلا باحترام كرامة الإنسان المكرم عند الله لآدميته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الإسراء: 70.
فالدولة في الإسلام طاعة وعبادة وشورى وعدل.. يقترح أهل الحل والعقد من يترشح على رأسها ويعرض نفسه على تزكية الشعب (بالكيفية الملائمة لكل بلد). وكل مسؤول محاسب أمام شعبه.
ودستور الدولة وقوانينها مستمدة من روح الشريعة ومقاصدها (الكرامة، العدل، الحرية، المساوة، وحفظ الحقوق). والأمة هي مصدر السلطة وتستمد شرعيتها من كتاب الله وسنة رسوله وتراثها الواسع الرحيب، وهي من تختار الحاكم وهي من تحاسبه وتعزله إذا جار وظلم. ولا عصمة لأحد، ومن حق المعارضة نقد الفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: " ولتكن منكم امة"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " ٱل عمران: 104.
الدولة المدنية في الإسلام دولةٌ يحكمها بشر على أسس من الفهوم البشرية بضوابط شرعية وباجتهادات دستورية يضطلع بها علماء الشريعة وفقهاء القانون لتقوم على العلم والعمل والعدل، الشورى.. وتكون غايتها الأولى تحقيق العدالة بين الناس؛ دولة مدنية لا كهنوتية فيها، ولا عسكرية، ولا طائفية، ولا فئوية، ولا استبداد.
فدولة الإسلام ليست دينية كهنوتية، وإنما هي دولة مدنية مرجعيتها الإسلام وحاكمها من أفراد الأمة، لا قداسة له ولا عصمة، فهو واحد من الناس زكته الأمة لقيادتها وخدمتها، وليس “خليفة الله” في الأرض ولا هو ظله، بل هو مستخلف عن الأمة وخادمها، وعليه واجب استشارة علمائها وفقهائها والاستئناس بأهل الرأي والمشورة وبذوي الخبرة، والاجتهاد في تطبيق مقاصد الشريعة وإمضائها في الناس عدلا، وحرية، ومساواة.
فهي من منظور الشريعة دولة مدنية تقوم على الاختيار الحر، أو على البيعة المباشرة، على أساس الشورى، وكلها مفاهيم مدنية وليست عسكرية ولا دينية ثيوقراطية يديرها من يوصفون عادة بأنهم "رجال الدين". والحال أنه لا كهنوت في الإسلام.
فالأمة هي مصدر السلطة، ولكن سلطتها محكومة بالقيم الإسلامية العامة، ومقيدة بشرع الله. والتداول على السلطة يتم سلميا داخل مؤسسات الدولة، بالكيفية المتفق عليها، من غير وصاية على الشعب لا باسم الدين ولا باسم السبق ولا باسم الجنس ولا بعنوان التشريف العرقي، أو بالإخضاع لسلطان الفتاوى السياسية.
ولأن من خصائص الشريعة الإسلامية المرونة والواقعية والتجدد.. فهي - بهذه الخصائص - صالحة لكل زمان ومكان ، ودليل ذلك أن الإسلام - كما قلناه دائما - لم يفرض شكلًا واحدًا للحكم، لأن الحكم في شريعة الله وسيلة وليس غاية، ولذلك وضعت الشريعة مبادئ مرنة تتحقق بها المصلحة العامة بالشكل المناسب لكل زمان، فأبو بكر الصديق رضى الله عنه لم يلزم نفسه بنمط دولة التأسيس، وعمر الفاروق رضي الله عنه لم يحبس نفسه في قالب سلفه، فتوسع وأدخل الدواوين، واقتدى بهما الخليفتان الثالث والرابع.. لأن الغاية واحدة: تحقيق العدل ودفع الجور وتقليل المضار وتكثير المنافع.
ولا يضر مدنية الدولة أن تكون مؤسساتها شورية أو ديمقراطية.. فلا مشاحة في المصطلح إذا تحرر المناط؛ ولا تضرها الأسماء (برلمان، قضاء مستقل، دستور، انتخابات...) إذا تحددت المسميات وعُرفت المقاصد بشرط واحد ألا تتعارض مفاهيمها ولا ممارساتها مع روح الشريعة.
فمرجعية الشريعة لا تعني حكم الفقهاء، وإنما تعني اعتماد مقاصد الشارع وتوخي تحقيقها وإمضائها في الناس عدلا، وحرية، وكرامة، ومصلحة عامة، وجعل ذلك أساس التشريع لتكون غاية الفصل بين السلطات منع الاستبداد، واحترام التعددية السياسية والفكرية، وعدم إقصاء أحد من حقه باسم الدين أو بفتوى إقصائية تحرمه من المساهمة في بناء دولته من خلال أي مؤسسة منتخبة تمثل الأمة (مجلس شورى، بلدية، مجلس ولائي، برلمان). أو تنفيذية تهتم بأمر الشعب.
وفي كل الأحوال تظل الشريعة مرجعية قوانين الدولة، ويراعى عند سنها ما يحقق المقاصد الشرعية الكبرى، ويتيح حرية المعتقد ويكفل حرية الرأي وحرية التعبير بضوابط النظام العام والأخلاق الإسلامية.
ولكن دون تحقيق هذا الأمل الكبير صعوبات وعوائق. أولها: الاستبداد السياسي، أو ما يسمى "مقاومة التغيير". وثانيها: الخلط المتعمد بين صفاء الدين ولوثات السياسة. وثالثها: تبرير الاستبداد بالتخويف من المخاطر الخارجية ومن ضغط المعارضة الداخلية ومن ثقافة المؤامرة.. ورابعها: التلويح بالتشظي المجتمعي والفتن المذهبية والطائفية.. وخامسها: الخوف على المرجعية الواحدة للأمة في كل قطر.
والعائق الأكبر هو الغلوٌ في فهم مقاصد الشريعة، والتشدد في تنزيلها على الواقع بالقول: إما حُكم الله جملة واحدة. وإما حُكم الطاغوت..!! مع أن التجربة أثبتت أن التدرج في بناء الدولة المدنية من منظور الشريعة الإسلامية أجدى من المطالبة بالكل أو بلا شيء. ولنا في تجربة ماليزيا، وأندونيسيا.. ما يؤكد هذا الخيار الذي جمع بين المرجعية الإسلامية وبين تجربة نظام الحكم المدني فحقق مقاصد مشتركة، وهي كبيرة وكثيرة جدا.
فشريعة الإسلام لا تعارض الأنظمة المدنية القائمة بشكل جذري راديكالي غايته إسقاط النظام القائم وانتظار البديل القادم، وإنما تعالج الاختلالات الهيكلية وتجفف منابع الفساد وتقوم اعوجاج الدولة وتدفع باتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية وتصون الحريات وتحمي كرامة الإنسان وتؤمٌن مقاصد الشريعة الستة حتى يأمن الناس جميعا على دمائهم وأعراضهم وأموالهم إطعاما من جوع وأمانا من خوف.
ابحث
أضف تعليقاً