
د. أحمد ياسين القرالة
على أثير إحدى إذاعاتنا اتصلت سيدة أردنية بمفتٍ سائلةً عن حكم سفرها وحدها خارج البلاد للالتحاق بزوجها، وبيَّنت له أن أخاها سوف يوصلها إلى المطار وزوجها ينتظرها في مطار الوصول، فأجابها المفتي بالحرمة وعدم الجواز.
إن من يتأمل تلك الفتوى يجد نتيجتها تؤول إلى أربعة احتمالات لا خامس لها:
الاحتمال الأول أن تأخذ هذه المرأة بالفتوى فتترك السفر وتبقى بعيدة عن زوجها مع ما في ذلك من ضرر عليها وعلى زوجها.
الاحتمال الثاني: أن يأتي زوجها ليصطحبها معها، وهذا قد يستلزم منه الحصول على إجازة عمل ويقتضي شراء تذكرة سفر ذهاباً وإياباً.
الاحتمال الثالث: أن يسافر معها أخوها ليوصلها إلى زوجها وهذا يستلزم إضافة لما سبق الحصول على تأشيرة سفر.
الاحتمال الرابع: أن تسافر وحدها متجاهلةً هذه الفتوى التي تعيق حركتها، وفي هذا دفع لها لارتكاب الحرام وتعذيب نفسي لها لاعتقادها بحرمة الفعل الذي قامت به.
صدمتُ كثيراً بهذه الفتوى وشعرت معها كيف أن بعض الفتاوى قد تجعل الدِّين عبئاً ثقيلاً على الإنسان ومعيقاً لحركته ومانعاً من تقدم المجتمع وتطوره، مع أن الدين ما أنزل إلا لخدمة الإنسان وتحقيق مصالحه، وهو ما تضافرت عليه نصوص الشريعة وما قرره علماء المقاصد.
مثل هذه الفتاوى فضلاً عن كونها جموداً على ظاهر النص ووقوفاً عند حرفيته، ضررها على الدِّين والمجتمع لا يعادل الضررَ المترتبَ على سفر المرأة دون محْرم إن كان فيه ضرر، خاصة وأن السفر أصبح ضرورةً من ضرورات الحياة للدراسة أو العمل وغيرها.
لم يكن النهي عن سفر المرأة دون محْرم أمراً تعبدياً لا يجوز فيه الاجتهاد، إنما هو نهي اقتضته ظروف زمانية ومكانية جعلت من سفرها وتنقلها منفردة خطراً عليها؛ لصعوبة السفر وغياب الأمن، فإذا انتفت تلك العلة وزال الخطر كان سفرها جائزاً ومشروعاً؛ لأن الحكم يدول مع علته وجوداً وعدماً، ومما يؤكد عليَّة النهي بانعدام الأمن قول النبي عليه الصلاة السلام لعدي بن حاتم: فإن طالت بك الحياة لترينَّ الظعينةَ ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله.
أمَا وقد انتشر الأمن وتيسرت سبل المواصلات وأصبحت في أعلى درجات الرفاهية والراحة لم يعد من المقبول والمستساغ الإفتاء بحرمة سفر المرأة بلا محرم، وقد أحسنت دائرة الإفتاء الأردنية بقرارها رقم (92) بتاريخ 4/ 8/ 2005 م عندما ذهبت إلى القول بجواز سفرها دون محرم إذا كان ذلك مأموناً، وهي فتوى تستجيب لمقتضيات الحياة وتعمل على تسهيل مصالح الناس وترفع عنهم العنت والحرج، كما أنها تعبر عن فهم سليم ووعي دقيق لأحكام الدين ومقاصده العامة.
ابحث
أضف تعليقاً