
لو سألت أي مسلم عن أركان الإيمان فلا بد أنه سيذكرها لك سريعا : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
فهل الإيمان مجرد اعتقاد فكري بحفظ هذه الأركان وتمثل معانيها فقط؟
من المهم أن نتذكر الحديث المشهور المتفق عليه ، حديث جبريل عليه السلام الذي تمثل في صورة بشرية وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان.
فالإسلام ظاهر يتجلى على الجوارح ، وقد يتشابه فيه حال المؤمن مع حال المنافق، بالنطق بالشهادتين والقيام أو التظاهر بأركان الإسلام.فإن لم يكن لعمل الظاهررصيد إيماني فإنه لا قيمة له لأنه نوع من مراءاة الناس.وفي هذه الحال لا يقبل ذلك العمل من الله تعالى وتيكون هباء منثورا.
فإذا كان الإيمان رصيدا لتلك الأعمال : بمعرفة الله ، والتوجه إليه ، والإحلاص له كان العمل بإذن الله مقبولا.
والإيمان درجات يرتقي فيها الإنسان إلى مرتبة الإحسان.الإيمان العقلي مهم وهو درجة من درجات الإيمان ، ولكن حين يظل هذا الإيمان أفكارا لا ترفدها مشاعر القلب ، ولاتعززها الصلة الحميمة بتجليات الأسماء الحسنى عندها يظل ذلك الإيمان مرتبة تحتاج إلى الترقي.
وبوابة الترقي في معارج الإيمان هي : التفكر؛ ذلك أن التفكر يؤدي إلى استحضار الصلة بالله تعالى في كل حال وفي كل حين ، وعندها يستحضر الإنسان معنى الحديث النبوي في بيان الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
ويستحضر الإنسان في جولات التفكر : في النفس والآفاق، في الظاهر والباطن ، في العوالم التي لا يحدها حد من حولنا ، وفي آيات الله المبثوثة في كل شيء.وتجعل الإنسان يعيش معنى بيت الشعر الحكيم:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
إن الإيمان الذي يرتقي به الإنسان إلى مرتبة الإحسان يولد في النفس أنسا ، ومع كل موجود من الموجودات صلة ، وتجعله يدرك حقيقة معنى آيات كريمة كثيرة في كتاب الله ، مثل :
( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم نه كان حليما غفورا)( الإسراء 44 )
ومعنى أحاديث شريفة مثل الحديث المتفق عليه :
" أحد جبل يحبنا ونحبه"
ورسائل النور للأستاذ بديع الزمان سعيد التي هي تفسير للقرآن الكريم تسهم في تكوين مرتبة الإحسان ، أو ما تسميه الرسائل: الإيمان التحقيقي وذلك من خلال فتحها نوافذ التفكر في كل شيء مستلهمة ذلك من منهج القرآن الكريم.
ولنقف على مثال من ذلك.
معلوم أن البسملة : مختصرة : "بسم الله " أو تامة " بسم الله الرحمن الرحيم" من أكثر ما يتردد على ألسنة المسلمين من الأذكار، فلننظر كيف تعرضها لنا رسائل النور.
الجزء الأول من رسائل النور اسمه : الكلمات ، وهو مكون من ثلاث وثلاثين كلمة إضافة إلى الفصل الأخير الذي عنوانه : اللوامع ، وهو ديوان شعر إيماني عميق المغزى. وتتفاوت عدد صفحات كتاب الكلمات من طبعة إلى أخرى لكنها تدور حول : التسعمئة صفحة.
موضوع الكلمة الأولى هو : بسم الله.فلنتدبر كيف تتحدث هذه الكلمة عن هذا الذكر العظيم "بسم الله" :
"(بسم الله) رأس كل خير وبدء كل أمر ذي بال، فنحن أيضا نستهل بها.
فيا نفسي اعلمي أن هذه الكلمة الطيبة المباركة كما أنها شعار الإسلام، فهي ذكر جميع الموجودات بألسنة أحوالها".( كتاب الكلمات ، الكلمة الأولى ص 6)
بدأت الرسائل بهذا الذكر المبارك الذي يكون كل ما لا يبدأ به من أحوال وأعمال أبتر مقطوع البركة كما ورد في بعض الأحاديث الشريفة. وكل ما لا يذكر فيه اسم الله من حال أو عمل يكون للشيطان فيه نصيب ، والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة.
ولعل مما يلفت نظرنا في كلام رسالة النور هو قولها أن "بسم الله ذكر جميع الموجودات بألسنة أحوالها". وسنجد بيانا مفصلا لذلك من بعد. ولكن قبل ذلك تحدثنا الكلمة الأولى عن " قوة هائلة لا تنفد" و"بركة واسعة لا تنضبُ" ل"بسم الله". ويأتي توضيح ذلك بمثل مستمد من الصحراء المملوءة بالمخاطر ، ولا يسلم فيها إلا من تجول باسم رئيس قبيلة يوفر له الحماية وحرية التنقل! فمن فعل ذلك أمن وحقق الغاية من سياحته في الصحراء ، ومن اغتر وأبى لقي المصاعب والذل ولم تقض حاجته في سياحته.
"إن الذي يتحرك ويسكن ويصبح ويمسي بهذه الكلمة"بسم الله" كمن انخرط في الجندية؛ يتصرف باسم الدولة ولا يخاف أحداً، حيث إنه يتكلم باسم القانون وباسم الدولة، فينجز الأعمال ويثبت أمام كل شيء."( الكلمات ص 7 )
ويأتي الكشف عن حقيقة هذا المثل بالربط بينه وبين حال الإنسان في الدنيا في هذا البيان :
" فيا نفسي المغرورة! اعلمي!.. أنك أنتِ ذلك السائح البدوي. وهذه الدنيا الواسعة هي تلك الصحراء. وأن "فقرك» و "عجزك» لا حدّ لهما، كما أن أعداءك وحاجاتك لا نهاية لهما. فما دام الأمر هكذا؛ فتقلدي اسم المالك الحقيقي لهذه الصحراء وحاكمها الأبدي، لتنجي من ذُلّ التسول أمام الكائنات، ومهانة الخوف أمام الحادثات."( كتاب الكلمات ص6)
إن ذكر بسم الله في كل أمر يجعل للذاكر قوة وسلطة كسلطة الجندي الذي يتكلم باسم الدولة، فهو لا يمثل نفسه بعجزها وفقرها بل يمثل الدولة بسلطتها وهيبتها. إنه ذكر عظيم مهيب ، إنه التوجه إلى الأشياء باسم الله ! وكفى بهذا الذكر عظمة ومهابة وتأثيرا.
وقد جاء في بداية هذه الكلمة أن جميع الموجودات تقول بلسان حالها "بسم الله"فكيف يتم ذلك؟
نظر الأستاذ النورسي بعين البصيرة إلى النباتات والحيوانات فوجد أمامه أشياء خارقة ألفناها حتى صارت أمورا عادية ، وهي في حقيقتها تجليات للأسماء الحسنى وأمور معجزة تقوم بها النباتات والحيوانات "بسم الله ".
" فالبذيرات المتناهية في الصغرتحمل فوق رؤوسها باسم الله أشجاراً ضخمة وأثقالاً هائلة، أي أن كل شجرة تقول باسم الله وتملأ أيديها بثمرات من خزينة الرحمة الإلهية وتقدمها إلينا.وكل بستان يقول باسم الله فيغدو مطبخا للقدرة الإلهية تنضج فيه أنواع من الأطعمة اللذيذة."( كتاب الكلمات ص 7)
إن كل نواة وكل حبة وكل بذرة هي مشروع شجرة أو نبتة ، أي أنها مشروع مصنع ينتج ما قدره الله له من ثمرات وأوراق وأغصان وسيقان، وهذا مشهد إن استحضرناه وتفكرنا فيه استحضرنا بعض تجليات أسماء الله : الخالق الرازق البارئ المصور الجميل ....وغيرها من الأسماء.
هذا في عالم النبات أشجارا ونباتا. فماذا عن عالم الحيوان؟
"وكل حيوان من الحيوانات ذات البركة والنفع ـ كالإبل والمعزى والبقر يقول: (بسم الله) فيصبح ينبوعا دفاقا للبن السائغ فيقدم إلينا باسم الرزاق ألطف مغذ وأنظفه"(كتاب الكلمات ص 7)
ويمضي المشهد في كشف تجليات أسماء الله في جذور النبات وفي أغصان الأشجار ، فهل ما يحدث تحت التراب وفي الصخور الصلدة من حركة للجذور وعمل معجز في امتصاص المواد الضرورية لتحقيق وظيفة النبات ، وما يحدث في الأوراق والأغصان من تفاعلات مذهلة، مع الصمود أمام العوامل الطبيعية الصعبة عمل عشوائي طبيعي أم هو تجلّ معجز لقدرة الرب القدير؟
" وجذور كل نبات وعشب تقول"بسم الله" وتشق الصخور الصلدة باسم الله وتثقبها بشعيراتها الحريرية الرقيقة فيُسخَّر أمامها باسم الله وباسم الرحمن كل أمر صعب وكل شيء صلد!.
نعم، إن انتشار الأغصان في الهواء وحملها للأثمار، وتشعب الجذور في الصخور الصماء، وخزنها للغذاء في ظلمات التراب.. وكذا تحمّل الأوراق الخضراء شدة الحرارة ولفحاتها، وبقاءها طرية ندية.. كل ذلك وغيره صفعة قوية على أفواه الماديين عَبَدة الأسباب، وصرخة مدوية في وجوههم، تقول لهم: إن ما تتباهون به من صلابة وحرارة أيضاً لا تعملان بنفسيهما، بل تـؤديان وظائفـهما بأمر آمر واحد، بحيث يجعل تلك العروق الدقيقة الرقيقة كــأنها عصا موســى تشق الصخـور وتمتثـل أمر( فَقُلنا اضـرب بعصاك الحَجَر) (البقرة:60) ويجعل تلك الأوراق الطرية الندية كأنها أعضاء إبراهيم عليه السلام تقرأ تجاه لفحة الحرارة: (يا نارُ كوني برداً وسلاماً....)(الأنبياء:69)( كتاب الكلمات ص 7-8 )
إننا ونحن نستحضر ذكر الموجودات كلها لله وقولها معنى باسم الله ، نحس أننا نعيش في هذا الكون في مجلس ذكر يتردد فيه تسبيح الله وذكر اسمه لا يتخلف فيه عن الذكر إلا الكافرون والفاسقون والغافلون من شياطين الإنس والجن!
إن "بسم الله" بهذا التصور تتحول من كلمات يرددها اللسان إلى يقين عقلي وشهود قلبي ومنهج حياة!
إن كل نعمة من حولنا، وكل كائن يعيش معنا يذكر الله ويذكرنا به حين ننظر بعين البصيرة ونجيل الفكر لنخترق الظواهر ونكتشف حقائق الأشياء لنردد مع الموجودات كلها: "بسم الله " عندما نأخذ وعندما نعطي وفي كل حال.
وما أجمل ما ختمت به الكلمة الأولى من سؤال وجواب يحدد منهجا في التعامل مع النعم الربانية التي تستحق الشكر، وأنا أختم به هذا المقال :
"سؤال: إننا نبدي احتراماً وتوقيراً لمن يكون سبباً لنعمة علينا، فيا ترى ماذا يطلب منا ربنُّا الله صاحب تلك النعم كلها ومالكها الحقيقي؟
الجواب: إن ذلك المنعم الحقيقي يطلب منا ثلاثة أمور ثمناً لتلك النعم الغالية:
الأول: الذكر.. الثاني: الشكر.. الثالث: الفكر..
فـ "بسم الله» بدءاً هي ذكرٌ، و "الحمد لله" ختاماً هي شكرٌ، وما يتوسطهما هو "فكر" أي التأمل في هذه النعم البديعة، والإدراك بأنها معجزة قدرة الأحد الصمد وهدايا رحمته الواسعة... فهذا التأمل هو الفكر."( كتاب الكلمات ص 8 )
ابحث
أضف تعليقاً