
تأملات تفسيرية في قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين﴾
د. علي الصلابي
إنّ قصة موسى عليه السلام من أغنى القصص القرآنية بالدروس العقائدية والأخلاقية والإنسانية، فهي تكشف عن سنن الله في تربية القادة وصناعة المصلحين ومواجهة الظلم والطغيان والمستكبرين، ومن أبرز مشاهدها حادثة وكز موسى للقبطي كما وردت في سورة القصص، وهي حادثة تحمل أبعاداً متعددة تتصل بموقف المؤمن من الظلم، وحقيقة الانتصار للمستضعفين، وخطورة الغضب والتسرع، والاعتراف بالخطأ وصدق الرجوع إلى الله عند ارتكاب الذنب والإثم. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ]القصص:١٥[.
وكان قتله للقبطي سبباً في غضب فرعون وقومه على موسى عليه السلام، فجاء رجلٌ ناصحٌ إلى موسى عليه السلام وحذره من تآمر القوم عليه وسعيهم لقتله، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)﴾]القصص:٢٠-٢1[.
١-قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾]القصص:٢٠[.
لقد عرف الملأ من قوم فرعون، وهم رجال حاشيته وحكومته والمقربون إليه أنها فعلة موسى وما من شك أنهم أحسوا فيها بشبح الخطر، فهي فعلة طابعها الثورة والتمرد والانتصار لبني إسرائيل، وبالتالي هي ظاهرة خطيرة تستحق التآمر ولو كانت جريمة قتل عادية ما استحقت أن يشتغل بها فرعون والملأ والكبراء (سيد قطب، 5/2685). ولما بدأ جند فرعون يبثون عيونهم من أجل التعرف على مكان موسى لكي يصلون إليه، هيأ الله تعالى لعبده موسى -عليه السلام- جنداً من جنوده المجهولين ينقل إليه خبر أعدائه، ويقدم له النصح ويرشده إلى الطريق الأسلم، وما أجمل النصح والإرشاد في ساعة الكرب والاختناق (الزهراني، ص 46).
وصفت الآية الكريمة الذي جاء يسعى بالرجولة، وتحتوي هذه الصفة على النجدة والكرم ورفض الظلم وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وقد أخذ هذا الرجل الذي اتصف بصفة الرجولة بزمام المبادرة والجد والتحمل لبعد الشّقة (العمر، ص 50).
وحددت الآية الكريمة المكان الذي جاء منه الرجل بأنه أقصى المدينة، وأقصى المدينة طرفها، وهذا يشير إلى المكان الذي اجتمع فيه الملأ ليأتمروا بموسى عليه السلام، ولعلّ قصر فرعون ومقرّ الإدارة والقيادة كان في أقصى المدينة (الخالدي، 2/321).
إن الله عزّ وجل أرسل لموسى عليه السلام من ينقذه طفلاً من بين يدي الموت، وكان المنقذ من آل فرعون، وكذلك هذه المرة أرسل إليه من ينقذه من الموت ويكون أيضاً من آل فرعون، وإلا كيف عرف بتآمر الملأ. وقد كان هذا الرجل محب لموسى عليه السلام ممن كانوا حوله في بيت فرعون، فقد لبث سنين من عمره فيه، وكان محبوباً بين سكّان القصر، ابتداءً من امرأة فرعون، وقد ألقى الله على موسى محبة منه، فكان يحبه كل من يراه (أبو موسى، ص284-285).
تأمل في هذا المشهد ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾؛ فالمشهد الذي في سورة “يس”﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾، والقرآن الكريم لا يقدّم ولا يؤخر إلا لملحظ واعتبار، فقدّم الرجل هنا في القصص على المكان مع أنه لم يقتل وأخّر الرجل في يس مع أنه قتل بدلالة ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾بدلالة ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)﴾إنه أمر يستحق التوقف، إن للرجولة معنى ومراتب في القرآن الكريم.
وقد كان الرجل في حركته وسعيه أسرع من رجال فرعون حيث سبقهم إلى موسى وأخبره ونصحه وأرشده، قال الرجل بموسى جملة في غاية الاختصار والإيجاز حتى يتمكن من الخروج والإفلات من جنود فرعون فالمقام لا يسمح بالشرح والتفصيل، فقد كان جنود فرعون خلفه ولابدّ أن يسرع موسى بالخروج.
ويخضعونهم لفرعون ويملؤون عيون وقلوب الناس مهابة وخوفاً، لقد اجتمع الملأ وتآمروا على موسى واتخذوا قراراً بقتله، وقبل أن ينفذوا قرارهم ويصدروا أمرهم باعتقال موسى وقتله علم هذا الرجل الأمر فجاء من أقصى المدينة وقال له: اخرج من المدينة.
٢-قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾]القصص:٢١[.
خرج من المدينة خائفاً، وكان قد أصبح في المدينة خائفاً وخرج منها يترقب وكان قد أصبح فيها يترقب، وهناك صلة وثيقة بين ثلاث آيات تصور وضع موسى في المدينة:
وخوف موسى عليه السلام طبيعي لا يُلام ولا يُعاب عليه وليس جُبناً ولا ضعفاً، ألا تريد من رجل مطلوب القبض عليه وقتله أن يخاف من ذلك؟ ولكن خوف موسى الطبيعي من الخطر الفرعوني المحدق به لم يؤثر على إيمانه وتوكله عليه، وثقته به، فكل حياته كانت هكذا، وكان يرى فضل الله عليه وحفظه له في كل ما مرّ به من أحداث ولهذا مان عندما خرج من المدينة خائفاً يترقب ممتلئاً يقيناً بالله والتوكل عليه.
إن موسى عليه السلام يُعلّمنا أن نلجأ إلى الله عند الخطر، وألا نخشى الطغاة الظالمين مهما ملكوا من مظاهر القوة، وأن نمتلئ إيماناً بالله وتوكلاً عليه وأن نلحّ في الدعاء والتضرّع إليه لأنه لا يكشف الغمّ إلا هو.
وأنجى الله موسى عليه السلام من القوم الظالمين ولم يُدركوه، فخرج من المدينة ناجياً سالماً بفضل رعاية الله وحفظه وتوفيقه (الخالدي، 2/324)، إن النجاة من قبضة المجرمين منّة عظيمة، والإفلات من أخذ الظالمين نعمة جليلة، فعند الظالمين لا قانون يحتكم إليه، ولا شرعة تحترم ولا حقوق إنسان يوقف عندها ولا رادع ولا زاجر (العمر، ص 255).
إن المؤمن عندما يتقرب إلى الله ويلجأ إليه يتقبل دعاؤه، ولا يستطيع الظالم مهما كان مدجّجاً بأحدث الأدوات والتقنيات والأجهزة الحديثة والقدرات والجنود والأعوان أن يؤذيه ولو قيد أنملة إذا أراد الله حمايته وسمع دعاءه ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
ابحث
أضف تعليقاً