wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
تفكيك أباطيل "داعش"
أسامة شحادة

أصبح ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) الشغل الشاغل لكثير من الناس في مجالسهم، وهم أصناف متعددون؛ فصنف يمجّد التنظيم على مستوى الفكر والسلوك، وهؤلاء أنصاره؛ وقسم يمجد سلوكه ضد جنود نظام بشار والمالكي، لكنه يرفض تعدّي التنظيم على الناس والثوار وفرض رؤيته المتشددة على الناس؛ وقسم متحير لا يملك موقفا محددا تجاهه. وهناك قسم يرفض "داعش" فكراً ومنهجاً وسلوكاً، ويتخذ ذلك مدخلا لرفض الإسلام نفسه، ورفض القرآن الكريم والسنة النبوية، أو رفض الاتجاهات والتيارات الإسلامية. وهؤلاء طيف واسع، يبدأون من غلاة العلمانيين العرب، وأزلام بعض الأنظمة العربية، مروراً بالطائفيين الشيعة المحاربين للثورة السورية، كقادة إيران والعراق وحزب الله، وليس انتهاءً ببنيامين نتنياهو.
وتبقى فئة قليلة ترفض "داعش" فكراً وسلوكاً، استناداً إلى رؤية شرعية علمية، مدعمة بالأدلة والبراهين على ضلال وانحراف فكر التنظيم عن جادة الإسلام، مهما رفع من شعارات براقة. ولدى هذه الفئة موقف ثابت ضد إجرام وظلم سياسات وممارسات "داعش" بحق المسلمين وغير المسلمين. وهذا الموقف الرافض للتنظيم لا يؤثر فيه توصيف "الدواعش"، وهل القيادة والقاعدة شيء واحد أم مختلف، وهل هم عملاء وخونة أم مخلصون أغبياء؛ فالنتيجة واحدة، كون منهجهم ضلال وسلوكهم إجرام، مهما كان توصيفهم. وما ينطبق على "الدواعش" ينطبق كثير منه، بل ولعل كله، على تنظيم القاعدة/ جبهة النصرة، ويؤكد هذا بدعتهم الجديدة تحت شعار "أخوة المنهج".
بداية، لا بد من أن نتذكر تحذير النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين حين تدْلَهم الخطوب وتكثر الفتن، إذ روى البخاري في صحيحه، عن أبي إدريس الخولاني "أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ فقال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن.
قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صِفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا". 
وهذا الحديث ينطبق على فئات عديدة ظهرت في واقع المسلمين قديماً وحديثاً. وهو تحذير نبوي صريح وواضح بأن أعداء الإسلام، وعلى رأسهم الشيطان، سوف يتخذون من الدين والإسلام ستاراً وقناعاً لتمرير باطلهم وضرب الإسلام والمسلمين من داخلهم، بواسطة العملاء الخونة أو المخلصين الأغبياء، ومنهم "داعش".
وسيكون الكلام هنا مركزا ومكثفا، بسبب ضيق المساحة، لبيان بطلان المنهج العقدي والفكري لدى "داعش"، والذي هو الأساس في الحكم على الأشخاص والجماعات والهيئات من الناحية الشرعية، مهما كانت أفعالهم حسنة أم سيئة. واتضاح فساد منهج "داعش" يبدد للمخلصين الحائرين في شأن التنظيم حيرتهم، ويحسم أمرهم كي لا ينخدعوا ببعض الأعمال التي يقوم بها.
الحائرون في شأن "داعش" سبب حيرتهم هو بعض الشبهات والأباطيل التي يديرها بذكاء/ خبث شديد جهاز الإعلام عند التنظيم، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والتي يستخدمها في جذب الشباب المندفع. وللدواعش أباطيل كثيرة، فنّد أغلبها الشيخ حمود العمري في تغريداته على حسابه على "توتير"، ثم جُمعت في بحث قصير قوي ومحكم.
من أباطيل "داعش" التي يؤسس عليها دعايته لصواب منهجه، تضخيمه لشجاعة وإقدام أفراده، وأنه دليل إيمان ويقين. ويرد العمري عليهم بأن الشجاعة توجد عند المؤمن والفاسق، والمبتدع الضال والكافر؛ فليست الشجاعة دليلا على صحة المنهج.
ومن أباطيلهم التي يلبّسون بها على الناس، ادعاؤهم أن معاداتهم من قبل الناس، بمختلف مشاربهم، دليل على صحة منهجهم. وهو استدلال فاسد؛ فهناك غير "داعش" من الفصائل الإسلامية التي يحاربها التنظيم ويكفرها، يحاربها العالم أيضا. كذلك، هناك عصابات ومليشيات كافرة يعاديها العالم بمختلف مشاربه. وهذا على كل حال ليس دليل صحة المنهج.
ومن أباطيل "الدواعش" زعمهم أنهم جاؤوا لإقامة الشريعة وإقامة الخلافة، ويسألون: لماذا تعاودون تطبيق الشريعة؟ ونرد عليهم أننا لا نعارض تطبيق الشريعة، بل ندعو إلى ذلك ونسعى إليه، لكنا نرفض تطبيق فهمكم الضال للشريعة، والذي يماثل التطبيق المنحرف للشريعة الذي قام به قبلكم عدد من الحكام مثل جعفر النميري في السودان. وأكبر الأدلة على ذلك فساد محاكم خلافة "داعش" وفساد قضاتها، وجهلهم بالشريعة؛ فهم ظالمون وجهلة ولا يحكمون بما أنزل الله، ولذلك ظهر بينهم من يكفّر خلافة "داعش" نفسها بدعوى عدم تطبيق حكم الله، وأنها تسجن الموحدين ظلماً بسبب تكفيرهم للمشركين!
أما إقامة الخلافة، فنحن لا نعارض إقامة الخلافة إذا كان ذلك بطريقة صحيحة، من خلال الشورى والقوة. والخلافة هي اسم شرعي لحقيقة شرعية، و"داعش" لا يملك إلا الاسم والعنوان، أما الحقيقة الشرعية والمضمون للخلافة فهما مفقودان. وهذا مثال على مدى ذكاء/ خبث التلاعب بالمصطلحات والشعارات الإسلامية الشرعية البراقة التي تغلب الألباب. ومن قبل، وجدنا في التاريخ نابليون يطبع مناشير دعائية يدعى فيها اعتناق الإسلام حين احتل مصر، ورأينا لينين في الثورة الروسية يصدر بياناته بشعار "يا مسلمى العالم اتحدوا"، ثم كانت النتيجة نشر الكفر والعلمانية والفجور في مصر، وسلخ المسلمين عن إسلامهم في الجمهوريات الإسلامية في روسيا!
ومن أباطيلهم التي يخوفون بها الطيبين، قولهم: لا تجعل خصمك مجاهداً أو شهيداً، يحتج عليك يوم القيامة وهو يحمل رأسه. وهذه حجة عاطفية، لا تحق حقاً ولا تبطل باطلاً. فليس الجهاد أو الشهادة أعظم حرمة من التوحيد والإسلام. ومع ذلك، لم يكن التوحيد أو الإسلام مانعاً من النقد والاحتساب عليه، بل أعظم من ذلك، أن الله عز وجل عاتب نبيَّه صلى الله عليه وسلم علناً في القرآن، ثم الصحابة من بعده. ولقد غضب صلى الله عليه وسلم من بعض الصحابة في أمور وأخطاء لا تبلغ عشر معشار جرائم "داعش" اليوم، ولم تكن صحبتهم وفضلهم وسابقتهم وجهادهم مانعة من ذلك. فهذه بدعة داعشية بامتياز، وهي العصمة لكل من حمل بندقية حتى ولو كانت موجهة إلى صدور المسلمين بل المجاهدين، فبأي دليل ودين منعتم نقد المجاهد؟!
والغريب أنه في الوقت الذي يرفع فيه "الدواعش" هذه الحجة في وجه المنكرين عليهم، يقومون بتكفير الفصائل المجاهدة الأخرى في سورية وغزة كحركة حماس، ويعتبرونهم مرتدين، وأن قتالهم مقدّم على قتال نظامي الأسد والعدو الصهيوني. وقد رأينا أنصار "داعش" في سورية يقتلونهم ويقطعون رؤوسهم ويتصورون معها أو يلعبون بها كالكرة!
أمثال هذه الشبهات والأباطيل التي يروجها الجهاز الإعلامي لـ"داعش"، هي ما يستقطب الشباب الثائر، ويحير الطيبين غير المتابعين والواعين لزيف فكر وسلوك التنظيم. ولذلك، فإن رفضنا لـ"داعش" رفض لأصل فكره المنحرف الذي ينبع منه سلوك أعضائه العنيف المجرم. ومن أهم الدراسات التي صدرت حول انحراف فكر ومنهج "داعش"، كتاب "الدولة الإسلامية بين الحقيقة والوهم"، لأبي عبدالله محمد المنصور؛ الشرعي والأمير في جيش المجاهدين في العراق، والذي عاصر تطور "داعش" من زمن أبي مصعب الزرقاوي وحتى ظهور دولة العراق الإسلامية إلى وقت الطفرة الكبرى بإعلان الخلافة. وحدد المنصور موطن الخلاف معهم بقوله: "أصول خلافنا معهم خمسة أمور: التكفير بغير حق، والقتل بغير حق، والكذب، والجهل، وعدم مراعاة السياسة الشرعية في العمل الجهادي".
فمن أهم أفكار "داعش" المنحرفة، التكفير بغير مكفر، ومن ثم استحلال دم المكفَّر. وهذا هو السلوك الأبرز والأكبر لـ"داعش"، والذي وثقه أعضاؤه هم أنفسهم في آلاف مقاطع الفيديو التي شكلت صدمة لكثير من الناس من جهة، وشوهت صورة الإسلام، من جهة أخرى، بشكل فظيع مجاناً لدى قطاعات واسعة في العالم، ثم يتحير البعض في حقيقة دور "داعش"!
ويستخدم "الدواعش" في التكفير بغير مكفر حيلة خبيثة، تنطلي على كثير من الفضلاء والأخيار، فضلا عن الشباب الجاهل والمتحمس. وقد كشف الأستاذ الباحث أحمد سالم هذه الحيلة، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- التكفير حكم شرعي لا يجوز إطلاقه إلا على الأفعال التي نص أهل العلم الثقات على أنها مكفرات.
- يقوم "الدواعش" بتسمية بعض الأعمال التي يتفق أهل العلم على أنها ليست من المكفّرات، باسم فعل مكفّر وناقض من نواقض الإسلام، فيوهمون الناس أنهم إنما يكفّرون بناقض سبقهم إلى التكفير به أهل العلم. ومن أمثلة ذلك أن "الدواعش" يكفّرون كثيرا من الفصائل الجهادية والثورية في سورية، ويعتبرون أعضاءها مرتدين، بحجة أنهم جلسوا مع بعض الكفار للتفاوض. وأهل العلم قاطبة متفقون أن الجلوس مع الكفار للتفاوض لا يكفر صاحبه، بل جلس النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار وفاوضهم في صلح الحديبية، وفاوض النبي صلى الله عليه وسلم اليهود، وأرسل عثمان بن عفان لكفار قريش حين منعوه من دخول مكة. فمجرد الجلوس مع الكفار والتفاوض معهم لا يكفر أحدا، لكن "الدواعش" يضخّمون هذا الفعل ويجعلونه كفراً، وأن هؤلاء ما جلسوا إلا لخيانة الإسلام والغدر بالمجاهدين، وهو كلام يعلم كل عاقل كذبَه، وعدم واقعيته.
وهذه النقطة هي حجر الزاوية في انحراف "داعش" وضلالها، ولا ندري هل هذا بسبب الجهل وقلة العلم والجرأة على الفتوى بغير حق، أم هو بسبب مكر وكيد كبار دسوا هذا الضلال في رؤوس "الدواعش"، برغم مخالفته الواضحة لدين الإسلام وأحكامه!
ومن هنا توسع "الدواعش" في التكفير، حتى لا يكاد يسلم من تكفيرهم إلا من كان منهم؛ فهم يكفّرون الأنظمة القائمة كلها، حتى المحسوبة على التيار الإسلامي، كما أنظمة تركيا والسودان والمغرب و"حماس" ونظام محمد مرسي؛ ويكفّرون كل الجيوش والشرطة؛ ويكفرون كل النواب وأحزابهم وجماعاتهم الإسلامية وغير الإسلامية؛ ويكفّرون غالب الجماعات الجهادية الإسلامية غير المنضوية تحت قيادتهم في سورية والعراق. وبعض أو غالب رموزهم الدينية يكفرون كل من شارك في العملية الانتخابية. بل رأينا العديد من المقاطع المصورة لأفراد من "داعش" يعلنون أن الكفر هو الأصل في المسلمين الذين لم ينضموا إليهم!
وبعد هذا التكفير جاء القتل والذبح للمخالفين لهم! وقد بدأوا بقتل المجاهدين والثوار في العراق منذ العام 2006، ثم ظهر وانكشف إجرامهم بحق الثوار والمجاهدين وقادتهم أمام العالم في الثورة السورية في العام 2013. وقد سكت العالم كله على جرائم "داعش" بحق المسلمين، ولم يستفق إلا مؤخراً بسبب صرخات الأزيديين، في موقف انتهازي واضح.
هذه بعض أباطيل "داعش" التي من فهمها عرف حقيقة بُعد التنظيم عن الإسلام، وأنه جوهر فكره مناقض للإسلام، مهما صدرت منه مواقف قد يكون فيها نوع فائدة، إذ إن تلك الفائدة لا تُصلح المنهج الضال لـ"داعش"، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الخوارج أهل النار، وأنهم أكثر صلاة وصياما من الصحابة، ولكن ذلك لم ينفعهم ولم يشفع لهم، بسبب ضلالهم بتكفير المؤمنين وقتلهم بغير حق، كما يفعل "داعش"، حذو القذّة بالقذة.

المصدر : الغد الاردني

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.