
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين , وبعد:
لكل أمة ما يميزها عن غيرها من الأمم سواء أكان هذا التميز مادياً أم معنوياً, فالأمة المحمدية الإسلامية تملك الكثير من المميزات والخصائص التي تؤهلها على الدوام بأن تحتل المكان العالي بين الأمم، إنها تملك من الخصائص العامة للدين الإسلامي, والتي منها أنه رباني المنهج ، رباني الغاية رباني الوجهة ، وأن هذا الدين الحنيف إنسـاني الطابع ، يشمل كل مكان وكل زمان ، ويصلح لكل مكان وكل زمان ، وأن هذا الدين الحنيف واقعـي, وأن هذا الدين الحنيف واضح لا يزيغ عنه إلا ضال ، وأنه يجمع بشكل معجز بين الثبات والتطور، إضافة إلى ذلك ما يؤهلها إلى القيادة والريادة والتميز في كل زمان ومكان وحال ، ولهذا وغيره من الأسباب فإن هذه الأمة يجب أن يحمل أتباعها هذه المسؤولية إلى عموم البشرية للهداية والنور, قال الله - تعالى - في سورة البقرة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: من الآية143). وقال في سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية110)، ومن معاني الوسطيَّة الخيريَّة، وهي صفة من صفات الأمة الإسلامية وهي مرتبطة بالوسطية في النهج والطريق ,وملازمة لها لا تنفصل عنها في بعض الأحوال , قال ابن كثير - رحمه الله -: والوسط هنا: الخيار والأجود، كما يقال لقريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي خيرها ([1])
, وفي تفسيره لقوله - تعالى -: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: من الآية110) قال: يعني خير النَّاس للنّاس، والمعنى: أنَّهم خير الأمم وأنفع النَّاس للنَّاس، إلى أن قال: كما في الآية الأخرى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) - أي: خيارًا . ([2])
إن الخيريَّة ممَّا فسر به معنى الوسطيَّة التي ذكرها الله من خصائص هذه الأمَّة، فما هي هذه الخيريَّة التي نعرف بها وسطيَّة هذه الأمَّة؟لقد جاءت في السنة بمعنى الأفضل بما روي في الصحيح: حدثنا إسماعيل قال حدثنني أخي عن سليمان عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة : جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم أيهم هو ؟ فقال أوسطهم هو خيرهم ، وقال آخرهم : خذوا خيرهم . فكانت تلك فلم يرهم حتى جاؤوا ليلة أخرى فما يرى قلبه والنبي صلى الله عليه وسلم نائمة عيناه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فتولاه جبريل ثم عرج به إلى السماء([3]).
إنّ هذه الأمَّة ما فتئت خير أمَّة أُخرجت للنَّاس، حتَّى تركت الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر, وأخذ بهذه الخيرية في معنى الوسط جمع من العلماء في تفسير قول الله تعالى: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) ، واختاره ابن كثير فقال: والوسط هاهنا الخيار والأجود ، كما يقال قريش أوسط العرب نسبا ودارا أي خيرها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه أي أشرفهم نسبا ، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات , واستدل الإمام الرازي لمن قال أن هذا القول أولى في تفسير الوسط بأنه موافق لوصف الأمة بالخيرية في قول الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) , وقد بيَّن الإمام الفخر الرازي كون وصف الأمَّة هنا بالأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والإيمان علّة لكونها خير أمَّة أُخرجت للنّاس، فقال: " واعلم أنَّ هذا الكلام مستأنف والمقصود منه بيان علّة تلك الخيريَّة، كما تقول: زيد كريم، يطعم النَّاس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم. وتحقيق الكلام أنَّه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونًا بالوصف المناسب له يدلّ على كون ذلك الحكم معلّلا بذلك الوصف, فهنا حكم - تعالى - بثبوت وصف الخيريَّة لهذه الأمَّة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطّاعات، أعني الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والإيمان، فوجب كون تلك الخيريَّة معلّلة بهذه العبادات " ([4])
تميزت الأمة الإسلامية بميزة الخيرية وهي ميزة مرتبطة بالوسطية التي تميزت بها , وقد بين الله أن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس,إذا قامت بواجبها الدعوي , بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وهذه هي الوظيفة التي أناطها الله بها , وهي وظيفة الأنبياء من قبل , ولقد حملت الأمة الإسلامية هذه الوظيفة , وقامت بتبليغها إلى الناس في مشارق الأرض ومغاربها , فقال تعالى : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (سورة آل عمران , آية 110), فالخير كل الخير كان في الأمة الإسلامية زمن النبي صلي الله عليه وسلم وصحابته الكرام , وسيبقى هذا الخير مستمراً في الأمة الإسلامية ما دامت تقوم على هذا النهج المبارك .
إن ميزة الخيريَّة التي تميزت بها أمة الإسلام هي من معاني الوسطية , وقد أكدت السنة النبوية على ذلك في الحديث الآتي : روى الترمذي في تفسيره لهذه الآية أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال:" إنَّكم تتّمون سبعين أمَّة أنتم خيرها وأكرمها على الله "([5]) , فهي خير أمَّة أخرجت للنَّاس، لا عن مجاملة، ولا عن محاباة، ولا عن مصادفة أو جزاف، - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - وليس توزيع الاختصاصات والكرامات ,كما كان أهل الكتاب يقولون: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ ( سورة المائدة ,آية 18), كلا إنّما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشريَّة من المنكر، وإقامتها على المعروف، مع الإيمان الذي يُحدّد المعروف والمنكر" ([6])
ولا شك أن الخيرية ترتبط بالوسطية وتحافظ عليها من خلال عدة مقومات تقوم وفقها ومنها :
1-الإيمان بالله: قال تعالى : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (سورة آل عمران ,آية 110), قرن الله تعالى في هذه الآية الكريمة بين خيريَّة هذه الأمَّة والإيمان به تعالى , بل جعل الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر فروع ترتبط بالإيمان بالله , وهي أثر من آثار الإيمان به, الذي هو سبب الخيريَّة للأمة الإسلامية ، ولا يمكن تصور وجود أمة تتصف بالخيرية دون وجود ركن الإيمان بالله في حياتها , والإيمان بالله يشمل الأمور العقادية والعملية الظاهرة والباطنة , قال تعالى : ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ( سورة البقرة, آية 283), وهل يمكن أن نتصوّر خيريَّة دون إيمان بالله تعالى ؟ والإيمان بالله تعالى يشمل جميع أبواب الإيمان والإسلام، لأنَّ العلماء ذكروا أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وهنا جاء ذكر الإيمان وحده، فهو يشمل الإيمان والإسلام, وعند التّأمل في معنى الإيمان كما ورد في حديث جبريل المشهور، قال:" أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه "([7]).
ويمكن القول أنه إذا تحقّق الإيمان بالله في حياة الأمة الإسلامية حقيقة , ومنهجاً في الحياة العملية سلوكاً تحقَّقت الخيريَّة، التي ترتبط بها الوسطية في معانيها العظيمة .
2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : كلف الله تعالى الأمة الإسلامية بهذا الواجب الدعوي المهمة النابع من خيرية الأمة, هذا الواجب الذي فرض على الأمم الأخرى , ولم تقم به حق القيام كما قامت به الأمة الإسلامية , قال تعالى : ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"( سورة المائدة, آية 78، 79) ,وهذا الركن العظيم لم ينقطع العمل به , وسيبقى إلى أن تقوم الساعة ,ويصدق ذلك قوله الرسول صلى الله عليه وسلم:" لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم حتَّى يأتي أمر الله وهم كذلك"([8]) .
فمن أراد الخيريَّة فلا بدّ أن يقوم بهذا الرّكن العظيم، حتى تتحقّق له الخيريَّة التي جعلها الله من ميزات الأمَّة الإسلامية , والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري:" من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "([9]) , فهي خير أمَّة أخرجت للنَّاس، لا عن مجاملة، ولا عن محاباة، ولا عن مصادفة أو جزاف، تعالى الله جل في علاه عن ذلك علوًّا كبيرًا وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾(المائدة, اية18), كلا إنّما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشريَّة من المنكر، وإقامتها على المعروف، مع الإيمان الذي يُحدّد المعروف والمنكر ([10])
فإذا تحقّق الإيمان تحقَّقت الخيريَّة، وإذا تحقَّقت الخيريَّة في صورتها الشَّرعية وجدنا الوسطيَّة في أسمى معانيها، مقرونة بأقوى أركانها ومبانيها.وجاء في الحديث: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار نا جعفر بن أحمد بن عاصم نا هشام بن عمار نا مروان نا الحكم بن أبي خالد عن زيد بن رفيع عن معبد الجهني عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" العلم أفضل من العمل وخير الأعمال أوسطها ودين الله عز وجل بين القاسي والغالي والحسنة بين السيئتين لا ينالها إلا بالله وشر السير الحقحقة "([11]) , وقد نجد ضعفًا في زمان من الأزمنة أو مكان من الأمكنة، ولكنَّه لا يصبح حالة مستقرَّة، ولا تعدم الأمَّة آمرًا أو ناهيًا ولو كانوا قلَّة قليلة، فالطائفة المنصورة موجودة إلى قيام السَّاعة، وهي طائفة ظاهرة آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر, وإن ذكر الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في هذه الآية خبرًا وإنشاءً، فهو إخبار عن حقيقة واقعة ومستمرَّة، حيث إنَّ الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر مستمرّ في هذه الأمَّة إلى قيام الساعة، وهو كذلك (إنشاءً) فمن أراد الخيريَّة فلا بدّ أن يقوم بهذا الرّكن العظيم، حتى تتحقّق له الخيريَّة التي جعلها الله من خصائص هذه الأمَّة.
وممّا سبق يتبيَّن لنا أن الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، من أبرز أوجه خيريَّة هذه الأمَّة، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، له صور متعدّدة، وليس محصورًا بحالة أو صفة واحدة كالكلام مثلا، بل قد يكون باليد أو اللسان أو العمل - كالقدوة مثلا ً.
وأخيرًا: فإنّه إذا تحقّق الإيمان بمعناه الشّامل المتكامل، وجاء الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يحوطه ويحرسه، فإنّنا سنرى الخيريَّة التي أخبرنا الله بها ماثلة أمام أعيننا، لا يزيغ عنها إلا هالك, هذه أبرز أوجه خيريَّة هذه الأمَّة، وما عداهما من أوجه فأرى أنها داخلة فيما ذكرت دلالة أو ضمنًا, هذا وبالله التوفيق والصلاة والسلام على رسول البشرية وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) (ابن كثير , تفسير القرآن العظيم, ج1/ص90)
(2) المرجع نفسه, ج1/ص391).
(3) صحيح البخاري ،كتاب المناقب , باب كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه, ج3،ص1308.
(4)الرازي, تفسير المنار،ج4/ص60.
(5)سنن الترمذي ,كتاب القراءات عن رسول الله, باب ومن سورة آل عمران,حديث رقم 3001, ج5/ص226.
(6) سيد قطب , في ظلال القرآن , ج4/ص447.
(7) (صحيح مسلم , كتاب الإيمان, باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى , حديث رقم (8، 9) , ج1،ص37)
(8) ( صحيح مسلم , كتاب الإمارة , باب قوله صلى الله عليه وسلم : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم , حديث رقم 1920, ج3/ص1523)
(9) (صحيح مسلم , كتاب الإيمان , باب كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص , حديث رقم 49, ج1/ص69)
(10) سيد قطب, في ظلال القرآن, ج4/ص447)
(11) (سنن البيهقي ، شعب الإيمان، حديث رقم3887, ج3/ص402).
ابحث
أضف تعليقاً