
دعاوى "القرآنيين" بإسقاط السنة: الخلفيات، المآلات، والردود العلمية عليها
د. عماد "محمد فؤاد" الصمادي
أستاذ الحديث النبوي وعلومه
المقدمة:
إن الناظر في مصادر التشريع الإسلامي يجد أن السنة النبوية المطهّرة تعدّ الركن الثاني من أركان التشريع الإسلامي، بعد القرآن الكريم، حيث أجمع علماء الأمة الإسلامية على حجيتها ووجوب الأخذ بها في بيان وتوضيح الأحكام الشرعية التي جاءت في القرآن الكريم، وكذا تفصيل ما أجمله القرآن.
هذا الإجماع على مصدرية السنة النبوية مؤكد وثابت عند أهل السنة والجماعة، في عصور الإسلام كلها، خلا ما ظهر عند بعض الجماعات سابقا وحديثا من دعاوى غريبة شاذة عن منهج أهل الإسلام؛ تبنّاها أناسٌ يدّعون العلم والمعرفة، والرغبة في تنقيح التراث الإسلامي من الشوائب الدخيلة عليه – وِفق ما يدّعون -، وقد اطلق على هؤلاء (القرآنيون) نسبة إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم كمصدر حقيقي ووحيد للتشريع، ورفض وإنكار حجية السنة النبوية كلها أو جزء منها، على اعتبارين اثنين، الأول: أن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظ القرآن وحده، دون السنة – التي لا يعتبرها أولئك وحيا – وذلك بحجج واهية لا ترتقي لتكون أدلة ينظر إليها؛ منها: احتمالية الوضع أو التحريف على السنة دون القرآن! سبحان الله، أما علم أولئك أن الذين نقلوا إلينا القرآن الكريم هم ذاتهم الذين نقلوا السنة النبوية!!. والثاني: أن القرآن فيه تبيان لكل شيء، بصورة لا يحتاج إلى السنة أبدا.
ومن هنا تنبع أهمية هذا البحث لبيان خطورة هذه الدعوى على وحدة مصادر التشريع الإسلامي ووحدة المرجعية الشرعية، وعلى فهم النصوص القرآنية نفسها، خصوصا أن الناظر في السنة يجد أنها المفسّر العملي والبياني للقرآن، وبدونها يضيع كثير من معانيه وأحكامه وتشريعاته. كما أن هذه الدعوى تمثل انحرافًا كبيرا عن المنهج العلمي الذي أصله ووضعه علماء السلف الصالح في التعامل مع النصوص الشرعية، وتفتح الباب لتأويلات عقلانية فردية متناقضة، تُفضي إلى تفكيك الشريعة والتشكيك بثوابتها عند ضعاف الإيمان.
يهدف هذا البحث المتواضع إلى دراسة ونقد دعوى القرآنيين من حيث النشأة، والدوافع الفكرية، مع بيان بعض الأدلة التي يستندون إليها، ثم تفنيدها والرد عليها من خلال القرآن نفسه، والسنة، والإجماع، والعقل؛ مع بيان العلاقة التشريعية التكاملية بين القرآن الكريم والسنة النبوية، واظهار الآثار السلبية لهذه الدعوى الدخيلة على الفقه الإسلامي بكل مكوناته.
وهذه الجماعة التي ظهرت في هذا العصر، التي تُعرف بـ"القرآنيين" أو "أهل القرآن"، وادعت الاعتماد على القرآن الكريم وحده دون السنة النبوية، ليست جديدة كفكرة؛ إنما هي امتداد لفرق تاريخية مشابهة ظهرت على مر التاريخ الإسلامي. لكنها لضعف حجتها وركاكة ما جاءت به لم تستمر ولم تعبر الزمان التي ظهرت فيه. حتى تجددت مثل هذه الأفكار في هذا العصر الحديث.
الأصول والجذور التاريخية لهذه الدعوى:
ظهرت على مرِّ التاريخ الإسلامي جماعات خالفت بمنهجها وفكرها وأصولها منهج وفكر وأصول أهل السنة والجماعة، كالخوارج والمعتزلة مثلا، الذين أنكروا وطعنوا في بعض الأحاديث النبوية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء مما خرجه البخاري ومسلم تحديدا، أو مما خرجه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن.
"والقرآنيون" تعودُ جذور إنكارهم لحجية السنة النبوية إلى مثل هذه الجماعات التي ظهرت على مرِّ التاريخ الإسلامي. وقد ذكر الإمام الشهرستاني في "الملل والنحل": أن بعض فرق الخوارج أنكرت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذا خالفت فهمهم للقرآن الكريم. كما أن المعتزلة رفضوا الأحاديث التي لا تتوافق مع أصولهم العقلية.
ولعل أول ما ظهرت مثل هذه الأفكار في العصر الحديث في شبه القارة الهندية على يد (عبدالله جكرالوي) (ت: 1914م ). حيث أسس جماعة "أهل الذكر والقرآن" وكان مما دعا جماعته إلى الاكتفاء بالقرآن.
ثم ما لبثت هذه الأفكار المنحرفة؛ إلا أن انتشرت في بعض البلدان العربية والإسلامية، من خلال كتابات مفكرين معاصرين تأثروا بالمناهج الغربية في تعاطيهم مع التراث العربي الإسلامي. ومع مرور الوقت وجدنا هذه الأفكار قد استشرت في عقول وقلوب عدد لا بأس به من شبابنا وبناتنا وبعض مَن يقال لهم ( مفكرون وتنويريون ) ممن انبهروا بحضارة وثقافة الغرب وتقدمهم.
أسباب وخلفيات انتشار هذا الفكر: عند إمعان النظر في الأسباب الرئيسة وراء اتساع رقعة القرآنيين، نجد أنها ترجع لعدة أسباب، منها:
1. التأثر الكبير بالمناهج الغربية: خصوصا المناهج النقدية عند الغرب، القائمة على التشكيك بمصدرية التاريخ الإسلامي، واعتبار القرآن الكريم هو المصدر الوحيد دون غيره. وقد أبدع الشيخ محمد أبو شهبة في كتابه "دفاع عن السنة" في تجلية وبيان مدى تأثر بعض المسلمين بالمناهج الغربية الاستشراقية.
2. الجهل المركّب بواقع الثقافة الإسلامية، وجدية المنهج النقدي لدى المسلمين. خصوصا علماء ونقاد الحديث الشريف؛ الذين ما تركوا شاردة ولا واردة إلا وتحققوا من صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم معارضتها لقواعد الإٍسلام العامة.
3. ضعف الوازع الديني لدى القرآنيين، الأمر الذي ولّد عندهم الشغف في التحرر من القيود والضوابط الشرعية، لا بل؛ المناداة باستبعاد الأحكام الشرعية التي لا تتوافق مع أهوائهم ورغباتهم، وعدم تطبيقها في المجتمعات التي يعيشون فيها. وقد أشار الدكتور عبدالغني عبدالخالق في كتابه "حجية السنة" إلى مدى رغبة أولئك في التحرر من الأحكام الشرعية والانسلاخ عنها.
المخاطر المترتبة على انتشار هذه الدعوى بين عموم المسلمين
1. زعزعة ثقة المسلمين بدينهم، وتعطيل العمل بكثير من الأحكام الشرعية؛ وبالتالي هدم مصدرية التشريع الإسلامي القائمة على القرآن والسنة على حد سواء. فالسنة النبوية هي البيان العملي والتوضيحي للقرآن الكريم، وقد ذكر الشافعي رحمه الله تعالى: أن كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن. وإن إسقاط السنة النبوية كمصدر تشريعي بمثابة إسقاط وإلغاء معظم التشريعات الإسلامية، فكيفية الصلاة والحج ومعرفة دقائق الزكاة – مثلا - لم تأت في القرآن الكريم، بل جاء ذلك كله في السنة النبوية.
2. الانحراف الكبير عن منهج وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي أدى إلى الابتداع في الدين وتحريف الكثير من ثوابته وأصوله، على يد هذه الفئة الجاهلة بأحكام الدين، فليسوا هم بمتفقهين في الدين، ولا هم بعالمين بأصول العلم الشرعي. فكيف بمن لم يملك أدوات الآلة أن يستنبط الأحكام الشرعية، وأن يُصدر نفسه وجماعته للكلام باسم الدين، ليثبتوا منه ما شاؤوا ويرفضوا منه ما خالف عقولهم وأهواءهم ومآربهم ؟؟!! هذا وقد حذر ابنُ حزم رحمه الله تعالى في "الإحكام في أصول الأحكام" من التفسيرات الفردية للدين دون ضوابط ولا أصول، التي ينتج عنها الانحراف والتحريف لتعاليم الإٍسلام العامة.
3. تمييع النصوص الشرعية، وتوسيع دائرة التعامل معها حتى تصبح بلا ضوابط ولا قيود، بحيث يتنصل منها كل منحرف مبتدع، ويتسلق عليها كل مَن تراوده نفسه اتباع شهواته وأهوائه.
4. فتح باب التأويلات الباطنية والانحرافات الفكرية.
5. تفكيك وحدة الأمة الإسلامية، وغرس سهم التنازع فيما بينها، فكريا وعقائديا وثقافيا.
نقد أقوالهم والرد على شبهاتهم
1. الرد على أقوالهم من خلال القرآن الكريم: القرآن الكريم يأمر صراحة بضرورة طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرن طاعته بطاعة الله. قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}،[النساء: 80]. وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]. لا بل نجد أن القرآن يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم مهمته شرح وتفسير وبيان ما خفي من القرآن الكريم. فقال سبحانه: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44]. يتضح من خلال هذه الآيات وغيرها أن القرآن الكريم لا يستقل بذاته عن السنة النبوية، كمصدر وحيد للتشريع الإسلامي، بل يؤكد على حجية السنة النبوية، ويقرر بأن طاعة النبي ﷺ جزء لا يتجزأ من طاعة الله. وعليه فإن دعوى القرآنيين تتناقض وتتعارض مع صريح القرآن، وتُعدّ خروجًا واضحا عن منهج الإسلام الصحيح.
2. الرد على أقوالهم من خلال السنة النبوية: والسنة النبوية بما جاءت به من شرح وتفصيل وبيان لما في القرآن الكريم، فرضت نفسها بما لا يدع مجالا للشك بأنها صنو القرآن، ومصدر لا يقل أهمية عنه، والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة جدا، منها:
▪ ما رواه البخاري عن أبي هريرة، قال: صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".
▪ وما رواه مسلم في صحيحه من حديث عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم".
▪ وما رواه الترمذي من حديث أبي رافع وغيره رفعه، قال: " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
▪ وهذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، يحزم الأمر بقوله: "لا يُقال لشيء إنه سنّة إلا وله أصل في كتاب الله".
▪ وغير ذلك من الأدلة ذات الدلالة الصريحة الصحيحة الدالة على وجوب الأخذ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. واعتبارها ضرورية لفهم وتطبيق القرآن، فهي تفسّره وتفصّله وتطبّقه عمليًا.
3. الرد على أقوالهم من خلال الإجماع: والصحابة رضوان ربي عليهم والتابعون والأئمة العلماء أجمعوا على حجية السنة النبوية، ولم يقلل واحد منهم من شأن السنة ولا من مكانتها إلا مبتدع ضال. وهذا الإجماع نقله غير واحد من علماء المسلمين كابن القيم الجوزية في كتابه (إعلام الموقعين).
4. الرد على أقوالهم من خلال المنطق والعقل: لو فرضنا أن واحدا من المسلمين أراد أن يصلي الصلوات الخمس، أو أراد أن يحج أو أن يؤدي بعض العبادات التي جاء بتفصيلها النبي صلى الله عليه وسلم، كيف له أن يصلي الفجر ركعتين أو الظهر أربعا من خلال القرآن أو دون أن يقف على حديث النبي صلى الله عليه وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي "؟؟!! وكيف له أن يحج اعتمادا على القرآن الكريم دون أن يقف على حديث النبي صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم " وغير ذلك من العبادات، فأين الآيات المبينة لكل ذلك؟ لذا وجب القول عقلا ومنطقا، بأن العقل الصحيح يُلزم الأخذ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم واعتباره مصدرا مع القرآن الكريم.
5. الرد من خلال المنهج النقدي العلمي الذي اعتمده علماؤنا: لا نبالغ عندما نقول: أن المنهج النقدي التأصيلي الذي اعتمده واتبعه العلماء النقاد في سبر الروايات وحفظها من التحريف والزيادة والنقصان، يعد منهجا غاية في الدقة، يندر فيه الخطأ، حيث أخضع هذا المنهج علمَ الحديث، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل إلى ضوابط وقواعد صارمة توصل الناظر إلى درجة كبيرة من الثقة بصحة نسبة السنّة إلى قائلها صلى الله عليه وسلم. ثم إن هذا المنهج الذي طبق على الرواة والنقلة في نقل السنة النبوية، يقتضي التمحيص والتدقيق لا الإلغاء والرفض بالكلية؛ وهو ذات المنهج الذي طبق على نقلة القرآن الكريم، فالمنهج هو المنهج، والنقلة هم النقلة.
الخاتمة:
بقي أن نقول في خاتمة هذه الكلمات أن دعوى القرآنيين، في الاكتفاء بالقرآن وإسقاط السنة هي دعوى باطلة مبتدعة شاذة، تهدد مصدرية السنة النبوية، لا يعرفها علماء أهل السنة والجماعة، وهي باطلة من الناحية الشرعية والعقلية. وهي دعوى ترمي إلى هدم ركائز الدين وأصوله، وتشكيك المسلمين بدينهم تحت شعارات مضللة.
وهذا الدعوى في حقيقة أمرها امتداد لأفكار وجماعات شهدها التاريخ الإسلامي على مر العصور، حذّر منها علماؤنا الثقات الأفاضل، وردّوا عليها بأدلة ثابتة صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والعقل، كلُّ ذلك لبيان ضعفها وشذوذ ما جاءت به هذه الدعوى.
ومع إعادة انتشار هذه الدعوى من جديد في عصرنا الحاضر بين أطياف من أبناء مجتمعنا الإسلامي، وجب الدعوة إلى ضرورة التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة والدفاع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. واعتبارها ليست خيارًا إضافيًا، بل ضرورة عقلية ومنهجية لفهم الإسلام كما أراده الله سبحانه وتعالى.
ابحث
أضف تعليقاً