
االحياة في ظل "داعش" (1 - 5) الحقيقة اليومية للعيش في "الخلافة" الإسلامية بقوانينها المنتمية للقرن السابع، وأساليبها الحديثة، وعنفها الذي لا يرحم
نشر الصحفي البريطاني باتريك كوكبيرن في الشهر الماضي سلسلة من التقارير في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، والتي استكشف فيها نشوء ما تدعى "الدولة الإسلامية"، وقدم وصفاً لكيفية العيش في ظل حكم الجهاديين، واستشرف ما يمكن أن يفعله الغرب إزاء ذلك –إذا كان ثمة شيء يمكن أن يفعله. وفي هذا الجزء، يتحدث كوكبيرن إلى أناس ممن كانوا يعيشون في مناطق "الخلافة"، ليعرف كيف ينظرون إلى دولة أبو بكر البغدادي الجديدة الوحشية، وإنما القوية، وكيف تعاملهم هذه الدولة.
إنها واحدة من أكثر الدول الناشئة غرابة على الإطلاق. تريد "الدولة الإسلامية" إجبار الإنسانية كلها على الإيمان بنسختها من اليوتوبيا الدينية والاجتماعية التي كانت قائمة في الأيام الأولى للإسلام. وحسب "الدولة"، يجب معاملة النساء باعتبارهن ممتلكات ومنقولات، حيث يُمنعن من الخروج من البيت إذا لم يكن مصحوبات بقريب من الذكور. ويمكن شراء وبيع الناس الذين يعتبرون وثنيين، مثل الأيزيديين، كعبيد. وفي هذه "الدولة" تكون العقوبات من نوع قطع الرؤوس وبتر الأطراف والجَلد هي القاعدة. وكل الذين لا يتعهدون بالولاء لدولة الخلافة التي أعلنها زعيمها، أبو بكر البغدادي، يوم 29 حزيران (يونيو) من العام الماضي، يعتبرون أعداء.
ظلت بقية العالم تراقب برعب مسحور خلال الأشهر الثمانية الماضية، بينما كانت "داعش"، التي تطلق على نفسها اسم "الدولة الإسلامية"، تفرض حكمها على مساحات واسعة من المناطق في شمال العراق وشرق سورية، والتي يقطنها نحو ستة ملايين نسمة. وخلال ذلك، تم ارتكاب الفظائع أو أعمال التدمير التي حظيت بتغطية إعلامية مكثفة، مثل حرق طيار أردني حتى الموت، وقطع رؤوس الأسرى وتدمير بقايا المدن القديمة، والتي تم تنفيذها بشكل مقصود لتكون تجسيداً لقوة المجموعة، وتعبيرات عن التحدي. وبالنسبة لحركة يفترض أن تكون عقائدها مستلة من الأعراف الدينية التي سادت في القرن السابع الميلادي، فإن تنظيم "داعش" يستخدم مقاربة حديثة واستغلالية جداً من أجل الهيمنة على أجندة الأخبار، عن طريق ابتكار الحيل المثيرة الآسرة للانتباه، والتي يلعب فيها العنف الخالي من الشفقة دوراً مركزياً.
ليست هذه أفعال طائفة ذات عبادة غريبة -لكنها محاصرة- وإنما أعمال دولة وآلة حربية قوية. وفي سلسلة متوالية سريعة في العام الماضي، ألحق مقاتلو هذا التنظيم الهزائم بالجيش العراقي، وقوات البيشمركة الكردية العراقية، والجيش السوري، والثوار السوريين. وضربوا حصاراً لمدة 134 يوماً على المدينة السورية الكردية، كوباني، وصمدوا أمام 700 ضربة جوية أميركية، والتي استهدفت المنطقة الحضرية الصغيرة التي كانوا يتركزون فيها، قبل أن يتم إجبارهم أخيراً على التراجع. ومع أن معارضي "الخلافة" ينكرون أنها دولة حقيقية، فإنها تبقى جيدة التنظيم على نحو مدهش، قادرة على جمع الضرائب، وفرض التبرع الإلزامي، بل وحتى السيطرة على الإيجارات في مناطقها.
ربما ينظر معظم الناس إلى "داعش" بفزع مذهول، لكن الأوضاع داخل أراضيه ما تزال تشكل لغزاً مخيفاً بالنسبة للعالم الخارجي. ويبدو ذلك مستغرباً بالكاد، لأنه "داعش" يسجن -وكثيراً ما يقتل- الصحفيين المحليين والأجانب الذين يكتبون تقارير عن أنشطته. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، حاولت صحيفة "الإندبندنت" بناء صورة كاملة عن كيفية الحياة في داخل "الدولة الإسلامية"، من خلال إجراء مقابلات مع أناس من الذين عاشوا في الآونة الأخيرة في المدن العربية السنية، مثل الموصل والفلوجة، التي يسيطر عليها "داعش" -أو، في حالة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، يسيطر التنظيم على 80 في المائة منها.
المسيحيون والأيزيديون والشبك والشيعة، الذين يضطهدهم "داعش" باعتبارهم هراطقة أو مشركين، فروا أو قُتلوا في العام الماضي، ولذلك كان جميع الذين تمت مقابلتهم تقريباً من العرب السنة الذين يعيشون في العراق، باستثناء بعض الأكراد الذين ما يزالون يعيشون في الموصل.
الهدف من هذا التحقيق هو معرفة شيء عن كيف يكون العيش في "الدولة الإسلامية". وثمة مجموعة كبيرة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة بهذا الخصوص: هل يدعم الناس المجموعة، أم يعارضونها، أم أنهم ينطوون على مشاعر مختلطة حيال حكم "داعش"، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ كيف يكون العيش في مكان يُطلب فيه من الزوجة التي تظهر في الشارع بدون النقاب، (قطعة القماش تغطي الرأس والوجه)، أن تجلب زوجها الذي سيتلقى بعد ذلك عقاباً من 40 جلدة؟ كيف يتصرف المقاتلون الأجانب هناك؟ ما هو رد فعل السكان المحليين على مطالب "داعش" بأن على النساء غير المتزوجات أن يتزوجن من مقاتليه؟ والأكثر قُرباً: ماذا يأكل الناس ويشربون أو يطبخون، وكيف يحصلون على الكهرباء؟ وفي الحقيقة، تعرض الإجابات على هذه وأسئلة وأخرى كثيرة حالات من الوحشية الهمجية، لكنها تعرض أيضاً صورة لـ"الدولة الإسلامية" وهي تناضل من أجل توفير بعض الخدمات الأساسية والمواد الغذائية في مناطقها بأسعار منخفضة.
ثمة نقطة تستوجب التأكيد، هي أن أياً من الذين تمت مقابلتهم، حتى أولئك الذين يكرهون التنظيم، لا يتوقع إفلاس "داعش" وخروجه من العمل قريباً، على الرغم من أنه يتعرض لضغوط تزداد فعالية باطراد من العديد من أعدائه. ويضم هؤلاء كلاً من الولايات المتحدة، وإيران، والجيش العراقي والميليشيات الشيعية، والبيشمركة الكردية العراقية، والأكراد السوريين والجيش السوري، بذكر الأطراف الرئيسية فقط. ويبدو أن القوى المناهضة لتنظيم "داعش" تشرع في تحقيق انتصارات كبيرة في ساحة المعركة، بينما تتجمع الاحتمالات بشدة ضد "الدولة الإسلامية". وخلال الأسابيع الأخيرة، باشر نحو 20.000 من رجال الميليشيات الشيعية، و3.000 من قوات الأمن العراقية، و200 من مغاوير وزارة الدفاع، و1.000 من رجال القبائل السنية، شق طريقهم بالقتال إلى مدينة تكريت العراقية، مسقط رأس صدام حسين.
يقول الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة: "إن الأرقام ساحقة"، مدعياً أن هناك "مئات" فقط من مقاتلي "داعش" الذين يواجهون هذه القوة الهائلة الموالية للحكومة، على الرغم من أن تقارير أخرى تشير إلى أن العدد قد يكون أقرب إلى 1.000 مقاتل.
سوف يكون سقوط تكريت بمثابة انتكاسة خطيرة بالنسبة لتنظيم "الدولة الإسلامية"، على الرغم من أن من السهل المبالغة في تأثيره. ويزعم "داعش" أن انتصاراته تأتي من وحي إلهي، لكنه لم يُظهر أبداً كونه ملتزماً -بحكم الواجب- بالقتال حتى آخر رجل وآخر رصاصة من أجل كل واحد من معاقله. وعندما يتحدث عن طريقته، فإنه يصف استراتيجية تعتمد على المناورة الفضفاضة بطريقة "التحرك مثل الثعبان بين الصخور". وهذه الطريقة التي لم تتجاوز كونها حرب عصابات بحتة، تصبح في أقصى فعاليتها عندما يشن التنظيم هجمات غير متوقعة، باستخدام مزيج قاتل من التكتيكات المجربة جيداً مثل المفجرين الانتحاريين، والعبوات الناسفة والقناصة. وترافق هذه العمليات مجموعة من الأفلام جيدة الصنع عن الفظائع التي يرتكبها التنظيم، والتي تبث عبر الإنترنت وفي وسائل الإعلام الاجتماعية، وتستهدف إرعاب وإضعاف معنويات أعداء المجموعة.
ربما يكون "داعش" في طور التراجع، لكنه لا يستطيع تحمل مؤونة السماح باستمرار ذلك. فمنذ العام الماضي، استولى التنظيم على مساحة أكبر من بريطانيا العظمى. وليست قوته عسكرية أو جغرافية وحسب، وإنما سياسية أيضاً -وهذه نقطة أثارها العديد من الذين تمت مقابلتهم. وهناك ما يوازن، بل ويفوق الخوف الذي يشعر به كثير من العرب السنة تجاه "داعش"، من المشاعر المماثلة تجاه قوات الحكومة العراقية. وفي قلب المشكلة، ثمة حقيقة أن "داعش" استولى على قيادة المجتمعات العربية السنية في العراق وسورية في العام الماضي، من خلال انتصاراته العسكرية.
حتى الآن، لم يظهر أي بديل سني ذي مصداقية لـ"داعش". ومن المحتمل كثيراً أن يواجه هجوم تشنه الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية أو البيشمركة الكردية على الموصل بمقاومة من جانب العرب السنة، باعتباره اعتداء على مجتمعهم ككل.
يقول فؤاد حسين، رئيس موظفي رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني: "الأكراد لا يستطيعون القتال من أجل الموصل وحدهم لأنهم ليسوا عرباً. ولا أعتقد أن الميليشيات الشيعية راغبة في القتال هناك أيضاً. وعلى أي حال، فإن السكان المحليين هناك لن يقبلوهم".
إذا لم يظهر بديل لتنظيم "داعش"، والذي يمكن لأهل السنة الاعتماد عليه، فإن كل الستة ملايين أو نحو ذلك من العرب السنة في العراق قد يصبحون مستهدفين باعتبارهم من مؤيدي "داعش"، بغض النظر عن مكامن تعاطفهم الحقيقية. وعلى المدى الطويل، يمكن أن يتحول "داعش" ليكون حفار قبور العرب السنة في العراق، حيث يشكلون 20 في المائة فقط من مجموع السكان، من خلال إذكاء نيران عداوة الـ80 في المائة الآخرين من العراقيين ضدهم، والذين يتكونون من الشيعة أو الأكراد.
أعلن "داعش" قيام "الدولة الإسلامية" في الأسابيع التي تلت استيلاءه على الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، في 10 حزيران (يونيو) من العام 2014. وكان عندئذٍ فقط عندما شرعت البلدان في جميع أنحاء العالم في الاستيقاظ على حقيقة أن "داعش" يشكل تهديداً خطيراً لكل منها. وبعد إعادة تنظيمه تحت قيادة أبو بكر البغدادي في العام 2010 بعد وفاة قائده السابق، استفاد "داعش" من الانتفاضة السورية في العام 2011، لتوسيع قواته واستئناف حرب العصابات على نطاق واسع. كما تحولت احتجاجات السنة ضد قمع حكومة بغداد المتصاعد إلى مقاومة مسلحة. وفي النصف الأول من العام 2014، تمكن "داعش" من إلحاق الهزيمة بخمس وحدات عراقية، والتي تشكل نحو ثلث الجيش العراقي، والاستيلاء على معظم محافظة الانبار العملاقة. وتحقق للتنظيم نجاح حاسم عندما استولت القوات التي يقودها "داعش" على مدينة الفلوجة الواقعة على بعد 40 ميلاً إلى الغرب من بغداد، يوم 3 كانون الثاني (يناير) 2014، والتي فشل الجيش العراقي في استعادتها مرة أخرى. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يحكم فيها "داعش" مركزاً سكانياً كبيراً، ومن المهم أن نفهم كيف تصرف التنظيم، وكيف ولماذا أصبح سلوكه أكثر تطرفاً بينما يعزز "داعش" سلطته. وتشرح قصص رجلين، عباس (المعروف عموماً باسم أبو محمد) وعمر أبو علي، اللذين يأتيان من المعاقل السنية المتشددة في الفلوجة، وبلدة قريبة منها هي الكرمة، وتبين قصصهما بوضوح ما حدث خلال تلك الأشهر الأولى الحاسمة، عندما كان "داعش" في السلطة هناك.
عباس مزارع سني يبلغ من العمر 53 عاماً من مدينة الفلوجة. وهو يتذكر ذلك اليوم المفرح عندما دخل "داعش" المدينة لأول مرة: "في البداية ... كنا سعداء جداً وسمينا ذلك "الفتح الإسلامي". كان معظم الناس يعرضون عليهم المآدب ويرحبون بحرارة كبيرة بمقاتليهم".
قال "داعش" للناس في الفلوجة أنه جاء من أجل إقامة دولة اسلامية هناك. وفي البداية لم يكن هذا الأمر مرهقاً كثيراً. تم إنشاء هيئة شرعية للسلطة من أجل حل المشكلات المحلية. ويقول عباس إن "كل شيء كان يسير على ما يرام حتى استولى "داعش" على الموصل أيضاً. وعندئذٍ زادت القيود المفروضة على مواطنينا. في المساجد، شرعوا في استبدال الأئمة المحليين ليحل محلهم أشخاص من دول عربية أخرى أو من أفغانستان. وخلال الأشهر الستة الأولى من حكم "داعش"، شجعت الحركة الناس على الذهاب إلى المساجد، لكن ذلك أصبح إلزامياً بعد الاستيلاء على الموصل، وأصبح أي شخص ينتهك هذا القانون يتلقى 40 جلدة". وقد احتجت لجنة من قادة المجتمع المحلي عند "داعش"، وتلقت رداً مثيراً للاهتمام: "كان الجواب أنه حتى في عهد النبي محمد، لم تكن القوانين صارمة في البداية، حتى أنه سمح بالمشروبات الكحولية في السنوات الثلاث الأولى من الحكم الإسلامي". ثم تم بعد ذلك فرض القوانين الأكثر صرامة فقط بعد أن ترسخ الحكم الإسلامي بقوة. هكذا كان الأمر في القرن السابع، وهكذا سيكون بعد 1.400 سنة لاحقاً في الفلوجة.
يقول عباس، الزعيم المحلي من الفلوجة، وصاحب التفكير المحافظ الذي له اثنان من الأبناء وثلاث بنات، إنها لم تكن لديه الرغبة في مغادرة المدينة لأن كل عائلته الممتدة موجودة هناك، على الرغم من أن الحياة اليومية كانت صعبة وتزداد قسوة. فاعتباراً من شباط (فبراير) الماضي، أصبح "الناس يعانون من نقص المياه والكهرباء التي يحصلون عليها من مولدات، لأن التيار الكهربيائي العام لا يعمل إلا ثلاث إلى خمس ساعات كل يومين". وقد ارتفع سعر غاز الطهي إلى ما يعادل 50 جنيهاً استرلينياً للاسطوانة الواحدة، ولذلك شرع الناس في استخدام الخشب لأغراض الطهي. وأصبحت الاتصالات صعبة لأن "داعش" قام بتفجير الأعمدة التي تشغل الهواتف النقالة قبل ستة أشهر، ولكن "بعض المدنيين تمكنوا من الحصول على خطوط للإنترنت عبر الأقمار الصناعية".
مع ذلك، لم تكن ظروف المعيشية القاسية، وإنما اثنتان من القضايا الأخرى هما اللتان أثرتا على أولاده، ودفعتا بعباس إلى مغادرة الفلوجة على عجل يوم 2 كانون الثاني (يناير) من هذا العام. كان السبب الأول لهروبه هو قانون التجنيد الجديد الذي أصبح يترتب بموجبه على كل عائلة أن ترسل أحد أبنائها ليكون مقاتلاً في "داعش". ولم يرد عباس أن يتم استدعاء ابنه محمد للخدمة. (في السابق، كان يمكن للأسر أن تتجنب التجنيد عن طريق دفع غرامة كبيرة. ولكن الخدمة العسكرية أصبحت في بداية هذا العام إلزامية في المناطق التي يسيطر عليها "داعش").
أما السبب الثاني فيتعلق بإحدى بنات عباس. ويقول إنه في أحد الأيام "تبع مقاتل أجنبي كان في نقطة تفتيش في السوق ابنتي، التي كانت تتسوق مع والدتها، حتى وصلوا إلى المنزل. وطرق الباب وطلب مقابلة رب البيت. رحبت به، وسألته: "كيف يمكنني مساعدتك؟" فقال إنه يريد أن يطلب يد ابنتي. وقد رفضت طلبه لأن من عادة قبيلتنا أن لا نعطي بناتنا في الزواج لغرباء. صدمته إجابتي وحاول بعد ذلك مضايقة بناتي والتحرش بهن مرات عديدة. رأيت أنه من الأفضل أن نغادر". ويقيم عباس الآن في منطقة حكومة إقليم كردستان مع عائلته. وهو يأسف لأن "داعش" لم يتمسك بسياسته المعتدلة والشعبية الأصلية قبل استيلائه على الموصل، وهو ما بدأ بعده في فرض قواعد لا يرد لها أي ذكر في الشريعة الإسلامية. ويقول عباس: "إننا نحتاج إلى "داعش" ليخلصنا من الحكومة، ولكن هذا لا يعني أننا نؤيدهم تماماً". ويتذكر كيف حظر "داعش" تدخين السجائر والشيشة لأنها قد تلهي الناس عن الصلاة، بالإضافة إلى حظر تسريحات الشعر على النمط الغربي، والقمصان قصيرة الأكمام التي عليها كتابة باللغة الإنجليزية أو صور نساء. ولا يسمح للنساء بمغادرة المنزل إلا برفقة أحد أقربائهن الذكور. ويقول عباس أن "كل هذا صدمنا وجعلنا نغادر المدينة".
ثمة وجهة نظر أكثر سوداوية يعتنقها عمر أبو علي، وهو مزارع من العرب السنة يبلغ من العمر 45 عاماً من بلدة الكرمة على بعد 10 أميال شمال شرق الفلوجة. ولديه اثنان من الأبناء وثلاث بنات. ويقول أبو علي أنه عندما استولى "داعش" على أحياء مدينتهم في العام الماضي، "رحب أبنائي بالثوار، لكنني لم أكن على ذلك القدر من التفاؤل". لم يحسِّن وصول "داعش" الظروف المعيشية القاسية في الكرمة، كما أنه لم يأخذ على محمل الجد دعاية المجموعة عن كيف أن "جنود الله سوف يهزمون شياطين (رئيس الوزراء العراقي نوري) المالكي". ومع ذلك، يوافق أبو علي على أن الكثير من الناس في بلدته كانوا مقتنعين بهذا، على الرغم من أن تجربته تقول إن صدام حسين، والمالكي أو "داعش" كانوا سيئين بنفس المقدار أيضاً بالنسبة للناس في الكرمة: "إنهم يحولون بلدتنا إلى ساحة معركة، بحيث نكون نحن الخاسرين الوحيدين".
تقع الكرمة على مقربة من خط الجبهة مع بغداد، وتتحمل ظروف شبه الحصار التي تتمكن معها القليل من الإمدادات من العبور. ويبلغ سعر لتر البنزين هناك نحو 2.70 جنيه إسترليني، وسعر كيس الدقيق أكثر من 65 جنيها إسترلينيا. وقد حاول عمر شراء أكبر قدر يمكنه تخزينه من الخبز لإطعام عائلته لأسبوع أو أكثر "لأنه حتى المخابز كانت تعاني من النقص في الطحين". كان هناك قصف مستمر، وفي شباط (فبراير) أصيبت آخر محطة لتنقية المياه في المدينة، على الرغم من أنه ليس من الواضح ما إذا كان ذلك قد حدث بفعل المدفعية أم بسبب الضربات الجوية الأميركية: "والمدينة الآن في وضع رهيب بسبب نقص المياه".
أمضى عمر خمسة أشهر وهو يعمل عند "داعش"، على الرغم من أنه ليس من الواضح بأي حجم من الطاقة فعل ذلك، وكان هدفه الرئيسي هو منع تجنيد ابنيه اللذين يبلغان من العمر 14 و16 عاماً. وقد أمطرت الصواريخ وقذائف المدفعية بلدة الكرمة، على الرغم من أن عمر يقول أنها نادراً ما أصابت مقاتلي "داعش" لأنهم كانوا يختبئون في منازل المدنيين أو في المدارس. ويتذكر عمر: "في اليوم الذي غاردت فيه، أصيبت مدرسة وقتل العديد من الأطفال فيها".
يقول عمر إن الضربات الجوية الأميركية ومدفعية الجيش العراقي "تقتلنا إلى جانب مقاتلي "داعش". لا يوجد فرق بين ما يفعلونه وبين عمليات القتل الجماعي التي يرتكبها "داعش"". وظل عمر يحاول الفرار طوال شهرين، لكنه لم يكن يمتلك المال اللازم إلى أن تمكن من بيع أثاث منزله. وهو يقيم الآن خارج العاصمة الكردية، أربيل، حيث يعمل أبناؤه وبناته في المزارع المحلية، وهو ما يرى أنه "على الأقل أفضل من البقاء في منطقة الكرمة".
يقول عمر أن الأميركيين والحكومة العراقية و"داعش" جلبوا الكارثة على الناس جميعاً، ويسرد الحروب التي اجتاحت بلدته في السنوات العشر الماضية. ويقول: "إنهم كلهم يقتلوننا. ليس لنا أصدقاء".
الحياة في ظل "داعش" (2 - 5) "لماذا تركتُ "الدولة الإسلامية" ولم أشارك في الإعدامات وقطع الرؤوس والاغتصاب"؟ - قصة جهادي سابق
في الشهر الماضي، نشر الصحفي البريطاني باتريك كوكبيرن سلسلة من التقارير في صحيفة "الإندبندت" البريطانية، والتي استكشف فيها نشوء ما تدعى "الدولة الإسلامية"، وقدم وصفاً لكيفية العيش في ظل حكم الجهاديين، واستشرف ما يمكن أن يفعله الغرب إزاء ذلك -إذا كان ثمة شيء يمكن أن يفعله. وفي هذا الجزء الثاني من التحقيق، في استكمال سلسلته المهمة عن طبيعة الحياة في داخل مناطق "الدولة الإسلامية"، يسمع باتريك كوبيرن قصة مقاتل سابق في "داعش"، والذي اختار أن يغادر التنظيم بدلاً من المشاركة في البربرية التي يمارسها الجهاديون ضد أعدائهم.
حمزة رجل في الثالثة والثلاثين من العمر، من الفلوجة؛ المدينة التي أصبحت تحكمها "الدولة الإسلامية" مؤخراً، والواقعة على بعد حوالي 40 ميلاً إلى الغرب من بغداد. وكان حمزة قد أصبح مقاتلاً مع "داعش" في العام الماضي بعد أن راق هذا التنظيم لشعوره الديني. ومع ذلك، انشق وفر قبل شهرين، بعد أن طلبوا منه المساعدة في إعدام أناس كان يعرفهم -وبعد أن أثارت حفيظته دعواتهم له للمشاركة فيما ارتقى إلى مستوى اغتصاب النساء الأيزيديات الأسيرات.
في مقابلة مع "الإندبندنت"، والتي أجريت معه في أجواء الأمان التي أصبح يوفرها له بلد آخر، يقدم حمزة رواية مسهبة، تعرض الأسباب التي دعته للانضمام إلى "داعش"، ويصف فيها حال المرء عندما يكون عضواً في مجموعة جهادية، ويذكر الأسباب التي دعته إلى المغادرة. ويكشف حمزة في روايته عن تفاصيل غير عادية للكيفية التي يعمل بها جيش "داعش"، والتدريب المعقد الذي يتلقاه مقاتلوه في العراق وسورية، وكيف أن المشاركة في عمليات الإعدام تشكل ما يشبه طقس تعميد للمقاتلين، ودليلاً على التزامهم وولائهم.
كرجل ذكي، مثالي، متدين وجيد التعليم، انشق حمزة عن "داعش" بعد ستة أشهر قضاها معه كمتدرب ومقاتل، لأنه شعر بمنتهى الاستياء من الإعدامات، وبعضها لأشخاص كان يعرفهم في الفلوجة. وقد أصبح واعياً لحقيقة أنه إذا مكث في "داعش"، فإنه سيترتب عليه قريباً تنفيذ عمليات الإعدام بنفسه. ويقول عن ذلك: "أنا لا أحب الشيعة. لكن عندما يأتي الأمر إلى قتلهم، فإن ذلك أصابني بالصدمة".
كذلك، رفض حمزة إعدام بعض الأسرى السنيين المتهمين بالعمل مع الحكومة العراقية ذات الأغلبية الشيعية أو ما يصفها "داعش" بأنها "الحكومة الوثنية"، كما يقول. وكان من المثير للاستغراب والدهشة أنه لم يُعاقب على ذلك، لكن قائده قال له إنه سوف يُطلب منه تنفيذ عملية إعدام لاحقاً، وإن الجهاديين الأجانب هم الذين سيقومون بهذه المهمة في هذه الأثناء.
يقدم حمزة رواية مذهلة عن نوعية الحياة التي يعيشها مقاتلو "داعش". ويقول: "كانوا يدفعون لي مبلغ 400.000 دينار عراقي (ما يعادل نحو 231 جنيهاً إسترلينياً) شهرياً، بالإضافة إلى العديد من المزايا، بما في ذلك الغذاء والوقود، ثم في الآونة الأخيرة، الوصول إلى الإنترنت".
لم تكن خيبة أمله وتخلصه من الأوهام إزاء "داعش" نابعين فقط من دوره المستقبلي كجلاد، وإنما من العروض بممارسة الجنس مع النساء الأيزيديات الأسيرات، وهو ما اعتبره سلوكاً معادلاً للاغتصاب. ويقول عن ذلك: "كان في الأسبوع الأول من كانون الأول (ديسمبر) 2014 عندما أحضروا نحو 13 فتاة أيزيدية. وقد حاول القائد إغواءنا بقوله إن "هذا الأمر حلال لكم. إنه هدية من الله؛ حيث يسمح لنا بإشباع أنفسنا حتى من دون الزواج منهن، لأنهن وثنيات"".
ويضيف حمزة: "من ناحية أخرى، كانت هناك بعض الفتيات المسلمات التونسيات اللواتي أتين من سورية. وكانت هؤلاء الفتيات المسلمات ينمن مع بعض القادة بموجب عقد زواج لمدة أسبوع فقط، وبعد ذلك يتم تطليقهن ليتزوجن من واحد آخر. وقد سألت واحدة منهن كيف جاءت إلى سورية، وأجابت بأنها سافرت أول الأمر إلى تركيا، ثم عبرت الحدود التركية السورية". ويحتمل كثيراً أن تكون طالبات المدارس البريطانيات الثلاث اللواتي عبرن بالمثل إلى سورية أيضاً يتلقين المعاملة نفسها من "داعش".
لا يريد حمزة أن يكشف عن اسمه الحقيقي أو أن يتم الإفصاح عن مكانه، رغم أنه يعتقد بأنه آمن في هذا الوقت. وقد طلب إخفاء بعض التفاصيل حول هروبه في كانون الثاني (يناير)، لكنه كان بخلاف ذلك منفتحاً حول كيفية انضمامه إلى قوات "داعش" وحول ما فعله هناك. وفي كثير من الحالات، كان بالإمكان التأكد مما يقوله عن طريق شهود آخرين من الفلوجة، من الذين قابلتهم صحيفة "الإندبندنت"، رغم أن أياً من هؤلاء لم يكن من المقاتلين في التنظيم.
"إنها قصة معقدة"، قال عندما سئل عن كيفية انضمامه إلى "داعش". في العام الماضي، استولت المجموعة على الفلوجة، حيث كان يعيش حمزة وعائلته. وأضاف "كانوا لطيفين مع الناس بشكل عام، ولم يجبروهم على الانضمام إلى الخدمة العسكرية. كانت لديهم العديد من الطرق لكسب نوايا الناس الطيبة وتأييدهم: على سبيل المثال، كانوا يدورون من منزل إلى آخر، ويسألون الذين يعيشون هناك عما إذا كانوا في حاجة إلى أي شيء، ويعرضون الخدمات مثل التعليم، ويقولون: نحن سننور أولادك، لذلك لا ترسلهم إلى مدارس الحكومة".
"بالإضافة إلى ذلك، كانوا يقدمون محاضرات صغيرة وعظات بعد الصلاة. وكانت بعض مواضيع المحاضرات تتحدث عن كيفية إصلاح المجتمع وتحسينه، وكانوا يستخدمون آيات القرآن ونصوص الحديث لدعم أطروحاتهم".
"كان ذلك أشبه بنوع من غسل الدماغ، لكنه حدث ببطء على مدى ستة أشهر. كنت أحضُر العديد من تلك المحاضرات، وبعد بعض الوقت، أصبحت أحضِّر مقدماً الآيات القرآنية ونصوص الأحاديث ذات الصلة بالمواضيع المطروحة. كانت مسابقات أسبوعية تُجرى بين مجموعات من الشبان. وقد فزت بمسابقتين حول هذه المواضيع الدينية، وفي كل مرة تلقيت مبلغ 300.000 دينار عراقي".
في تموز (يوليو) الماضي، غادرت عائلة حمزة مدينة الفلوجة إلى بغداد، ولكنه تخلف وراءهم. وقال: "بعد أن فزت بجائزتين، أحسستُ أنني أحب نظامهم. وعندما غادرت عائلتي، طلب مني والدي عدم البقاء، وقال لي أن لا أتأثر بالجوائز التي فزت بها. قال إن الوضع سيزداد سوءاً. لم يكن معارضاً تماماً لداعش، لكنه رجل مسنّ جداً ولا يستطيع التكيف مع الحياة الصعبة في الفلوجة بعد أن تدهورت الأوضاع -من حيث العمل، والكهرباء، والمياه، والغذاء، وعسكرة الحياة".
قال حمزة لعائلته إنه سوف يتبعهم إلى بغداد في غضون أيام قليلة، لكنه كان قد قرر في ذلك الوقت، في تموز (يوليو) من العام 2014، الانضمام إلى "داعش". كان دافعه في المقام الأول دينياً ومثالياً. ويقول عن ذلك: "لقد قررت الانضمام إليهم عن طيب خاطر، لأنني كنت مقتنعاً بأن الدولة الإسلامية هي الدولة المثالية لخدمة الله والعمل في سبيله ومن أجل الآخرة، وهي الجزء الأكيد من الحياة".
وقبله "داعش" على الفور؛ حيث أوصى به واعظه في المسجد للقائد العسكري، رغم أنه لم يتم إرساله في البداية إلى وحدة عسكرية. والتفاصيل التي يذكرها حمزة عن كيفية تجنيد "داعش" له وتدريبه بالغة الأهمية، لأنها تساعد في تفسير الكيفية التي تمكن بها التنظيم من تكوين مثل هذه الآلة العسكرية الهائلة.
أولاً، قيل له إن عليه القيام بتمارين جسدية ليصبح في حالة بدنية جيدة. ويقول: "كانت التدريبات التي قمت بها في تموز (يوليو) وآب (أغسطس) 2014 تمارين للنشاط البدني، تدريبات في اللياقة البدنية، وتمارين للبطن. بعد ذلك، تم نقلي إلى وحدة عسكرية خارج الفلوجة لمدة شهر، وبعد ذلك أرسلوني لمدة شهر ونصف إلى الرقة (في سورية)؛ حيث علّموني المهارات العسكرية عن طريق حضور دورات تدريبية مكثفة".
"في الفلوجة، علموني إطلاق النار باستخدام بنادق بندقية "الكلاشنيكوف" وكيفية إلقاء القنابل اليدوية. لكنه كان هناك مستوى أكثر تقدماً من التدريب في الرقة؛ حيث تعلمت، إلى جانب مجموعة من المتطوعين الآخرين، كيفية استخدام قاذفات صواريخ (آر. بي. جيه) وأنواع مختلفة من الرشاشات".
عندما سُئل عن السبب في أن "داعش" أخذه هو وغيره من المتطوعين إلى الرقة لاستكمال التدريب العسكري، قدم حمزة إجابة مثيرة للاهتمام. قال: "لم يكن السبب في ذلك هو أن التدريب غير متوفر في العراق. إن كل أنواع التدريب والمعدات والتسهيلات متاحة في الفلوجة، ولكننا نُقلنا إلى الرقة لزيادة شعورنا بما يسمى "الوطنية تجاه أراضي الخلافة" ولتعريفنا إلى تجربة جديدة وثورة جديدة".
وأضاف: "عندما أخذونا إلى الرقة، أصبح جميع المقاتلين مقتنعين بأن الحدود بين سورية والعراق وهمية، وبأننا متحدون جميعاً تحت حكم الخلافة. من الناحية النفسية، كنت مرتاحاً جداً وسعيداً بالذهاب إلى هناك، لأنه كان من الرائع تدمير الحدود بين حكومتين والمرور عبرها. كان ذلك إنجازاً كبيراً حقاً".
تلعب عمليات الإعدام دوراً مهماً في حياة "داعش"، ليس فقط كوسيلة لتخويف الأعداء، وإنما باعتبارها طقوساً لتعميد المقاتلين الجدد وإثباتاً لحسن نواياهم وإخلاصهم للتنظيم. ويقول حمزة إنه جرى في الرقة إرسال المتدربين مثله لمشاهدة الإعدامات العلنية: "حضرت ثلاث عمليات إعدام في الرقة، وعمليات أخرى في الفلوجة. واحدة كانت لرجل يعتقد أنه يعمل مع النظام السوري. تم إطلاق النار عليه وقتله على الفور".
في الفلوجة، قام "داعش" بإعدام الجنود الشيعة وأفراد الجيش العراقي الذين ألقي القبض عليهم. ويقول حمزة: "كانت تلك هي المرة الأولى التي شاهدت فيها عمليات الذبح وقطع الرأس. كانوا قد جعلوني قبل ذلك أرى بعض أشرطة الفيديو المصنوعة بمهارة بصرية وسمعية كبيرة. وبعد مشاهدة العديد من هذه الأفلام، أصبحوا يأخذوننا لحضور عمليات الإعدام العلنية الحقيقية".
عندما سُئل حمزة عما إذا كان قد نفذ أي عمليات إعدام بنفسه، قال إنه لم يفعل، وشرح السبب: "لم أؤمر بفعل ذلك، لأن المتدرب يحتاج وفقاً لقواعد داعش إلى أكثر من ستة أشهر حتى يكون جاهزاً لتنفيذ عملية إعدام. ولكن هذا ليس هو المعيار الوحيد. يجب على المتدرب أن يظهر أيضاً مهارات إضافية في تعليمه الديني وفي التكتيكات العسكرية، فضلاً عن العديد من الاختبارات الأخرى".
"ومع ذلك، كانت المشكلة أنني اهتززت قليلاً بعد حضور تلك الإعدامات. إنني لا أحب الشيعة، لكنه عندما وصل الأمر إلى حد قتلهم، فقد صُدمت. رغم أنهم كانوا يجعلوننا نرى أشرطة الفيديو التي تعرض الميليشيات الشيعية وهي تقتل أهل السنة، كنا نشعر بالاضطراب عندما نحضر عمليات الإعدام الحقيقية. في تشرين الثاني (نوفمبر)، تم أخذ عدد كبير من رجال السنة أسرى على أساس أنهم يعملون مع الحكومة...".
"في الأسبوع الرابع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، كانت هناك بعض عمليات الإعدام التي يتعين القيام بها. طلب أحد قادتنا مني ومن زملائي المقاتلين إحضار بنادقنا لكي نستخدمها في عملية إعدام في اليوم التالي. ولكن الضحايا كانوا من السنة، وبعضهم كنت أعرفه".
"لم أستطع تحمل ما نحن ذاهبون إلى القيام به. حاولت أن أشرح ذلك، لو كانوا شيعة لوددت أن أفعل ذلك على الفور. فقال لي القائد: "سوف أعطيك فرصة أخرى في وقت لاحق. في الوقت الحالي، لدينا مجاهدون لتنفيذ عملية القتل"".
ربما يكون الأمر أيضاً أن حمزة لم يكن قد خدم الأشهر الستة الكاملة المطلوبة عادة في "داعش" قبل أن يصبح الجلاد كامل الأهلية.
كان بعد فترة وجيزة من رفضه تنفيذ الإعدام بحق السجناء السنة حين عرض "داعش" على حمزة والمتطوعين الآخرين الفتيات الأيزيديات الثلاث عشرة لممارسة الجنس معهن. وهو يقول أن هذين الحدثين معاً حطما حماسه المثالي لـ"داعش"، وخلقتا في ذهنه الشكوك. وهو يقدم وصفاً مقنعاً لاضطرابه العقلي في ذلك الوقت، عن التفكير في "عمليات الإعدام، أو الأكثر فظاعة قطع الرؤوس، فضلاً عن اغتصاب الفتيات غير المسلمات. تلك المشاهد أصابتني بالهلع. تخيلت نفسي عالقاً في هذه الحوادث من إطلاق النار على السجناء، وعمليات الإعدام وقطع الرؤوس والاغتصاب، إذا بقيت حيث كنت".
الآن، بدأ التخطيط لعملية هروبه، لكنه كان يعرف أن الأمر سيكون صعباً وخطيراً. ويقول إن واحداً من مقاتلي "داعش" حاول الهرب، لكنه تم القبض عليه وأعدموه بتهمة الخيانة. "المشكلة هي أن لا أحد هناك كان جديراً بالثقة، ولا حتى الأصدقاء المقربين"، كما يقول. ومع ذلك، تمكن من وضع الترتيبات اللازمة مع صديق له من خارج منطقة الخلافة ليساعده باستخدام خدمة الرسائل الفورية في تطبيق "فايبر"، ومستفيداً من اتصالات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التي كانت تُتاح للمقاتلين في الفلوجة لمدة ثلاث ساعات في كل مرة، ثلاثة أيام في الأسبوع.
من الواضح أن الهواتف المحمولة كانت تعمل في جزء من الفلوجة على الأقل (رغم قيام "داعش" بتفجير أبراج الاتصالات المحمولة في الأماكن الأخرى كإجراء أمني)، لكنه كان يسمح لبعض المقاتلين الموثوقين بامتلاك الهواتف. ويقول حمزة: "قلت لقائدي إنني في حاجة إلى هاتف محمول لكي أتحدث مع عائلتي فوافق، وقال لي إنني سأعطى مزيداً من الامتيازات كلما برهنتُ على ولائي وشجاعتي".
وقد مكنه ذلك من ترتيب أمر هروبه، من خلال الأصدقاء والمهربين الذين دفع لهم لمساعدته. ثم نفذ خطوته في ليلة من أوائل كانون الثاني (يناير) عندما وضعوه في نوبة حراسة على مشارف الفلوجة، وهو ما مكّنه من الانسلال والابتعاد بسهولة. واستغرقه الأمر خمسة أيام للوصول إلى مكان آمن. وقد أعطى لصحيفة "الإندبندنت" تفاصيل عن مسار رحلته، لكن نشر هذه التفاصيل قد يهدد سلامته. فهو ليس متأكداً تماماً مما إذا كان "داعش" سيقوم بملاحقته بنشاط، ويقول إنه أخفى بعض المعلومات التي يعرفها عن المجموعة خوفاً من ردة فعلها وانتقامها.
وهو يعترف أيضاً بأن هناك حدوداً لما يعرفه من الأساس: "على سبيل المثال، لم نكن نحن المقاتلين نستطيع دخول ما يسمونه غرف العمليات، التي فيها العديد من أجهزة الكمبيوتر والخبراء الأجانب، رغم أن رفاقي كانوا في بعض الأحيان يستخدمون الإنترنت الموجود في الجوار ويحصلون على كلمات السر (واي فاي) عن طريق إعطاء المال للفنيين"، كما يقول.
باعتباره مقاتلاً مجنداً حديثاً، لم يقابل حمزة أياً من كبار أعضاء "داعش" أو مساعدي زعيمه أبو بكر البغدادي. "كلا، كانوا ينتقلون دائماً من مكان إلى آخر"، كما يقول. ويضيف: "ويظلون يتحدثون عن البغدادي، ويقولون إنه ما يزال على قيد الحياة. أنا واثق من ذلك، وقيل لي إن (قيادة "داعش") تتكون من العراقيين فقط".
عندما سئل عما إذا كان يعتقد بأن "داعش" سيهزم، قال إن هذا لن يكون سهلاً، رغم أن الضربات الجوية التي تنفذها قوات التحالف تعني "أنه لا يمكنهم أن يتقدموا الآن".
يقول حمزة إنه قد تخلص الآن من كل أوهامه إزاء "داعش" وأصيب بخيبة أمل كاملة. "في البداية اعتقدت أنهم كانوا يقاتلون في سبيل الله، لكنني اكتشفت في وقت لاحق أنهم بعيدون كل البعد عن مبادئ الإسلام. أنا أعلم أن بعض المقاتلين يتناولون أدوية الهلوسة، وأن آخرين مهووسون بالجنس. أما بالنسبة للاغتصاب، والطريقة التي يتزوج بها رجال مختلفون من المرأة نفسها بالدور لفترة من الزمن، فإن هذا ليس إنسانياً".
"لقد غادرتهم لأنني كنت خائفاً ومسكوناً بقلق بالغ من هذا الوضع المريع. لقد تبين أن العدالة التي كانوا ينادون بها عندما وصلوا أول الأمر لم تكن أكثر من مجرد كلمات".
الحياة في ظل "داعش" .. (3 - 5) انفجار عند البوابات، خلايا نائمة تهاجم من الداخل
في الشهر الماضي، نشر الصحفي البريطاني باتريك كوكبيرن، وعلى مدى أسبوع، سلسلة من التقارير في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، والتي استكشف فيها نشوء ما تدعى "الدولة الإسلامية"، وكيفية العيش في ظل حكم الجهاديين، وما الذي يستطيع الغرب أن يفعله إزاء ذلك –إذا كان ثمة شيء يمكن أن يفعله. وفي هذا الجزء الثالث من التحقيق عن داخل "الدولة الإسلامية"، يتحدث كوكبيرن عن الغرامات القاسية التي تفرضها "الدولة الإسلامية" على الناس لقاء ما تبدو انتهاكات غير ضارة، لكن هذه الغرامات والرسوم تساعد في الإبقاء على الموارد المالية للمنظمة سليمة.
كان في يوم 4 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي حين استولى "داعش" على مدينة هيت العراقية الصغيرة، وتمكن من إحكام سيطرته عليها بالكامل في غضون ساعات قليلة فحسب. وبالنسبة لسكان المدينة البالغ عددهم نحو 100.000 نسمة، ومعظمهم من السنة، جلب استيلاء "الدولة الإسلامية" المعلنة ذاتياً في ركابه تغييرات يؤيدها البعض، ولكن آخرين يشعرون إزاءها بالاستياء العميق.
فيصل هو واحد من بين الذين كانوا يعيشون في مدينة هيت عندما اندفع مقاتلو "داعش" إلى داخلها، وهو موظف حكومي يبلغ من العمر 35 عاماً، متزوج ولديه طفلان، وكان مراقباً حريصاً لكل ما حل بذلك المركز الزراعي، والذي شكل أيضاً مركزاً لحركة النقل في السابق، على مدى الأشهر الخمسة الماضية.
لكنه فرّ مؤخراً إلى العاصمة الكردية، أربيل، حيث وصف لصحيفة "الإندبندنت" شيئاً من كيفيات حكم "داعش" وأثره على هيت، بدءاً من اليوم الذي استولى فيه التنظيم على المدينة. ويقول فيصل: "أولاً، اسمحوا لي أن أقول لكم كيف دخل "داعش" المدينة. في الساعة الرابعة بعد منتصف الليل، سمعنا صوت انفجار؛ فجر "داعش" قنبلة في نقطة التفتيش الرئيسية. ثم بدأ مقاتلو المجموعة القتال في داخل وخارج المدينة. كان ذلك لأن بعض مقاتليهم هاجموا من الخارج، لكن بعضهم الآخر كانوا من السكان المحليين الذين ينتمون إلى خلايا نائمة تابعة للتنظيم، والذين هاجموا قوات الأمن العراقية من الخلف. وقد استولوا على جميع مراكز الشرطة، فيما عدا اثنين استمرا في المقاومة حتى الساعة الخامسة عصراً، وبعد ذلك، تمكن ‘داعش’ من حيازة السيطرة الكاملة على المدينة".
يقول فيصل -وليس هذا اسمه الحقيقي، لدواع تخص سلامته- أنه لم يصادف مشكلات مع نقاط تفتيش "داعش" في المدينة، حتى خلال الأيام الأولى التي أعقبت استيلاء المجموعة الجهادية على هيت، لأنها كثيراً ما كان يحرسها ويشغلها جيرانه الذين يعرفون من هو. كانت لديهم قوائم بأسماء الأشخاص المطلوبين وقاموا بفحص بطاقات الهوية في بعض الأحيان.
كان من الأوائل الأشياء التي حدثت في المدينة انقطاع التيار الكهربائي. وقد حدث ذلك لأن 90 في المائة من الطاقة التي تستهلكها محافظة الانبار تأتي من محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، هي الأكبر في العراق، والتي تقع في مدينة حديثة، على بعد 50 ميلاً من هيت على مجرى نهر الفرات. وقد استولى "داعش" على معظم المحافظة، وإنما ليس مدينة حديثة.
ويشرح فيصل: "عندما استولى ‘داعش’ على هيت، منعوا بيع الأغذية للناس في حديثة، لأنها كانت ما تزال تحت سيطرة الحكومة. ورداً على ذلك، قطعت السلطات في حديثة إمدادات الكهرباء عن هيت والعديد من المدن الأخرى التي أصبحت تحت سيطرة ‘داعش’ ".
وقد أوقف ذلك جميع المشاريع والمرافق التي تعتمد على الكهرباء في هيت، بما في ذلك محطات معالجة المياه، ولذلك أصبح هناك نقص المياه. وترتب على الناس الحصول على الماء من نهر الفرات، والذي كان ملوثاً بشكل كثيف.
لأن هيت تقع في وسط منطقة زراعية، ما يزال الطعام متوفراً هناك بأسعار رخيصة. لكن المشكلة هي أنه، على الرغم من أن الطعام لم يكن مرتفع الأثمان، فإن الكثيرين لا يستطيعون تحمل كلفة شرائه لأن كل عمل بأجر توقف في المدينة، ولا أحد يكسب أي أموال الآن. ومن المفارقات أن الناس الوحيدين الذين ما يزال يُدفع لهم هناك هم موظفو الحكومة العراقية، لأنه حتى مع أن بغداد فقدت السيطرة على المدينة، فإنها تريد الاحتفاظ بولائهم –في حين لا يريد "داعش" الحيلولة دون وصول هذه الأموال التي تمكنه من تقاضي الضرائب عليها.
في بعض الأحيان، يوفر "داعش" في هيت بعض الخدمات بنفسه، حيث يقوم مثلاً بأخذ اسطوانات الغاز المنزلي التي تستخدم في كل أنحاء العراق تقريباً لأغراض الطهي، لتتم تعبئتها في عاصمة المجموعة السورية، الرقة.
يمقت فيصل بشكل خاص تدخل "داعش" القوي في كل جانب من الحياة اليومية في هيت. ويقول: "إنهم يدسون أنوفهم في التعليم والمساجد والملابس النسائية والضرائب على المحلات (الزكاة)، والعديد من جوانب الحياة الأخرى". ويضيف: "والدي وإخوتي قالوا لي أمس في اتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية أن هناك نحو 2.000 رجل قام ‘داعش’ بتعيينهم للتفتيش على المحلات التجارية في المدينة وجمع الضرائب تحت مسمى الزكاة، وليس من المحلات التجارية فقط، وإنما من رواتب الموظفين أيضاً".
"في التعليم غيروا المناهج التي كانت تدرس من السابق، وجلبوا مناهج جديدة ليتم تدريسها الآن في الرقة والفلوجة. بعض المساقات يتم تعديلها أو إلغاؤها، مثل الفلسفة والكيمياء. وقد ألغوا دروساً في الفن والموسيقى والجغرافيا والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والدين المسيحي، وطلبوا من معلمي الرياضيات إزالة أي أسئلة تحتوى على إشارات إلى الديمقراطية والانتخابات.
"لا يستطيع معلمو الأحياء أن يشيروا إلى نظرية التطور. ولا يسمح في دروس اللغة العربية بتعليم أي من القصائد "الوثنية". (يشير "داعش" إلى أي شيء خارج حدود خلافته، التي أنشئت في 29 حزيران -يونيو من العام الماضي، على أنه "العالم الوثني").
يقول فيصل أن البنزين والمنتجات النفطية متوفرة في هيت، لكنها غالية الثمن وذات نوعية رديئة. "ذلك لأن النفط الخام متوفر في الرقة (استولى "داعش" على معظم حقول النفط السورية) ويتم تكريره بطريقة خام وبدائية، ومن ثم يتم تصديره إلى المناطق العراقية الواقعة تحت سيطرة "داعش". وتتسبب هذه المنتجات النفطية رديئة النوعية في خراب محركات السيارات والآلات والمولدات".
يشعر "داعش" بالرعب من احتمال أن يتم استخدام الهواتف المحمولة وشبكة الإنترنت لإيصال المعلومات عنه، أو الكشف عن مواقع قادته ووحداته العسكرية التي يمكن بعد ذلك أن تدمرها الغارات الجوية الأميركية. وحتى شباط (فبراير)، كانت الهواتف النقالة عاملة في هيت، لكنه وقع بعد ذلك قتال عنيف في بلدة البغدادي القريبة، وعند ذلك قام "داعش" بنسف الأعمدة التي تحمل معدات تشغيل الهواتف النقالة، خوفاً من وجود جواسيس.
لم يعمل الإنترنت في محافظة الأنبار خلال الأشهر الثمانية الماضية، وهو ما أجبر الناس على استخدام اتصالات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، والتي يقوم "داعش" بمراقبتها. وفي الآونة الأخيرة، قدمت المجموعة خدمة إنترنت محدودة، ولو أن هذه الخدمة لا تتوفر إلا في مكاتب الإنترنت وغيرها من المواقع التي ترصدها الجماعة الجهادية. ولا توجد أي خدمة للإنترنت من المنازل الخاصة، بينما في الأماكن العامة، كما يقول فيصل، "يمكن أن يتجسس ‘داعش’ على أجهزة الحاسوب حتى يتمكنوا من رؤية ما الذي كنت تتصفحه ومع من كنت تتحدث".
كما هو متوقع، يركز "داعش" على الدين ونشر نسخته الخاصة من الإسلام. ويقول فيصل: "تم استبدال العديد من الأئمة المحليين بأئمة أجانب من العالم العربي، ومعظمهم من السعوديين والتونسيين والليبيين، وكذلك البعض من الأفغان. ويتم تعيين بعض الأئمة الجدد مؤقتاً من أجل خطبة وصلاة الجمعة، في حين أن البعض الآخر معينون بشكل دائم. وقد أزاح ‘داعش’ بعض الأئمة القدماء، والذين غادروا بعد ذلك إلى بغداد أو إلى مناطق حكومة إقليم كردستان (المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد). وكان هؤلاء غالباً من الصوفيين، الذين يرفض ‘داعش’ معتقداتهم".
هناك العديد من العلامات الأخرى على فرض "داعش" أجندته الثقافية في هيت. ويقول فيصل أنه "عند مدخل كل شارع الرئيسي وفي السوق، هناك مجموعات تابعة لداعش يحملون الأردية النسائية السوداء التي تغطي الجسم كله، بما في ذلك الوجه والرأس. وإذا لم يكن لدى المرأة واحد من هذه الأردية، فيتوجب عليها أن تشتري واحداً (مقابل حوالي 8 جنيهات إسترلينية)، وتذهب نقود هذه المبيعات إلى خزينة ‘داعش’".
هل يذهب الناس إلى العمل عند "داعش" في هيت؟ يقول فيصل أنهم يفعلون، في كثير من الأحيان لأسباب اقتصادية. ويضيف: "أنا أعرف الكثير من الناس في حينا في هيت، والذين انضموا إلى ‘داعش’. وهم يتقاضون قدراً قليلاً من المال، حوالي 175.000 دينار عراقي (80 جنيها إسترلينيا)، لكنهم يقولون أن هذا الراتب يكفي لأنهم يتمتعون معه بالعديد من المزايا الأخرى أيضاً، بما في ذلك الوقود المجاني، وغاز الطهي والسكر والشاي والخبز، والعديد من المواد الغذائية وغيرها من الخدمات".
"ما تزال لدى "داعش" أسس مالية قوية. إنه يصادر بيوت الناس الذين كانوا يعملون سابقاً في الشرطة والمحاكم وقوات الأمن. وهو يصادر هذه المنازل وأي أثاث أو ممتلكات في داخلتها، والجهة التي تقرر المصادرات هي المحكمة الشرعية (القانونية أو الدينية)، حيث القضاة ليبيون وتونسيون، على الرغم من أن الموظفين الآخرين هم من السكان المحليين. ويترأس السلطة الحاكمة في هيت الحاكم العسكري، والحاكم الديني (القانوني)، وحاكم الأمن، وأخيراً الحاكم الإداري".
أكد وصف فيصل للحياة في هيت شهود عيان من مناطق أخرى من "الدولة الإسلامية". وقد استفاد "داعش" في البداية من الارتياح الشعبي واسع النطاق الذي، الذي تولد من رحيل الجيش العراقي، لكن هناك استياء متصاعداً ضد الفرض الجديد للقواعد الغريبة على السلوك الشخصي، والتي تتعارض مع التقاليد الدينية والاجتماعية المحلية. وتشمل هذه القواعد إجبار النساء على ارتداء النقاب (الذي يغطي وجوههن)، والحضور الإلزامي للصلاة، وتدمير المساجد، مثل مسجد يونس في الموصل، والتي يعتبرها "داعش" أضرحة غير إسلامية.
وهناك أيضاً خوف الناس من تجنيد الشبان للقتال مع "الدولة الإسلامية"، وهو التزام يصبح من الصعب تجنبه على نحو متزايد، ويدفع العديد من الأسر إلى محاولة مغادرة الأراضي التي يسيطر عليها "داعش"، وهو شأن ليس من السهل القيام به.
ولكن، وعلى الرغم من استياء الكثيرين المتعاظم من رؤية التنظيم يفرض سيطرته على المساجد والمدارس، فإن "داعش" قادر على استخدام هذه الأماكن لنشر وجهات نظره وصناعة المتحولين -وهو شيء ربما يعزز قوى "الدولة الإسلامية". ولا يبدو أن التجنيد الإلزامي قد قلل من تعصب مقاتلي "داعش" وتشددهم أو رغبتهم في تحمل الخسائر الفادحة في صفوفهم، وفقاً للقادة الأكراد الذين تعرضوا لهجمات من وحدات "داعش" في الأشهر الأخيرة.
يؤكد شهود عيان محليون أن عدم شعبية "داعش" ليست شاملة. وكان سمير، وهو صاحب متجر كردي في الموصل، قد أفاد صحيفة "الإندبندنت" في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بأنه "على الرغم من الضربات الجوية التي تشنها قوات التحالف في كل ليلة وكل صباح، فإن "داعش ينمو من حيث عدد الرجال، والأراضي التي يسيطر عليها".
منذ ذلك الحين، تراجع "داعش" وانسحب من معظم منطقة سنجار غرب الموصل، ولكن علي حسين مصطفى، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 21 عاماً، والذي غادر الموصل في شهر شباط (فبراير) الماضي، يقول أن "العديد من رجال ‘داعش’ كانوا أفضل بكثير من جنود الجيش العراقي من حيث التعامل مع الناس ومساعدتهم".
ويقول علي أن هذا السلوك الأفضل لم يكن ثابتاً على الدوام، وينتقد مقاتلي "داعش" الذين يقومون في بعض نقاط التفتيش بمضايقة وشتم النساء اللواتي لا يغطين وجوههن. لكنه أضاف، مع ذلك، أن الكثير من الناس خلصوا الآن إلى أن "حكم "داعش" ليس أفضل، وربما يكون أسوأ، مما تعرضوا له في السابق (عندما كانت الولايات المتحدة أو الحكومة العراقية هي المسؤولة في الموصل خلال السنوات 2003-2014)".
عند مناقشة أصول "داعش" ودوافعه كحركة، يعود فيصل، الذي كان واقعياً وبسيطاً حتى الآن، إلى الاعتصام بنظريات المؤامرة. ولأنه يعتقد بأن أعمال "داعش" ستكون مدمرة جداً بالنسبة للسنة على المدى الطويل، قال إنه مقتنع بأن المجموعة لا بد أن تكون تحت سيطرة أعداء السنة التقليديين. وأضاف: "بالنسبة لي، "داعش" هو مشروع إيراني-أميركي، وعندما تنتهي مهمته، فإن "داعش" ربما يغادر المنطقة. معظم الناس من السنة الذين يعانون من حكم "داعش" لا يعتقدون أنه يقيم دولة، وإنما يقصد إلى تدمير المناطق السنية".
بشكل أكثر واقعية، يجد فيصل افتقاراً للجدية في الجهود المبذولة في بغداد لطرد "داعش"، ويقول أنه "ما دام الفساد سائداً، فإن أي حلول لمشاكل البلاد، بما في ذلك استعادة المدن التي استولى عليها "داعش" لن تعمل". أما بالنسبة لتأثير الضربات الجوية الأميركية، فيقول: "إنها تحدُّ من حركة "داعش" وتضعفه قليلاً، لكنها لا تفعل أكثر من ذلك".
كيف تمكن مقارنة "داعش" مع سلفه، تنظيم القاعدة في العراق؟ لدى فيصل آراء قوية حول هذا الموضوع: "أتذكر الوقت الذي كنا نتعامل فيه مع تنظيم القاعدة في العام 2005 والعام 2006. كان رجال القاعدة ملائكة بالمقارنة مع شياطين "داعش". في هيت قبل 10 سنوات، كانت هناك العديد من العمليات العسكرية التي ينفذها تنظيم القاعدة، ولكن أحداً لم يفكر في مغادرة المدينة بقدر الذين يفعلون اليوم. كان تنظيم القاعدة القديم أفضل بكثير من "داعش". إننا نكره الحكومة، ولكن "داعش" ليس بديلاً مناسباً عنها. نحن نكره "داعش"، ولكن، تخيل لو أن الميليشيات الشيعية أصبحت هي البديل عنه! سوف يكون الوضع أكثر هولاً. كل بديل يبدو أسوأ من سابقه".
*في الحلقة القادمة، يتحدث كوكبيرن عن رؤية الناس للمستقبل الذي ربما يواجهه السنة في العراق إذا ما هُزم حكم المتشددين المرعب في نهاية المطاف.
الحياة في ظل داعش.. السنة ينتظرون مستقبلا أكثر قتامة في العراق بحال هُزم تنظيم "الدولة" في نهاية المطاف (4 - 5)
في الشهر الماضي، نشر الصحفي البريطاني باتريك كوكبيرن سلسلة من التقارير في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، والتي استكشف فيها نشوء ما تدعى "الدولة الإسلامية"، وقدم وصفاً لكيفية العيش في ظل حكم الجهاديين، واستشرف ما يمكن أن يفعله الغرب إزاء ذلك -إذا كان ثمة شيء يمكن أن يفعله. وفي هذا الجزء الرابع من التحقيق عن الحياة في داخل مناطق "الدولة الإسلامية"، يسمع باتريك كوكبيرن كيف أن السنة المعتدلين -والكثيرين منهم يقاتلون ضد الجهاديين- لا ينطوون على أي ثقة في الحكومة الشيعية "الفاسدة" في بغداد.
يمتلئ محمود عمر؛ الشاب السني الذي يعمل مصوراً، بمشاعر الغضب، ولو أنه ليس متفاجئاً تماماً من الطريقة التي تواصل بها حكومة بغداد إساءة معاملة نظرائه السنة. ويتفق القادة السياسيون، سواء في داخل العراق أو في خارجه، على أن الوسيلة الفضلى، وربما الوحيدة، لإلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش" هي تحويل جزء على الأقل من العرب السنة ضد التنظيم الإرهابي.
الفكرة هي تكرار النجاح الذي حققته الولايات المتحدة في الأعوام 2006-2007 من خلال دعم "حركة الصحوة" السنية، التي أضعفت -رغم أنها لم تدمر نهائياً- تنظيم القاعدة في العراق، سلف "داعش". والآن، كما كان الحال آنذاك، يمتلئ الكثير من السنة بمشاعر المقت تجاه المتطرفين بسبب عنفهم الوحشي الذي لا يرحم، وفرضهم مجموعة من القواعد التعسفية الغريبة على السلوك الشخصي، والتي ليست لها أي علاقة حتى بأكثر تفسيرات الشريعة الإسلامية تشدداً.
تعرض حقيقة نفور الكثيرين من الطائفة السنية من "داعش" أو شعورهم بالرعب منه فرصة حقيقية لبغداد، بما أن حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي تتحدث عن رغبتها في أن تكون أكثر شمولاً من حكومة سلفه، نوري المالكي. ويجري الآن إلقاء اللوم باطراد على السياسات الطائفية العدائية التي اتبعها السيد المالكي خلال السنوات الثماني التي قضاها في السلطة، بوصفها السبب في تحويل الاحتجاجات السنية السلمية إلى مقاومة مسلحة، والدفع بجتمع الطائفة السنية إلى أحضان "داعش". وربما تكون هذه رؤية بالغة التبسيط للتاريخ الحديث. ولكن السنة كانوا قد أملوا، مع كثرة الإشادة الدولية بالحكومة العراقية الجديدة والإطراء على موقفها غير الطائفي، في أنهم سيواجهون قدراً أقل من القمع يوماً بعد يوم. ويقول محمود عن ذلك: "لقد صدم "داعش" العديد من السنة بالأعمال التي ارتكبها. ولكن، وبدلاً من أن تعمد إلى معاملتنا بشكل أفضل حتى تكسبنا، فإنها تعاملنا بشكل أسوأ".
كمثال على ذلك، يستشهد عمر بسلوك الشرطة العراقية في الرمادي، عاصمة محافظة الأنباء الشاسعة التي تقطنها أغلبية ساحقة من السنة. وتنحدر عائلة محمود من تلك المدينة التي اعتادت أن يكون عدد سكانها نحو 600.000 نسمة، والذين فر نحو 80 في المائة منهم الآن بسبب القتال المستعر هناك؛ حيث تشتبك قوات "داعش" مع قوات الحكومة في معارك طاحنة من أجل السيطرة على المنطقة. وقد شن "داعش" في الأسبوع الذي سبق نشر هذا الجزء من التقرير سبع هجمات انتحارية متزامنة، وكان يسيطر مسبقاً على 80 في المائة من الرمادي.
الوضع في داخل الجيب الذي تسيطر عليه الحكومة هناك يائس، مع وجود نقص هائل في إمدادات الطعام والوقود والكهرباء، وحيث يترتب على الشاحنات التي تنقل الإمدادات إلى داخل المدينة أن تجتاز مجموعة التحديات الكبيرة التي تشكلها نقاط تفتيش "داعش" وكمائنه. وقد ارتفعت أثمان الطعام هناك بحدة. وفي المدن النائية المعزولة عن المركز، مثل مدينتي القائم والبغدادي، يقول محمود "إن الناس اضطروا إلى أكل أعلاف الحيوانات".
المدارس هناك مغلقة أمام التلاميذ لأنها مليئة باللاجئين. لكن رجال الشرطة يتصرفون وسط هذه الأزمة بنفس الطريقة التطفلية الافتراسية الفاسدة التي كانوا عليها دائماً عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع السكان السنة، كما يقول محمود -الذي طلب عدم نشر اسمه الحقيقي. ويقول إنه في أحد مراكز الشرطة في الجزء الذي تسيطر عليه الحكومة من الرمادي "تستمر الشرطة في اعتقال المواطنين، وتقوم بتعذيبهم وترفض الإفراج عنهم إلى أن تأتي عائلاتهم ومعها رشاوى. أنا أعرف رجلاً ظل محتجزاً لديهم أسبوعاً قبل أن تدفع عائلته للشرطة مبلغ 5.000 دولار من أجل إطلاق سراحه".
ما تزال كافة طرق المراقبة البوليسية القديمة قائمة في الأنبار، حيث تجبرُ الجهات الأمنية أصحاب المحلات على التجسس على زبائنهم وتقديم تقارير يومية عنهم لأجهزة الشرطة. وكما هو متوقع، يرفض محمود التعهدات التي تقدمها حكومة العبادي الجديدة بأنها ستكون أكثر عدالة، ويعد ذلك مجرد "وعود وكلمات" فقط -وهي نوايا يبدو أن الأميركيين والأوروبيين يصدقونها ويأخذونها بقيمتها الظاهرية.
بوصفه مصوراً وعضواً متعلماً ومعتدلاً سياسياً من عائلة ذات مستوى مادي جيد، سينظر "داعش" إلى محمود باعتباره عدواً طبيعياً. وقد فقدت عائلته الكثير بسبب استيلاء المجموعة الجهادية على الأنبار. واختار والده البقاء في الرمادي حتى وقت قريب فقط، لأنه أراد أن يحمي البيتين اللذين يملكهما هناك. وقد استولى "داعش" على بيت ثالث لهم في الفلوجة، ولا تعرف العائلة ما حدث له؛ وهناك، يرسل "داعش" موظفيه من منزل إلى آخر، وإذا وجدوا أن صاحب المنزل قد هرب، فإنهم يعطونه مهلة لعشرة أيام ليعود، أو أنهم سيصادرون ممتلكاته.
ولكن، ومع كل الأشياء التي لا يحبها في "داعش"، فإن محمود يواجه صعوبة بالغة في الثقة بحكومة بغداد. ويعود ذلك إلى أن أحد أقاربه، معاذ محمد عابد، الذي كان معلماً وله زوجة وابنة، ما يزال قابعاً في السجن منذ العام 2012، مع حكم بالإعدام بسبب اتهامه بارتكاب جريمة قتل.
وهي تهمة ينكر هو وعائلته ارتكابه لها بشدة، ويقولون إن الدليل الوحيد ضده في هذه القضية هو اعتراف تم استخلاصه منه بواسطة التعذيب. ولديهم صور لمعاذ كانت قد التقطت بعد التحقيق معه، والتي تعرضه مغطى بالكدمات والحروق. ومع أنه تم إلغاء الحكم عليه في نهاية المطاف، فإنه ما يزال نزيل السجن حتى الآن. وقد لا تحدث إعادة المحاكمة الموعودة قبل وقت طويل قادم، لأن هناك نحو 1.500 قضية مماثلة تنتظر استماع المحكمة إليها قبل أن يأتي دوره. وتقول زوجته التي تزوره في السجن من حين لآخر إنهم يحتفظون به في زنزانة بمساحة أربعة أمتار مربعة مع سبعة سجناء آخرين. وهم ممنوعون من الوصول إلى المذياع أو التلفاز.
هذه الخبرة التي يعيشها معاذ شائعة في العراق إلى حد كبير. هناك الكثير من الشباب السنة من القرى الواقعة بجوار الفلوجة، والذين يقبعون في السجن في انتظار تنفيذ أحكام بالإعدام، لأنهم تعرضوا للتعذيب إلى حد الاعتراف بارتكاب جرائم جسيمة. والطريقة الوحيدة المتاحة لتحريرهم هي دفع رشوة كبيرة للمسؤول المناسب.
يتذكر محمود أنه حقق في العام 2012 في 12 قضية تعرض فيها أناس للتعذيب حتى الموت، "بمن فيهم صيدلاني تعرض للاعتقال عندما رفض تزويد الجنود ورجال الشرطة بالعقاقير عند نقطة للتفتيش بالقرب من صيدليته".
معظم أفراد عائلة محمود هربوا الآن إلى مناطق كردستان. وهو يرى أن مصائبهم وسوء حظوظهم تعكس معاناة المجتمع السني ككل. ويخشى من أن يتم طحن العراقيين السنة وتمزيق أوصالهم في الصراع الدائر بين "داعش" والحكومة، ومن احتمال أن يتقاسم مجتمع الطائفة السنية مع "داعش" هزيمته بينما يتم الدفع بالتنظيم ورده على أعقابه، وبحيث "ينتهي بنا المطاف وقد أصبحنا مثل المسيحيين الذين يتم إجبارهم على مغادرة البلد".
مع ذلك، وفي الجزء المتعلق بشعور محمود العاطفي تجاه الظلم، فإنه يعتقد أن عداء الحكومة للسنة على نحو لا شفاء منه لا يشكل سوى جزء من القصة فحسب، فقط استخدم السنة والشيعة على حد سواء العنف الجماعي ضد مجتمعات بعضهما بعضا على مدى السنوات الخمسين الماضية، لكن السنة كانوا هم الجناة في معظم الأحيان. ويعكس النمو الهائل في منسوب القتل الطائفي في الفترة بين الأعوام 2012 و2014، عندما قتل نحو 31.414 شخصاً، وفقاً لهيئة إحصاء الجثث العراقية، وإلى حد كبير نمو تنظيم "داعش".
ارتكبت المجموعة الإرهابية المذابح في حق الشيعة والأيزيديين كمسألة سياسية، ثم قامت ببث أشرطة فيديو تعرض جرائم القتل التي ارتكبتها. كما استهدف مفجرو "داعش" طوابير المنتظرين لركوب الحافلات، والجنازات، والمواكب الدينية وأي أماكن أخرى يمكن أن يتجمع فيها الشيعة بحيث يمكن قتلهم. وكان الدافع المعلن وراء ذلك هو العداء للشيعة والرغبة في زعزعة استقرار الحكومة، لكنها كانت هناك أيضاً سياسة محسوبة بعناية قيد العمل، والتي هدفت إلى استفزاز ردود فعل انتقامية شيعية ضد طائفة السنة.
كان "داعش" يعرف أن هذا الوضع ربما يترك السنة من دون أي بديل آخر سوى القتال والموت إلى جانبه. وبينما كانت طوابير "داعش" تحرز التقدم خلال السنة الماضية، ارتكب مقاتلوه مذابح جماعية بهدف بث الرعب، تماماً كما كان صدام حسين قد فعل ضد الأكراد والشيعة قبل نحو ربع قرن من ذلك. وعندما استولى "داعش" على سجن بادوش الحكومي قرب الموصل، قام مقاتلوه بذبح نحو 670 من السجناء المنتمين إلى الطائفة السنية. وفي معسكر سبايكر خارج تكريت، قام "داعش" بوضع 800 طالب شيعي في صف أمام خنادق محفورة في الأرض قبل إطلاق النار عليهم وحصدهم بنيران الرشاشات. وتشبه صور ذلك المشهد تلك الفظاعات التي ارتكبها الجيش الألماني في روسيا في العام 1941. وفي آب (أغسطس)، عندما اندفع مقاتلو "داعش" إلى داخل المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، عمدوا إلى استهداف الأيزيديين -باعتبارهم "وثنيين"- كموضوع للقتل والاغتصاب والاسترقاق.
انتهى تقدم "داعش" إلى حد كبير بحلول تشرين الأول (أكتوبر) الأخير. ومنذ ذلك الحين، تراجع التنظيم، ولو ليس بقدر كبير. وحيث شنت الميليشيات الشيعية أو قوات البيشمرغة الكردية هجمات معاكسة بنجاح، هرب السكان السنة بشكل عام قبل أن تتم استعادة مدنهم وقراهم -أو أنهم طُردوا منها بعد ذلك. وليس من المفاجئ أن لا يكون القادة الشعية أو الأكراد الذي يقاتلون "داعش" في مزاج للمسامحة. وهناك اعتقاد شامل تقريباً في أوساط كل ضحايا العام المنصرم -سواء كانوا من الشعية، أو الأيزيديين، أو المسيحيين أو الأكراد- بأن جيرانهم العرب السنة تعاونوا مع "داعش".
حيث يتعرض "داعش" للضرب ويرتد على الأعقاب، ربما يتمسك السنة بمعاقلهم حيث يشكلون الغالبية العظمى. أما حيث تكون تركيبة السكان مختلطة، فيرجح أن يكونوا هم الخاسرون. ويبدو أن هناك هزة وغربلة طائفية تجري الآن في العراق.
هل ستكون هزيمة "داعش"، ومعها الطائفة السنية، نتيجة حتمية لا مفر منها؟ على المدى الطويل، من الصعب رؤية أي حصيلة بديلة في العراق، لأن السنة يشكلون خمس السكان فقط، كما يتمتع أعداؤهم الذين يفوقونهم عدداً بشكل كبير بدعم الولايات المتحدة وإيران على حد سواء. وربما تكون مساحة الأرض التي يحتفظ بها "داعش" كبيرة، لكنها كانت دائماً فقيرة، وهي تصبح أكثر فقراً الآن.
في تلك المناطق، هناك القليل من الكهرباء. وفي الموصل، يقول أحمد، صاحب المتجر من منطقة باب السراي: "إننا نحصل على ساعتين من الكهرباء فقط كل أربعة أيام". وتوجد في المنطقة بعض مولدات الكهرباء المملوكة للقطاع الخاص، كما يقول "ولكن، بما أنها ليست هناك وظائف، فإن الناس لا يملكون النقود ليدفعوا فواتير كهربائهم أو مقابل خدمات التزويد من المولدات".
وبطبيعة الحال، كان لذلك أثر على خفض بعض الأسعار، لأنها ليست هناك طاقة كهربائية لتشغيل الثلاجات والمجمدات، مما يعني أنه لا يمكن تخزين الطعام لوقت طويل.
يعني تدهور ظروف المعيشة أن الكثيرين يريدون مغادرة الموصل، لكن "داعش" يمنعهم من ذلك، وهو لا يريد أن يشهد أعظم احتلالاته وقد أصبح مدينة للأشباح. وعلى أي حال، ليس من الواضح أين يمكن لنحو مليون شخص مما يزالون في الموصل أن يذهبوا في حال تمكنوا من الرحيل.
بينما يتكاثف القتال ويشتد عبر مناطق العراق في هذا الربيع، فإن من المرجح أن تتعرض المدن والبلدات السنية إلى تدمير هائل. ويحتمل كثيراً أن يكون محمود على حق في تفكيره بأن السنة سوف يُجبرون على الرحيل أو أنهم سيصبحون أقلية هشة مثل المسيحيين.
وحتى لو أرادت الحكومة في بغداد تقاسم السلطة مع السنة، فقد كفل "داعش"، بفظاعاته وجرائمه الوحشية، أن يكون هذا شبه مستحيل. ويعمل "داعش" على جمع عشرات الآلاف الإضافية من المقاتلين -وربما يبلغ عدد هؤلاء الآن أكثر من 100.000 في العراق وسورية. ولن تسقط ما تدعى "الدولة الإسلامية" من دون مقاومة شرسة، وإذا ما سقطت فعلاً في نهاية المطاف، فإن مجتمع الطائفة السنية سيكون عندئذٍ عالقاً في مصيدة دماره الخاص.
الحياة في ظل "داعش".. لن يُهزم الجهاديون طالما ظل أعداؤهم منقسمين(5 - 5)
في الشهر الماضي، نشر الصحفي البريطاني باتريك كوكبيرن سلسلة من التقارير في صحيفة "الإندبندت" البريطانية، والتي استكشف فيها نشوء ما تدعى "الدولة الإسلامية"، وقدم وصفاً لكيفية العيش في ظل حكم الجهاديين، واستشرف ما يمكن أن يفعله الغرب إزاء ذلك –إذا كان ثمة ما يمكنه فعله. وفي هذا الجزء الخامس والأخير من التقارير، يخلص كوكبيرن إلى أن الجهاديين يمكنهم تجنيد وتدريب وتسليح الآلاف من المقاتلين، لكن مقاومتهم ومرونتهم تعتمدان بشكل خاص على قيام خصومهم الغربيين والمحليين بشن حروب منفصلة ضدهم، وليس حرباً واحدة.
ما يزال "داعش" يحكم معظم المناطق التي تمكن من الاستيلاء عليها خلال السنة الماضية في العراق وسورية. وربما لم يعد يتوسع في هذه الآونة، لكنه ينكمش بالكاد أيضاً، على الرغم مما يقارب 2.500 من الغارات الجوية التي تضرب قواته العسكرية وبنيته الاقتصادية التحتية.
(حتى تاريخ نشر هذا التقرير) وصل الهجوم البري الذي حظي بالكثير من التهليل، والذي شنته قوة بلغ قوامها نحو 25.000 من قوات الحكومة بهدف استعادة مدينة تكريت الصغيرة من "داعش" إلى توقف، مع أن المسؤولين يقولون إن الذين يسيطرون على المدينة لا يتجاوزون بضع مئات فقط من مقاتلي التنظيم. ولا يبشر الهجوم المتعثر، على الرغم من أنه ربما ينجح في نهاية المطاف، بخير عندما يتعلق الأمر بالخطط الخاصة باستعادة مدينة الموصل الأكبر بكثير في وقت لاحق من هذا العام.
بشكل عام، تبين المعركة من أجل تكريت واحدة من أكبر مكامن القوة لدى "داعش": الانقسامات التي يعاني منها خصومه الكثر. وفي حالة تكريت، تكونت قوة الهجوم من 20.000 من رجال الميليشيات الشيعية التي تتلقى التسليح والإرشادات من إيران. وهناك نحو 3.000 جندي فقط من الجيش العراقي. وتقول الولايات المتحدة أنها لا تدعم تقدم القوات بالضربات الجوية، لأن أحداً لم يطلب منها ذلك.
تشعر الولايات المتحدة بالقلق أيضاً من أن تصبح طائراتها بمثابة مدفعية طائرة لعملية تطهير عرقي طائفية مضادة للسنة، والتي تقوم بها الميليشيات الشيعية. وربما تكون الولايات المتحدة وإيران تقاتلان كلاهما ما تدعى "الدولة الإسلامية"، لكنهما تشنان حروباً مختلفة تماماً. ونتيجة لذلك، استغرق سقوط تكريت وقتاً طويلاً على الرغم من التفوق العددي الهائل على قوات "داعش" هناك. ويعتمد بقاء "داعش" على قدرته على المقاومة، وعلى قوة القوات التي تضرب دفاعاته الخارجية. ويمكن تفسير التي العجز المستمر حتى الآن لدى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، بما فيه المملكة المتحدة، وفرنسا، والعربية السعودية وقوى إقليمية أخرى، عن تحقيق انتصارات ضد "داعش"، بإخفاقات ذات طبيعة سياسية أكثر من كونها عسكرية.
فيما ينطوي على أهمية حاسمة، لا تقدم الولايات المتحدة وحلفاؤها دعماً جوياً للميليشيات الشيعية والجيش السوري، وهما الجهتان اللتان تشكلان أكبر قوتين بريتين معاديتين لـ"داعش". وقد تجسدت أهمية التعاون البري-الجوي بوضوح في حصار بلدة كوباني الكردية السورية، التي أخفق "داعش" في الاستيلاء عليها بفضل التعاون بين المقاتلين الأكراد السوريين وبين الطائرات الأميركية التي شنت نحو 700 غارة جوية على ضواحي المدينة. وبنفس الطريقة في العراق، كانت المرة الوحيدة التي استطاعت فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها تقديم المساعدة لطرد "داعش" هي حالة سنجار، حيث تعاونت طائراتهم مع قوات البيشمرغة الكردية العراقية هناك.
ربما تتمكن قوات "الدولة الإسلامية" من الصمود أمام هجمات يشنها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، أو هجوم تدعمه إيران، إذا قاتل كل من الطرفين بشكل منفصل، وإنما ليس أمام هجوم يكون مزيجاً من الاثنين. وربما يشعر القادة الأميركيون والغربيون الأوروبيون بأنهم فعلوا ما يكفي بمجرد تثبيت "داعش" في داخل المناطق المتسعة التي استولى عليها في العام الماضي. ولم يحرز "داعش" بالتأكيد أي تقدم يعتد به منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي وفقد بعض الأراضي، لكن الاعتقاد بأن بالوسع تركه بأمان مع وسائله البربرية هو فكرة قصيرة النظر.
لن تنفجر "الدولة الإسلامية" بسبب السخط الشعبي المتصاعد في داخل حدودها فقط، وربما يتمكن أعداؤها من إحباط طموحاتها لأن تكون دولة حقيقية، لكنها ستكون أقوى من العديد من الدول المجاورة فيما يتعلق بقدرتها على تجنيد المقاتلين، وجمع الضرائب، وفرض نسختها الوحشية من الشريعة الإسلامية.
في الأسابيع الأخيرة، سعت "الإندبندنت" إلى اسكتشاف الحالة الحقيقية لمشاعر الناس الذين يعيشون في داخل جزء "الدولة الإسلامية" الواقع في العراق. وفي سلسلة من المقابلات التي نشرت على مدى هذا الأسبوع، تحدثنا إلى العراقيين الذين غادروا للتو منطقة الخلافة المعلنة ذاتياً، والذين يستطيعون أن يصفوا، من واقع الخبرة القريبة، ما هي عليه طبائع الأمور هناك. وقد تحدثنا إلى أناس من البلدات والمدن العربية السنية على طول نهري دجلة والفرات، مثل الموصل، والفلوجة، والرمادي، وكرمة وهيت، ورووا لنا كيف كانت حياتهم، وكيف يقدِّرون فرص "الدولة الإسلامية" في النجاة والبقاء على قيد الحياة.
العديدون عبروا عن المقت أو خيبة الأمل من حاكمهم الأخير، لكن أحداً منهم لم يتنبأ بهزيمة وشيكة لهذا التنظيم. وكان معظم الذين جرت مقابلتهم من العرب السنة، وقال الكثيرون أن البديل عن "داعش" -بغض النظر عن مدى سوء هذا التنظيم- في شكل حكومة فاسدة وطائفية ربما يكون أسوأ. وقال فيصل، موظف الحكومة السابق من مدينة هيت الواقعة على نهر الفرات إلى الغرب من بغداد في حلقة سابقة من هذه السلسلة: "إننا نكره "داعش"، لكننا نتخيل كيف سيكون الحال إذا كانت الميليشيات الشيعية هي البديل عنها. سوف يكون الوضع أكثر هولاً. إن كل بديل هو أسوأ من سابقه".
يشعر "داعش" بأنه تحت ضغط عسكري واقتصادي متصاعد، لكنه كشف أيضاً عن قدرته على الارتقاء إلى مستوى التحدي. ولديه حدود طويلة ليدافع عنها، والتي تتطلب عدداً من الجنود أكبر بكثير من 5.000 أو نحو ذلك من المقاتلين الذين كان ينشرهم قبل الاستيلاء على مدينة الموصل يوم 10 حزيران (يونيو) من العام الماضي. ويبلغ طول جبهته الأمامية مع الأكراد العراقيين وحدهم نحو 600 ميل (قارن ذلك بالجبهة الغربية في أوروبا في العام 1914، التي بلغ طولها نحو 440 ميلاً). وكانت استجابه "داعش" لذلك هي تجنيد رجل في سن الخدمة من كل عائلة تعيش في الأراضي الواقعة تحت سيطرته. وبما أن عدد السكان الذين يحكمهم يدور حول 6 ملايين نسمة، فإن هذا يعني أنه يصبح منظمة عسكرية أكبر بكثير مما كان عليه في العام الماضي.
بطبيعة الحال، لا تشكل رؤية الأبناء وهم يختفون في جيش ربما لا يعودون منه أبداً خبرة تحظى بالشعبية بالنسبة لتلك العائلات. وكانت معظم المقابلات التي أجرتها "الإندبندنت" مع أناس ممن هربوا حديثاً من مناطق "الدولة الإسلامية" لأن الخدمة في الجيش أصبحت إلزامية هناك (في السابق، كان الرجال الذين يدفعون غرامات كبيرة يُعفون من الخدمة العسكرية). ويقول علي حسين مصطفى، وهو طالب من الموصل، أن عائلته غادرت لأن "داعش" عدل أخيراً قانون الخدمة الإلزامية ليشمل الرجال تحت سن 18 عاماً، وهو ما يعني أن شقيقه الأصغر أصبح مطلوباً للخدمة العسكرية. وكما هو واضح، يجري تحويل المجتمع داخل مناطق الخلافة المعلنة ذاتياً إلى العسكرة.
مع أن مستويات المعيشة في داخل مناطق "الدولة الإسلامية" تتدهور، فإن ذلك لن يفضي بالضرورة إلى إضعاف سلطتها، لأن أي موارد متوفرة تذهب مباشرة إلى قواتها المقاتلة. ويقول حمزة، المقاتل الذي انشق عن "داعش" وتم اقتباسه في حلقة سابقة من هذا التحقيق، أنه بينما لم يكن يتلقى أجراً جيداً بشكل خاص (ما يعادل 230 جنيهاً إسترلينياً في الشهر)، فإن ذلك لم يكن مهماً لأنه كان يقبض تلك النقود "بالإضافة إلى الكثير من الامتيازات الأخرى، بما فيها الطعام، والوقود، وفي الفترة الأخيرة: الوصول إلى الإنترنت". ويكرر أحمد، صاحب المتجر في الموصل، نفس وجهة النظر بقوله أن حال المقاتلين يكون أفضل من غيرهم، مع مزايا جيدة فيما يتعلق بالرواتب، والغنائم، وحتى السبايا.
المجندون الجدد في "داعش" مدربون جيداً. وتستمر "الدولة الإسلامية" في مزج التعصب الديني مع الخبرة العسكرية. ويقول القادة الأكراد الذين كانوا تحت الهجوم في الأسابيع الأخيرة أن وحدات "داعش" تقاتل بنفس الجودة التي قاتلت بها دائماً، وهي قادرة على تحمل الخسائر الفادحة من دون أن تجفل أو يرف لها جفن.
في الوقت نفسه، يصبح الحكم الإسلامي أكثر افتقاراً إلى الشعبية باطراد بسبب أيديولوجيته الدينية الغريبة، وقوانين التجنيد، وانخفاض مستويات المعيشة والعنف المفرط في مناطقه. وقد يبدو هذا وأنه يوفر أرضاً خصبة لنشوء حركة مقاومة ضد "داعش" كما حدث في 2006-07 عندما نجحت الولايات المتحدة في تحويل العديد من القبائل السنية ضد تنظيم القاعدة في العراق، والذي كان قد أصبح –مثل "داعش" اليوم- مكروهاً ومرهوباً لدى العديد من طائفة السنة.
لكنه ليس من المرجح اليوم تكرار "حركة الصحوة" المناهضة لتنظيم القاعدة، لأن "داعش" أقوى من سلفها، كما أنه ليس هناك جيش أميركي في العراق ليقوم بتمويل وتسليح وحماية حركة معارضة سنية مسلحة مضادة لـ"داعش".
اتضح المصير الرهيب الذي تلاقيه القبائل وكل الآخرين الذين يعارضون "داعش" في مقابلة كانت "الإندبندنت" قد أجرتها في وقت سابق من هذا العام مع الشيخ نعيم القعود، زعيم عشيرة البونمر التي كانت في السابق قبيلة قوية في غرب ووسط العراق. وفي العام الماضي، نهضت عشيرة البونمر فعلاً في وجه "داعش"، على نحو يشبه كثيراً ما فعلته ضد تنظيم القاعدة في العراق قبل ثماني سنوات. وقاتل رجالها نحو 11 شهراً قبل أن تنفد منهم الذخيرة ويتعرضوا للاجتياح.
يقول الشيخ نعيم أنه منذ بداية موجة القتل في حق أعضاء قبيلة البونمر، التي بدأت يوم 25 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي "وصل العدد الإجمالي للضحايا من قبيلتنا إلى 864 قتيلاً. وبالإضافة إليهم، هناك الكثيرون من المفقودين الذين لا نعرف عددهم". وهو يصف ذلك بأنه عملية إبادة جماعية موجهة ضد قبيلة مفردة. ولم ينج أحد من القبيلة من انتقام "داعش"، حيث جرى قتل النساء والأطفال وإلقائهم في الآبار. وقد فر الناجون إلى الصحراء أو إلى أجزاء أخرى من العراق.
عندما سئل عن السبب في تمكن "داعش" من الاستيلاء على محافظة الأنبار العملاقة في وقت قصير جداً، قال الشيخ نعيم: "السبب الرئيسي هو أن 90 في المائة من القبائل في الأنبار تعاونت مع ‘داعش’ أو انضمت إليه، ما عدانا نحن". واشتكى الشيخ نعيم بمرارة من أن عشيرة البونمر لم تحصل على أي دعم من الحكومة العراقية أو من الأميركيين، وهو ما انتهى بها إلى التعرض للقتل الجماعي. ويقول أن الوضع الآن مختلف جداً عن العام 2006، عندما قاتلت عشيرته إلى جانب الجيش الأميركي. ويضيف: "فيما بعد، عندما جاء ‘داعش’، اعتبرنا أصدقاء وحلفاء للأميركيين. هذا هو السبب في أن ‘داعش’ يقاتلنا ويعتبر قتل رجالنا ونسائنا وأطفالنا مشروعاً".
ولا يستهدف "داعش" القبائل المعادية فقط، وإنما أي شخص يكون قد عمل مع الحكومة العراقية في الجيش أو الشرطة. وفي مخيم هارشم للاجئين على مشارف أربيل، يشرح العرب السنة الأسباب التي جعلتهم يفرون إلى هناك. ويقول غانم، الجندي السابق في الجيش العراقي البالغ من العمل الآن 60 عاماً، والذي يتنقل بمساعدة عكاز لأنه فقد إحدى ساقيه أثناء القتال في الحرب العراقية-الإيرانية: "لقد هربت لأن ابني يقاتل الآن في الجيش العراقي، ولأن ‘داعش’ سيعاقبنا على ذلك".
يحب "داعش" إيضاح أن انتقامه حتمي ولا هوادة فيه. ويقول أبو أحمد، وهو زعيم محلي هرب إلى أربيل عندما استولى "داعش" على الموصل في حزيران (يونيو) الماضي، أنه ترك والدته البالغة من العمر 100 عام وراءه في المنزل في الموصل. وذات يوم في أيلول (سبتمبر) الماضي: "جاء رجال ‘داعش’ وأخرجوا أمي من البيت. ثم نسفوه وبثوا شريط فيديو على اليوتيوب ليجعلوني أرى تدمير منزلي".
وفق معظم المؤشرات، من غير المرجح أن تنجح ثورة ضد "داعش" إلا إذا تم إضعاف حكمه أولاً عن طريق إلحاق هزيمة عسكرية به. وربما لن تأتي هذه الهزيمة قبل فترة طويلة قادمة، طالما ظل أعداؤه الخارجيون منقسمين.
الأمم المتحدة تتهم "داعش" بارتكاب جرائم حرب
قالت الأمم المتحدة أن "داعش" ربما يكون قد ارتكب جرائم إبادة جماعية، في محاولته للقضاء على الأقلية الأيزيدية في العراق، وكذلك بارتكابه جرائم حرب ضد المدنيين، بمن فيهم الأطفال.
وفي تقرير اعتمد على مقابلات أجريت مع أكثر من 100 من الشهود، حث مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة مجلس الأمن على إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية من أجل محاكمة الجناة، بما في ذلك أعضاء خارجيون في المجموعة المتطرفة.
وقال التقرير أيضاً أن قوات الأمن العراقية والميليشيات المتحالفة "ربما تكون قد ارتكبت بعض جرائم الحرب"، بينما تقاتل التمرد، بما في ذلك ارتكاب عمليات قتل، وتعذيب، وخطف.
يقول هاني ميغالي، من مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة: "من الواضح أن جرائم دولية وجرائم ضد الإنسانية، وربما أعمال إبادة جماعية، يبدو أنها ارتكبت.. وتتصل الإبادة الجماعية بشكل خاص بالأيزيديين. ونحن حريصون على ضمان الاحتفاظ بالأدلة وحمايتها وجمعها.. من أجل المساءلة في المستقبل".
وحث محققو الأمم المتحدة حكومة بغداد على الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو ملاحقة الجرائم تحت القانون المحلي. وقد أطلق مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تحقيقه في شهر أيلول (سبتمبر).
وقال التقرير إنه كان هناك "نمط واضح من الهجمات" التي شنها "داعش" على الأيزيديين، وكذلك المسيحيين وأقليات عرقية ودينية أخرى. وقالت سوكي ناغرا، كبيرة محققي الأمم المتحدة أن "عدداً هائلاً من المقاتلين الأجانب" كانوا متورطين في ارتكاب الفظائع، من الدول المجاورة، وإنما أيضاً من بعض الدول الغربية. وقالت إن نحو 3.000 امرأة وطفل وبعض الرجال ما يزالون قيد الاحتجاز لدى "داعش". وأضافت السيدة ناغرا أنه تم الكشف عن مقابر جماعية كبيرة في المناطق التي استعادتها قوات الحكومة العراقية أخيراً من "داعش".
بشكل منفصل، ظهرت تقارير قالت أن السلطات العراقية كشفت عن 13 جثة في أحد القبور، إلى الشرق من تكريت، حيث تقوم قوات الأمن بشن هجوم ضد "داعش".
كما أشار محققو الأمم المتحدة أيضاً إلى مزاعم تقول بأن "داعش" استخدم في شهر أيلول (سبتمبر) غاز الكلورين، وهو سلاح كيمائي محظور، ضد الجنود العراقيين في محافظة الأنبار الغربية.
عامل "داعش" النساء والأولاد الأسرى على أنهم "غنائم حرب"، وغالباً ما أخضعهم للاغتصاب والاستعباد الجنسي
ابحث
أضف تعليقاً