
صدقات لا تحتاج إلى أموال
د. سعد الحلبوسي
لقد وسّع الإسلام مفهوم الصدقة فلم يحصرها في المال، ولم يجعل الفقر حاجزاً بين الإنسان وبين أبواب البر، بل جعل المعروف بألوانه المتعددة طريقاً إلى الأجر وأتاح لكل إنسان أن يتصدق بما يستطيع وبحسب قدرته وطاقته، ومن هنا تأتي عظمة هذا الدين؛ إذ لا يجعل الطاعة حكراً على أصحاب الثروات ولا يربط الخير بما في الأيدي وحده، بل يفتح أبوابه أمام الجميع حتى لا يُحرم فقير من أجر المحسنين ولا يُحرم عاجز عن الإنفاق من فرصة التقرب إلى الله، ومن هذه الصدقات التي لا تحتاج الى أموال:
1. التبسم وبشاشة الوجه: وهو ملاقاة الناس بوجه بشوش طلق يدخل السرور عليهم، قال ﷺ: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ). (الترمذي 1956)
2. الكلمة الطيبة: وطيب القول، والثناء الحسن، والحديث الذي يجبر الخواطر، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263]، وقال ﷺ: (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ). (البخاري 2989)
3. إماطة الأذى عن الطريق: بمعنى إزالة كل ما يؤذي المارة كالأحجار والشوك والنفايات، وحتى تضييق الطريق، قال ﷺ: (وَتُمِيطُ الْأَدَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ). (مسلم 1009). وإذا كان هذا حال من يزيل الأذى عن أقدام المسلمين فما بالك بمن يزيل الأذى عن قلوب المسلمين ومشاعرهم جراء الكلمة الجارحة؟!!
4. التسبيح والذكر التهليل والتحميد: إشغال الأوقات بذكر الله وتحميده وتكبيره، قال ﷺ: (ِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ). (مسلم 720)
5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: توجيه الناس وتذكيرهم بأفعال الخير والفضيلة، قال ﷺ: (وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ)، النهي عن المنكر: تحذير الآخرين من الشرور والمعاصي بأسلوب حكيم، قال ﷺ: (وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ) (مسلم 1006).
6. السعي في قضاء حوائج الناس: مساعدة الناس في حمل أمتعتهم أو قضاء مصالحهم، قال ﷺ: (تُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ). (مسلم 1009). ويلحق بها زكاة الجاه بقضاء حوائج الناس التي تحتاج الى نوع من العلاقات والتأثير، قال ﷺ: (ولأن أمشي مع إخ في حاجة أحبّ اليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً) (الطبراني 13646)، وقال ﷺ: (ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام) (ابن عساكر 17/64).
7. إرشاد التائه والضال: كهداية عابر السبيل أو إعطاء التوجيهات لمن يجهل الطريق، قال ﷺ: (وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ) (الترمذي 1969)، قال ﷺ: (وَتُسْمِعُ الْأَصَمَّ وَتَهْدِي الْأَعْمَى كُلُّ ذَلِكَ صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ) (ابن حبان 3377).
8. الإصلاح بين المتخاصمين: في تقريب وجهات النظر وحل النزاعات والخلافات العائلية أو الشخصية، قال ﷺ: (أفضل الصدقة إصلاح ذات البين) (الطبراني 14615)، وقال ﷺ: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟) قالوا: بلى، قال: (إصلاح ذات البين، وفساد البين الحالقة) (أبو داود 4919).
9. المشي إلى المساجد: السير بقصد الصلاة والعبادة في بيوت الله قال ﷺ: (وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ) (البخاري 2891).
10. الغرس والزراعة: غرس الشجر أو الزرع الذي ينتفع به إنسان أو طير أو حيوان، قال ﷺ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَة) (البخاري 2320).
11. النفقة على الأهل والأولاد: الرعاية اليومية للزوجة والأبناء ولقمة الطعام التي تقدمها لهم، قال ﷺ: (إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُد عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ) (البخاري 55).
12. صلاة الضحى: ركعتان تركعهما في أول النهار تؤديان شكر نعم المفاصل كلها (360 مفصلاً)، قال ﷺ: (وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى) (أبي داود 5243).
13. الصلاة مع من فاتته الجماعة: يكون عندما تتم صلاة الجماعة ويأتي متأخر قد فاتته الجماعة وتصلي معه ليحصل على أجر الجماعة مثلك، فعن أبي سعيد الخدري t قال: صلى رسول الله r بأصحابه الظهر، قال: فدخل رجل من أصحابه، فقال له النبي ﷺ: (ما حبسك يا فلان عن الصلاة؟)، قال: فذكر شيئاً اعتل به، قال: فقام يصلي، فقال رسول الله ﷺ: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟) فقام رجل فصلى معه. (مجمع الزوائد للهيثمي 2/48).
14. سقي الماء: ويشمل سقي الانسان والحيوان والنبات، وعن سعد بن عبادة t قال: إن أمه ماتت، فقال: يا رسول الله، إنّ إمي ماتت، فأتصدق عنها؟ قال: (نعم)، قلت: فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: (سقي الماء) (النسائي 3668).
15. العفو والمسامحة: وهو التنازل عن حقك المعنوي ومسامحة من أساء إليك طمعاً في عفو الله، كان الصحابة يقولون: (اللهم إني قد تصدقت بعِرضي على عبادك)، وأعظم مع يجمع العبد المؤمن الصالح الناصح لنفسه بين جلال الصدقة بالعفو وجمال الصدقة بالمال في حالٍ واحدة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. وقال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ٢٦٣﴾ [البقرة: 263]
إن أجمل ما في الصدقات التي لا تحتاج إلى مال أنها تعيد للإنسان الشعور بقيمته وتحرره من الاعتقاد بأنه لا يستطيع أن يقدم شيئاً ما دام لا يملك فائضاً من المال، إنها تعلمنا أن المعروف ليس امتيازاً للأغنياء وأن أبواب الأجر لا تُغلق في وجه الفقراء وأن كل إنسان يستطيع أن يترك أثراً طيباً في حياة غيره، وقد لا يتذكر الناس قيمة المال الذي أنفقته في يوم من الأيام لكنهم قد لا ينسون كلمة طيبة قلتها حين كانوا في أشد الحاجة إليها أو يداً امتدت إليهم حين تخلى عنهم الآخرون أو موقفاً نبيلاً حفظ كرامتهم في لحظة ضعف.
فلنجعل لأنفسنا في كل يوم صدقة ولو لم نملك مالاً؛ نبدأها بابتسامة ونحفظها بكلمة طيبة ونوسعها بقضاء حاجة ونزكيها بكف الأذى ونختمها بدعاء صادق لمن نحب ولمن لا نعرف، ولنتذكر أن الله الذي يعلم ما تخفي الصدور لا يضيع عنده معروف صادق وأن الطريق إليه ليس محصوراً في أبواب الأغنياء، بل يمتد في كل اتجاه يحمل فيه الإنسان خيراً لعباده.
فرب كلمة طيبة كانت صدقة ورب خطوة إلى إصلاح كانت عبادة ورب أذى أزلته عن الطريق كان باباً للأجر ورب قلب جبرته بكلمة أو موقف كان سبباً في دعوة صادقة لك بظهر الغيب، وإن أبواب الخير مفتوحة أمامك في كل لحظة وبإمكانك تحويل عاداتك اليومية البسيطة إلى عبادات جليلة بشرط إخلاص النية لله تعالى.
ابحث
أضف تعليقاً