wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
في آفاق الشهود الحضاري وشروطه

 

ابراهيم العجلوني

تلتمس كنوز الحكمة وفرائد الفوائد في مظان  رئيسيه هي مناط الاحكام في الاسلام  على نحو ما نجد في اسفار اصول الفقه. وادل ما نستذكر من ذلك حديث النبي الكريم صلوات الله وسلامه لمعاذ بن جبل  رضي الله عنه حين سُرَّ عليه بجوابه عن مرجعه في الحكم بين اهل اليمن, اذ قال إنه يحكم بما في كتاب الله, فإن لم يجد فبما يجده في سنّة رسوله فإن لم يجد اجتهد برأيه غير مقصّر في التماس الصواب.

والاجتهاد بالرأي منظور فيه الى الوقائع التي تتعلق الاحكام بها, والى التجارب, والى سنن الاجتماع الانساني فهو ابعد ما يكون عن القفز في فضاء الرغائب. وقد بيّن الامام الشافعي الشروط اللازمة للمجتهد او لصاحب القياس, فاذا هي ممتنعة الا على من كان ذا كفايات عديدة هيهات تتوافر الا لمن وهب نفسه للعلم والمعرفة ومن حصّنها بالتقوى, ولمن اراد المزيد حول ما يشترطه الامام الشافعي في صاحب القياس ان يعود الى كتابه: «الرسالة» الذي يعد كتاباً رئيساً ومؤسساً في اصول الفقه أو في المنطق الاسلامي كما يذهب الى ذلك كثير من الدارسين.

ولقد وجدت اثناء سياحتي في «الذخائر والبصائر» لأبي حيان التوحيدي ما يصدر وما سبق آنفاً من مشكاة واحدة, وذلك قوله إن قارئ كتابه سيكون ظاهراً من امهات الحكم وكنوز المعارف على اربعة ينابيع تزوّده باللباب اللباب مما يحتاجه أولو الالباب في تزكية حيواتهم وأنفسهم وعقولهم.

أولها وأجلّها فيما يقول هو «كتاب الله تعالى الذي حارت العقول الناصعة في رصفه, وكلّت الانفس البارعة عن وصفه, والذي لا يمل من تلاوته ولا يحس باخلاق جدته, ظاهره انيق كما يقول الامام علي كرم الله وجهه وباطنه عميق».

والثاني سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ هي «السبيل الواضح والقائد الناصح, والعلم المنصوب, والغاية في البيان, والنهاية في البرهان, والفزع عند الخصام, والقدوة لجميع الانام».

والثالث حجة العقل, فهو «الملك المفزوع اليه, والحكم المرجوع الى ما لديه في كل حال عارضة وامر واقع» وهو الذي يحول دون اللدد والشغب واعتساف الطريق. شريعته الصدق (ونشدان الحق) وخاصّته الاختيار.. كنزه الرفق وجنده الخيرات.. حليته الايمان, وزينته التقوى, وثمرته اليقين».

رابع هذه المراجع المعتبرة عند ابي حيان الواقع نفسه او ما يسميه «رأي العين» وهو ما «يجمع لك بحكم الصورة واعتراف الجمهور وشهادة الدهور نتيجة التجارب وفائدة الاختيار وعائدة الاختيار واذعان الحس واقرار النفس وطمأنينة البال وسكون الاستبداد».

ثم ان التوحيدي لا يغلق عقله ولا وجدانه دون ما يمكن الافادة منه من حضارات الامم فيقول: «هذا سوى اطراف من سياسة العجم وفلسفة اليونانيين, فإن الحكمة ضالة المؤمن, اين ما وجدها أخذها, وعند من رآها طلبها».

ثم يبسط حجة غير داحضة في هذه الالماعة الى ضرورة الانفتاح على علوم الأمم وضروب الحكمة التي عرفتها فيقول إن «الحكمة حق, والحق لا ينسب الى شيء, بل كل شيء ينسب اليه, ولا يحمل على شيء, بل كل شيء يحمل عليه, وهو متفق من كل وجه (أي لا خلاف في العقول السليمة على صدق الموضوعي).. مشرق في نفسه, موثوق بحكمه, معمول بشرطه, معدول الى قضيته, به خلق الله عز وجل السماء والارض, وعليه أقام الخلق, وبه قبض وبسط, وحكم وأقسط».

ونحن ابناء هذا الزمان لا نملك ان نتبين افقاً وراء هذه الافاق الخمسة التي ذكرها التوحيدي في مقدمة ذخائره وبصائره, اذ هي جامعة لشروط الاجتهاد, ولأسباب التأصيل والتجديد, وصالحة بما هي ميادين للنظر والاعتبار لأن نملأها نحن بالحركة والحياة الناشطة, او ما نستطيعه من «شهادة» قائمة بأسبابها.

وحتى نكون اهلاً للشهود الحضاري على الأمم, أو اهلاً لأن نكون شهداء على الناس, فإن علينا أن نأخذ معطيات هذه الافاق الخمسة بقوة, وان لا ندع علماً ولا معرفة ولا حكمة في الارض الا وكان لنا النصيب الاوفى باستحقاقات الشهادة منها..

إننا امة لا تؤتى من قلة مال, ولا من شح موارد, ولا من ندرة عقول ذكية وفطر نقية. ولكننا نؤتى من ضعف ارادتنا في التوجه العلمي, ومن غياب هاجسنا المعرفي, على الرغم من اننا أمة «إقرأ» وأمة «انظروا» وأمة «تفكّروا» ناهيك بالهمالة السياسية التي هي مناخ وبيءٌ لكل فساد عرفناه في تاريخنا وفي واقعنا على حد سواء.

ان الطريق واضحة لذي عينين, وما زال فينا ما بشّرنا به نبينا المصطفى من «خير باق» الى يوم القيامة, وهي بشرى نعلّق بها آمالنا, ونشحذ بها عزائمنا, وندفع بها كل قنوط وحبوط, ونتنوّر وعودها الصادقات وغيوثها القادمات.

ونحن, بعد, واثقون بالله تعالى, مطمئنون الى بشارة نبيه في بقاء الخير في أمة الاسلام, والى أن فيها من لا يزال يؤمن برسالتها في الارض, وبكونها بلسماً ورحمة للعالمين, والله سبحانه اولى بنا واملك لنا, ولا يخلّينا من توفيقه ما صدقناه الغرائم ونهجنا اليه السبيل.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.