
محمد ﷺ... صاحب رسالة وباني أمة ومؤسس دولة
الدكتور زيد احمد المحيسن
في ذكرى المولد النبوي الشريف، لا نستحضر مولد رجل عظيم فحسب، ولا نقف عند حدث تاريخي مضى، وإنما نستحضر ميلاد رسالة غيّرت وجه التاريخ، وميلاد قائدٍ حمل أمانة السماء إلى الأرض، وربّى أمة، وبنى مجتمعًا، وأرسى دعائم دولة، وترك للإنسانية ميراثًا من القيم والمبادئ ما تزال الأجيال تنهل منه بعد أربعة عشر قرنًا.
ولد محمد ﷺ في مكة المكرمة، في بيئة كانت تموج بالتناقضات؛ قوة في القبيلة وضعف في الإنسان، ثراء إلى جانب الفقر، ومكانة للنسب إلى جوار مظالم اجتماعية متراكمة. وفي تلك البيئة ظهر نور الرسالة، لا ليضيف إلى العالم فكرة عابرة، بل ليعيد بناء الإنسان من الداخل، ويحرره من عبودية الإنسان للإنسان، ويربطه بخالقه، ويقيم ميزانًا جديدًا للتفاضل قوامه التقوى والعمل الصالح.
كان محمد ﷺ صاحب رسالة قبل أن يكون قائدًا، وكانت رسالته بناء الإنسان وإصلاح الحياة وإقامة الحق والعدل. لم تكن دعوته مجرد شعائر تؤدى، وإنما منظومة متكاملة تعيد للإنسان كرامته، وللمجتمع توازنه، وللقيم مكانتها، وللعدل سلطانه.
وحين اشتد الأذى على المسلمين في مكة، لم تكن الهجرة النبوية فرارًا من الواقع، ولا انسحابًا من ميدان المسؤولية، بل كانت انتقالًا محسوبًا من مرحلة الدعوة تحت وطأة الاضطهاد إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة. لقد علّمنا الرسول ﷺ أن الإيمان لا يعارض التخطيط، وأن التوكل لا يعني ترك الأسباب، وأن الأحلام الكبيرة تحتاج إلى إرادة كبيرة وعمل دؤوب.
وفي الهجرة تظهر عبقرية القيادة النبوية في أجلى صورها؛ اختيار الرفيق، وتدبير الطريق، وكتمان الخطة، وتوزيع الأدوار، والاستفادة من الإمكانات المتاحة، ثم المضي في الطريق بقلب مطمئن إلى وعد الله. وفي لحظة الخطر، حين بلغ القلق مداه، جاء اليقين النبوي خالدًا في قوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
وحين وصل ﷺ إلى المدينة، لم ينتظر طويلًا ليبدأ مشروع البناء. كان يعرف أن الأمم لا تُبنى بالأمنيات، وأن الدولة لا تقوم بالشعارات، وإنما بالمؤسسات والقيم والإنسان. فكان المسجد أول لبنة في البناء؛ مكانًا للعبادة، ومدرسة للتربية والتعليم، ومجالًا للتشاور، ومنطلقًا لإدارة شؤون المجتمع.
ثم جاءت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتقدم للعالم نموذجًا نادرًا في التضامن الاجتماعي. لم يسأل الأنصاري أخاه المهاجر عن قبيلته أو ثروته أو مكانته، بل فتح له قلبه وبيته وماله. وهكذا تحولت الأخوة من كلمة تُقال إلى سلوك يُمارس، ومن قيمة أخلاقية إلى قوة اجتماعية ساعدت على بناء مجتمع متماسك.
وكان الرسول ﷺ باني أمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. نقل العرب من الولاءات الضيقة إلى الانتماء إلى أمة تقوم على العقيدة والقيم والعدل والمسؤولية. وأعاد صياغة مفهوم القوة، فلم تعد القوة في كثرة العدد أو سطوة القبيلة، وإنما في وحدة الصف، وصلاح الإنسان، وعدالة النظام، وقوة القيم.
ثم تجلت عبقرية البناء السياسي والاجتماعي في وثيقة المدينة التي نظمت العلاقات بين مكونات المجتمع، وحددت الحقوق والواجبات، وأرست قواعد التعايش والتعاون وتحمل المسؤولية المشتركة. وهنا يظهر محمد ﷺ مؤسس دولة؛ دولة لا تقوم على القهر، وإنما على العدل، ولا تستمد قوتها من البطش، بل من الشرعية الأخلاقية والاجتماعية، وتحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع أمنه واستقراره.
ولم يغفل الرسول ﷺ الجانب الاقتصادي؛ فبناء الدولة يحتاج إلى اقتصاد، والاقتصاد يحتاج إلى أخلاق. ولذلك قامت المعاملات على الصدق والأمانة، وحورب الغش والاحتكار والاستغلال، وأصبح العمل والإنتاج والكسب الحلال جزءًا من منظومة بناء المجتمع.
لقد جمع محمد ﷺ بين ما قد يبدو في حياة البشر متفرقًا: العبادة والسياسة، الأخلاق والإدارة، الرحمة والحزم، التخطيط والتوكل، بناء الفرد وبناء الدولة. ولهذا لم يكن أثره أثر واعظ في قومه فحسب، وإنما أثر قائدٍ استطاع أن يحول المبادئ إلى واقع، والقيم إلى مؤسسات، والجماعة المتفرقة إلى أمة، والضعف إلى قوة، والفوضى إلى نظام.
ومن أعظم ما يلفت النظر في سيرته ﷺ أنه لم يبدأ بتغيير العالم من خارجه، بل بدأ بتغيير الإنسان من داخله. صنع إنسانًا يعرف ربه، ويحترم أخاه، ويؤدي حقه، ويحفظ الأمانة، ويقول الحق، ويعمل، ويعطي، ويصبر. ثم جعل من هؤلاء الأفراد مجتمعًا، ومن المجتمع أمة، ومن الأمة حضارة.
وفي مولده الشريف، نحن أحوج ما نكون إلى أن نقرأ سيرته قراءة تتجاوز الاحتفال إلى الاقتداء، وتتجاوز الكلمات إلى العمل. فما قيمة أن نحتفي برسول الله ﷺ إذا لم نستلهم من سيرته صدقًا في القول، وأمانة في العمل، ورحمة بالناس، وعدلًا في الحكم، وإتقانًا في المسؤولية، وإحساسًا بواجبنا تجاه أوطاننا وأمتنا؟
إن الأمة التي تريد أن تستعيد مكانتها لا تحتاج إلى تكرار الحديث عن أمجادها بقدر حاجتها إلى استعادة القيم التي صنعت تلك الأمجاد. والهجرة تعلمنا أن التغيير قرار، وأن البناء مشروع، وأن النهوض يحتاج إلى إنسان صالح، وعقل واعٍ، وقيادة رشيدة، ومؤسسات عادلة، وإرادة لا تستسلم أمام العقبات.
وفي ذكرى مولده ﷺ، يحق لنا أن نتوقف أمام هذه الشخصية الاستثنائية التي كانت صاحبة رسالة، وبانية أمة، ومؤسسة دولة، ومعلّمًا للإنسانية. لم يكن حضوره في التاريخ عابرًا، ولم تكن رسالته لحظة زمنية محدودة، وإنما ترك مدرسة متكاملة في صناعة الإنسان وبناء المجتمع وإقامة العدل.
سلامٌ عليك يا رسول الله يوم وُلدت، ويوم حملت الرسالة، ويوم هاجرت، ويوم بنيت أمة، وأقمت دولة، ويوم بلغت الأمانة وأديت الرسالة ونصحت الأمة، ويوم رحلت إلى الرفيق الأعلى.
وسيظل محمد ﷺ في وجدان الإنسانية نموذجًا للقائد الذي لم يكتفِ بأن يقول للناس ما ينبغي أن يفعلوا، بل صنع بيده نموذجًا حيًا لما دعا إليه؛ فكان الرسول المبلّغ، والقائد الملهم، وباني الإنسان، وباني الأمة، ومؤسس الدولة.
وتلك هي عظمة محمد ﷺ: أنه لم يترك أتباعًا فحسب، بل ترك أمة، ولم يترك أفكارًا مجردة، بل ترك منهجًا للحياة، ولم يترك تاريخًا يُروى فقط، بل ترك قيمًا قادرة على أن تصنع المستقبل
ابحث
أضف تعليقاً