wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مدنية وتعددية الدولة الأردنيّة وجِهة نظر قانونيّة
المحامي الدكتور مازن الفاعوري

لقد ترسّخت سياسة التعدديّة والاعتدال في الأردن  منذ تأسيسه و صدور الدستور الأردني في عام 1952 والذي جاء  لينظم العلاقة بين الشعب الأردني  الذي يعيش على أرض المملكة الأردنيّة الهاشميّة ، ويَتعايش أفراده على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، لتنظيم  هذه الحقوق والواجبات بين المواطنين ومؤسسة الحكم .

إنّ هذا الدستور يُعَبِّرُ تعبيراَ جلياً عن المظاهر المدنيّة، والاعتدال والعدالة، واحترام حقوق الإنسان للدولة الأردنيّة؛ فهذا الدستور يُعَدُّ من أقدم الدساتير العربيّة التي نَصّتْ على حقوق الأفراد وحرياتهم ، حيث أفرد الدستور الأردني فصلا خاصا بحقوق الأردنيين وواجباتهم (المواد 5 - 23) ، كما أكد الدستور أن الأردنيين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين، وهو متطابق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من خلال جملة الحقوق التي كفلها للمواطنين دون أي تمييز، فقد كفل الدستور حق المساواة أمام القانون وضرورة اتسام التشريعات بالعدالة الاجتماعية وهي الغاية المتوخاة منها، والمساواة أمام القضاء واستقلاله ، والمساواة في حق تقلّد الوظائف العامة واعتمادها على شرطي الكفاءة والمؤهلات، كما ضمن الدستور الحريات العامّة المختلفة وخصوصاً حرية الرأي والتعبير في وسائل الإعلام المختلفة ، وحرية الاجتماع والمعتقد الديني وتشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات، وكذلك أكّد كفالة الدولة للحرية الشخصية واحترام حرمة الحياة الخاصة وحرمة المسكن والحق في التعليم والحق في العمل.

المادة (2) من الدستور تعبر تعبيراً واضحا عن التوازن في  نمط الدولة المدنية، إذ تنص على أنّ “الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية”، ومن الواضح أنّ المادة تجنبت أي عبارات محددة يفهم منها إضفاء طابعٍ ديني على النظام السياسي لها، ويظهر التوازن في بقية مواد الدستور، وما  يفسر المادة الثانية، نص المادة (6-1) ” الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في  الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين”، ما يمنح اعتبار المواطنة السمة الرئيسة في علاقة الدولة بالأفراد والجماعات، كما لم يحرم الدستور الأقليات العرقية أو الدينية من حقوقها وامتيازاتها، بل راعى أن يقدم لها الحماية المطلوبة، رغم عدم تمييز الدستور الأردني بين المواطنين ونصت  المادة (14) التي تنص على ” تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية في المملكة ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب”، وجاءت المادة (19) من الدستور لتؤكد "حق الجماعات في تأسيس مدارسها والقيام عليها لتعليم أفرادها".

ثم جاء الميثاق الوطني لعام 1991 ليوضح ما جاء في الدستور بالقول: "الأردنيون رجالاً ونساءً أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين" ،وعاد الميثاق الوطني لعام 1991 ليؤكد على ترسيخ قيم التسامح والموضوعية، واحترام معتقدات الغير".

وحري بالإشارة هنا أن نبين إن  الدستور تبنى مبدأ أن  الأمة مصدر السلطات ومبدأ الفصل بين السلطات ، وجعل من النظام النيابي الملكي أساسا لإدارة الدولة وتنظيم أجهزتها. وهو ما يعني أن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها يمارسها بالاقتراع عبر مؤسساته الدستورية ، وان السيادة لحكم القانون ، بما يشكل ركيزة أساسية لضمان مدنية الدولة ومحاربة قوى التطرف والإرهاب.

وانطلاقاً من مبادئ التعددية الدينية والإثتية  واحتراما لحقيقة تمايز الطوائف الأخرى فإن الدستور الأردني كرّم المواطن المسيحي على سبيل المثال ليتمتّع بكامل حريته لإقامة الشعائر الدينية والصلوات والاحتفالات بالأعياد الدينية، وإعلانها يوم عطلة رسمية لجميع الأردنيين، ولاسيما أعياد الميلاد المجيدة ، فالمسيحون في الأردن يعيشون مع إخوانهم المسلمين في هموم مشتركة وعادات وتقاليد مجتمع متشابهة تماماً في كل المناسبات الاجتماعية، وقد جاءت الحكومات الأردنية المتعاقبة لتحافظ وبكل اهتمام على الأماكن المسيحية المقدسة في الأردن والقدس المحتلة ، وبنوع خاص  المحافظة على مقام النبي موسى في جبل نبو ، وموقع موت يوحنا المعمدان في مكاور، وموقع عُمّاد السيد المسيح.

وبالقراءة الممعنة لمواد الدستور فإننا لا نجد  في مواده ما  يدفع إلى تغليب الصفة الدينية للدولة على حساب الدولة المدنية، ولا إلى اتخاذ موقف عدائي من الإسلام والتشريعات الخاصة به، إذ تحيل المادة (105) للمحاكم الشرعية وحدها حق القضاء في الشؤون المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين وأمور الدية والأوقاف الإسلامية. فيما تنص المادة (106 ) " أنّ المحاكم الشرعية تطبق في قضائها أحكام الشرع الحنيف. المقابل، ينص الدستور في المادة (109) " تتألف مجالس الطوائف الدينية وفاقا لأحكام القوانين التي تصدر خاصة بها وتحدد في هذه القوانين اختصاصات  المجالس المذكورة بشأن مسائل الأحوال الشخصية والأوقاف المنشأة لمصلحة الطائفة ذات العلاقة أما مسائل  الأحوال الشخصية لهذه الطائفة فهي مسائل الأحوال الشخصية للمسلمين الداخلة في اختصاص المحاكم الشرعية، فالنص يحيل بوضح مسائل الأحوال الشخصية لأصحاب الديانات الأخرى من خلال مجالس الطوائف الدينية”.

ومن هذا تبدو نصوص الدستور واضحة من حيث التأكيد على الطبيعة المدنية للنظام السياسي للدولة الأردنية ، على مبدأ المواطنة من حيث الحقوق والواجبات، وعلى التمييز بين الشأن الديني والمدني ، وعلى احترام الأديان المختلفة، سواء من حيث حرية العبادات أو المعاملات المرتبطة بها أو غير ذلك .

إن هذا الخطاب الدستوري  الوسطي المعتدل الذي يدعو الى التعددية،  عمل على  إخرج الأردن من دائرة العنف التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط إلى دائرة الأمان والاستقرار نتيجة  مدنية الدولة وإيمانها بالتعددية الدينية الذي أهل الأردن ليكون  أنموذجا للسلام في الشرق الأوسط ومنذ تأسيس الدولة الأردنية إلى وقتنا الحاضر.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.