wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
نساء خلدهن القرآن .. حين لا يكون الاسم هو المهم

نساء خلدهن القرآن: حين لا يكون الاسم هو المهم

الدكتور زيد احمد المحيسن 

حين نتأمل حضور المرأة في القرآن، نكتشف أن القرآن لم يكن معنيًّا بالأسماء بقدر عنايته بالمواقف، ولم يكن يبحث عن شهرة الأشخاص بقدر ما كان يخلّد ما فيهم من معنى. ولذلك لم يذكر القرآن اسم امرأة صراحةً إلا مريم عليها السلام، لكنه حفظ لنا قصص نساء كثيرات، وجعل من مواقفهن دروسًا تتجاوز الزمان والمكان. مريم لم تكن مجرد أمٍّ لنبي، بل كانت امرأة اصطفاها الله وطهّرها، فصارت مثالًا للطهر والإيمان والثبات حين وقفت وحدها في مواجهة محنة لا يملك أمامها الإنسان إلا ثقته بربه. وامرأة فرعون، التي لم يذكر القرآن اسمها، خلدها الله لأنها آمنت في بيت الطغيان، فاختارت ربها وهي تعيش إلى جوار أعظم طاغية، وكأن القرآن يقول لنا إن الإنسان لا تحدده البيئة التي يعيش فيها، ولا الاسم الذي يحمله، وإنما يحدده اختياره حين يقف بين الحق والباطل. وهناك أم موسى، تلك الأم التي أوحى الله إليها أن تلقي وليدها في اليم، فكان قلبها يمزقه الخوف، لكن إيمانها بوعد الله كان أكبر من خوفها، فحفظ الله ابنها وردّه إليها كي تقر عينها ولا تحزن. وفي قصة امرأة العزيز نرى وجهًا آخر للمرأة؛ امرأة أغرتها السلطة والجمال والقدرة، فواجهت قصة من الفتنة والخطأ والاعتراف، ليبقى يوسف عليه السلام مثالًا للعفة، ويبقى موقفها في نهاية القصة شاهدًا على أن الاعتراف بالحق، ولو جاء متأخرًا، خير من الإصرار على الباطل. ثم تأتي ملكة سبأ، امرأة في موضع سلطة وقرار، لا يعرضها القرآن بصورة هامشية، بل يصور عقلها في لحظة الاختبار، وحذرها من الحرب، وحوارها مع قومها، ثم انتقالها من الملك إلى الإيمان حين أدركت الحقيقة. وحتى زوجتا نوح ولوط، لم يذكر القرآن اسميهما، لأن العبرة لم تكن في الاسم، بل في الموقف؛ فقد عاشتا في بيت نبيين، ولم تنفعهما القرابة حين اختارتا طريقًا غير طريق الإيمان. ثم تأتي عائشة رضي الله عنها، التي لم يذكر القرآن اسمها، لكنه حفظ براءتها في آيات تتلى إلى يوم القيامة، حين تحولت حادثة الإفك من محنة أصابت قلب امرأة بريئة إلى درس للأمة كلها في التثبت، وحسن الظن، وخطورة الكلمة حين تتحول إلى سلاح. وهنا تكمن عظمة المنهج القرآني: قد يغيب الاسم، لكن لا يغيب الأثر؛ وقد لا نعرف اسم المرأة، لكننا نعرف موقفها، ونعرف ما أراد القرآن أن يتركه في وجداننا من إيمان وصبر وعفة وحكمة وثبات. فالقرآن لا يقول لنا فقط: هذه مريم، وهذه أم موسى، وهذه امرأة فرعون؛ بل يقول لنا: كنْ مثل مريم حين تضيق بك الدنيا، وكنْ مثل أم موسى حين يعجز قلبك عن فهم ما يجري، وكنْ مثل امرأة فرعون حين تجد نفسك وحيدًا في وجه الباطل، وتعلّم من ملكة سبأ أن الحكمة قد تكون طريقًا إلى الهداية، ومن قصة الإفك أن الكلمة مسؤولية، وأن الظلم قد يبدأ من خبر لم نتثبت منه. وربما لهذا لم يكن الاسم هو المهم؛ لأن الاسم ينتمي إلى صاحبه، أما الموقف فينتمي إلى كل إنسان. لقد ترك القرآن لنا نساءً لا تزال قصصهن تمشي بين الناس، لا لأنهن كنّ مشهورات في زمانهن، بل لأن مواقفهن أصبحت مرآة نرى فيها أنفسنا: إيماننا حين نُبتلى، وشجاعتنا حين نُفتن، وحكمتنا حين نُختبر، وأخلاقنا حين تصل إلينا حكاية عن إنسان آخر. وهكذا خلد القرآن المرأة لا بمجرد ذكر اسمها، وإنما بما كان في موقفها من معنى يستحق أن يبقى؛ فبعض الأسماء قد يطويها التاريخ، أما المواقف الصادقة، حين يرفعها القرآن إلى مقام العبرة، فإنها لا تموت.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.