wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
نهاية التاريخ وصدام الحضارات

نهاية التاريخ وصدام الحضارات

 د. يوسف القرشي 

اعتنت هذه الدراسة المعنونة بـ"نهاية التاريخ وصدام الحضارات" للباحث الأردني الدكتور يوسف القرشي، (وهي جزء من موسوعة بناء المفاهيم الصادرة حديثا عن مركز الفكر الإسلامي والدراسات المعاصرة) بتصوير وتفكيك ومعالجة مفهومي " نهاية التاريخ" و " صدام الحضارات" ونماذجهما النظرية والفلسفية وآثارهما العملية، في إطار رؤية نقدية للمفهوم في سياقه الغربي والإسلامي، ومقارنته بالمصطلحات التي تتقاطع مع بعض عناصره النظرية في التراث الإسلامي. مع إشارتها إلى بعض الآثار التي ولّدها النموذجان في المجال العلمي والثقافي والاجتماعي العالمي.

وخلصت الدراسة إلى أن نهاية التاريخ هو نظرية متعددة الأبعاد اشتهرت في صيغتها المعاصرة على يد فرانسيس فوكوياما قبيل سقوط الاتحاد السوفيتي تدعي أن الديمقراطية الليبرالية تشكل نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للإنسانية، والصورة النهائية لنظام السياسة والاجتماع البشري، وبالتالي فهي تمثل عملياً نهاية التطور التاريخي للفكر الإنساني.

كما وأكدّت أن المفهوم بصورته الحديثة متأثر بفكرة نهاية التاريخ لدى هيجل وما يحيط بها من عناقيد مفاهيمية. وأن العناصر النظرية لنموذج نهاية التاريخ هي: استبطان فكرة الصراع الهرمية الموضوعية للأفكار والنماذج الفكرية، غائية التاريخ، والحتمية الأيديولوجية. وأن هناك مصطلحات في إطار الأدبيات الإسلامية تتقاطع مع بعض العناصر النظرية للنموذج مثل مفهوم الدين الخاتم والرسول الخاتم واليوم الآخر، إلا أن الفروقات الكبيرة بين النموذجين تمنع من القياس بينهما. وأن هناك العديد من النقود الموجهة للمفهوم والإطار سواء في السياق الغربي أو الإسلامي، وأن له آثاراً عملية أضرت بالمجال المعرفي العالمي والإسلامي، فضلاَ عن آثاره العملية في تبرير استمرار الاستخراب العسكري والثقافي.

أما فيما يتعلق بمفهوم صدام الحضارات فقد لفتت الدراسة إلى أن صدام الحضارات هو نظرية فلسفية وسياسية متعددة الأبعاد لصامويل ب. هنتنغتون صدرت عام 1993، تدعي بأن اختلاف الحضارات والهويات الحضارية، بصفتها أعلى تجسيد لثقافة المجموعات البشرية ستكون الدافع للصراع في العالم ما بعد الحرب الباردة بدلاً من الصراع الجيوسياسي والأيديولوجي. كما أن صدام الحضارات معنى متناثر في التراث البشري ولم يكن هنتغتون أول من استخدمه، لكنه كان هو من أشاعه.

وكذلك فإن العناصر النظرية للمفهوم هي: افتراض حتمية وديمومة الصراع، افتراض التكتل على أساس الثقافة، افتراض الخلاف الثقافي أساساً للتنازع، افتراض مناطق نزاع ثقافية محتملة، وافتراض علو الثقافة الغربية. وأن هناك مصطلحات في إطار الأدبيات الإسلامية تتقاطع مع بعض العناصر النظرية للنموذج مثل التدافع والتداول، إلا أن الفروقات الكبيرة بين النموذجين تمنع من القياس بينهما. وأن هنتغتون يقسم الحضارات بناء على عوامل مختلفة إلى ثمانية، ويرى الثقافة عاملاً أساسياً للتقسيم. وأن هنتغتون يرى أن الصراع القادم للحضارة الغربية سيكون مع الحضارتين الإسلامية والصينية. وأن تصور هنتغتون للحضارة تصور قاصر ومسطح، خاصة عند الحديث عن الحضارة الإسلامية، وأن مفهوم صدام الحضارات تلقى – وما زال – نقداً كبيراً في السياق الغربي والإسلامي. 

وأوصت الدراسة بإشهار تداول المصطلحات المتولدة داخل السياق الإسلامي مثل التدافع والتداول، والعمل على توليد غيرها من ذات الإطار التداولي العربي- الإسلامي، وإعادة دراسة وتقييم نموذجي صدام الحضارات ونهاية التاريخ للوصول إلى نموذج متكامل يمثل وجهة النظر الإسلامية في الصراع الفكري والسياسي، وتكثيف الجهود فيما يتعلق بالدراسات الاستشرافية، وتخصيص المراكز البحثية جزءً من ميزانيتها للتنظير المستقبلي في السياسات.

وشددت الدراسة على أهمية إعادة بناء مفهوم نهاية التاريخ من خلال تطوير مناهج تصور حركة التاريخ بناء على المنهج السنني، الذي يضع في الحسبان أمرين اثنين؛ أولهما تفسير التاريخ بناء على سنن الله التي وضعها في الكون، وفهمها في سياق القوانين التي وضعها الله لنتائج أفعال العباد. والثاني هو النظر إلى المستقبل باعتباره نتيجة لأفعال الحاضر إن كان ذلك تطبيقاً لسنن الحركة والقوة والضعف والتقدم وغيرها. بعيداً عن الجبر والإرجاء والمناهج التي تفترض الأسطورة والحتمية.

وخلصت الدراسة في توصياتها إلى ضرورة إعادة تصور العلاقة بين الحضارات بناء على أساسين: الأساس التعارفي الذي يعترف بالأصل المشترك والحق في الوجود والاختلاف، والأساس السنني الضابط لأساس التدخل للحفاظ على المصلحة العامة للبشرية المتآلفة بالتعارف.

ويأتي اهتمام المنتدى العالمي للوسطية بهذه الدراسة، في إطار اهتمامه واحتفائه بالدراسات الأكاديمية والفكرية التي تعنى بإثارة الأسئلة الفكرية والحضارية التي تحظى بمكانة هامة في مشاريعه واهتماماته الفكرية، وفي مقدمتها دراسة وفهم طبيعة العلاقة بين الحضارات، ورصد ومتابعة التيارات الفكرية المختلفة، ودراسة وتحليل ونقد النماذج الفكرية التي تتبنى رؤى تفسيرية تجنح إلى تفسير حركة التاريخ والصراع الإنساني من خلال رؤى أحادية وحتمية.

كما تتقاطع الدراسة في جوهرها وخلاصاتها ونتائجها مع الدور الذي يضطلع به المنتدى العالمي للوسطية في بلورة وبناء خطاب إسلامي معاصر، يجسد قيم ومفاهيم الاعتدال والتوازن والانفتاح الواعي على الآخر، وقادر في الوقت نفسه على قراءة الاتجاهات الفكرية الحديثة قراءة نقدية، ودراستها وهضمها بصورة واعية، توازن بين الانفتاح المبصر على الآخر، والمحافظة على الخصوصية الدينية والفكرية والحضارية الخاصة بالأمة الإسلامية.

وكذلك فإن ما تطرحه الدراسة من تصورات وخيارات وبدائل لرؤية نهاية التاريخ وصدام الحضارات، كالتعارف والتدافع والتداول، والمنهجية السننية، ينسجم تماما مع رؤية المنتدى العالمي للوسطية في قضايا الصراع الحضاري، والاختلاف الإنساني، وهو ما يشكل إضافة نوعية هامة في مسارات الجدل والنقاش حول مستقبل العلاقة بين الحضارات، ويساهم في بناء رؤية إسلامية أكثر توازنا ونضجا وتفاعلا مع التحولات الفكرية والحضارية حول العالم.

 

#المنتدى_العالمي_للوسطية

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.