
أسامة شحادة
يمكن إجمال الرؤية الإسلامية في رفض فرض عقل اليونان ومنطق أرسطو على العلوم الشرعية والرؤية الإسلامية للعقل، ومنها رؤية ابن تيمية، والتي هي تطوير وتفصيل لتراث علماء الإسلام والسنة من قبله من خلال المحاور التالية:
كما رفض ابن تيمية وعلماء السنة من قبله محاولة بعض المتكلمين بالوصول لحل آخر لا يؤول الوحي الرباني بل ينفي معرفة الصحابة والسلف لمعاني كثير من الوحي الرباني والخاص بآيات الصفات الإلهية، وهو ما سمي تفويض المعنى.
ويتلخص منهج علماء السنة والسلف بأن الوحي الرباني جاءنا باللغة العربية الواضحة المبينة “وإنه لتنزيلُ رب العالمين* نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذِرين* بلِسانٍ عربي مبين” (الشعراء: 192-195)، وأن معاني الوحي واضحة معروفة، وإلاّ ما فائدة أن يخاطبنا الله عز وجل بكلامٍ لا نعرف معناه؟
ولذلك كان منهج علماء الإسلام والسلف الصالح في آيات الصفات الإلهية التي ضلّ فيها المتكلمون والفلاسفة هو ما أصّله الإمام مالك: “الاستواء معلوم، والكيْف مجهول، والإيمانُ به واجِب، والسؤالُ عنه بدعة”، فعلماء السنة والسلف يَعلمون المعنى ويجهلون ويفوضون الكيفية لأنها من الغيب الذي لا ُيعرف بالعقل البشري.
هذه هي معالم نقد ابن تيمية لفرض معقولات اليونان على أهل الإسلام، وأما بخصوص رؤية أهل السنة للعقل ومكانته ودوره فهي تقوم على ما يلي:
تابع ابن تيمية ما وصل إليه علماء السنة والسلف من الصواب في معنى العقل وأنه غريزة فطرية في الإنسان ووظيفة إدراكية، وليس شيئا ماديا بخلاف ضلال اليونان ومَن تبعهم من المتكلمين والفلاسفة الذين اعتبروا العقل جوهرا ماديا، وفصل ذلك د. فهمي النجار في كتابه الأول (العقل) من سلسلته الدراسات النفسية عند الإمام ابن تيمية.
واتفق علماء الإسلام والسنة على أن العقل هو محل التكليف والثواب والعقاب، وأنه من أبرز مظاهر التكريم الرباني للبشر.
ولكن أهل السنة وابن تيمية ومن سار على دربهم أدركوا أن قدرات العقل البشري تسمح لهم بالإبداع لكن في مجال عالم الحس والشهادة وهو ما أرشدت وأمرت به آيات القرآن الكريم “إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون” (الرعد: 3)، وأن الحواس هي أدواته في الفهم والمعرفة والعلم “ولا تقْف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” (الإسراء: 36).
ورغم ضخامة قدارات العقل كما يتبدى من علوم ومعارف ومبتكرات البشر عبر التاريخ، إلا أنها من جهة ثانية قدرات محدودة وليست مطلقة كما هو الحال أيضاً مع قدرات الحواس والتي هي أدوات العقل، حواس الإنسان تعجز عن رؤية الكثير من الأشياء لدقتها أو سرعتها أو بعدها، وكذلك الأصوات هناك ما لا يمكن سماعه لضعفه وبعضها لشدته، وهكذا، وهذا الذي قرره علماء السنة منذ القدم وفصله ابن تيمية في القرن السابع الهجري من محدودية قدرة العقل هو ما توصل له (كانط) في القرن الثامن عشر الميلادي في كتابه “نقد العقل الخالص” واحدث بذلك ضجة كبرى!
ولذلك كان من مصادر عمل العقل الخبر الصادق عما غاب عنا، فكثير من الأشياء لا تدخل تحت الحواس كالبلاد البعيدة أو الحيوانات التي تعيش في محيطنا وليس لنا من مصدر لمعرفتها أو العلم بها سوى الخبر الصادق عمن رآها فهي من الغيب النسبي، ومع تطور العلم أصبحت الصورة توثق ذلك، وبعد وصول وثبوت الخبر عنها يبدأ العقل يتعاطى معها، وكذلك حال عالم الغيب المطلق (الميتافيزيقيا) فلا مجال للعقل فيه إلا عبر الخبر الصادق = الوحي الرباني والنقل الصحيح.
ولذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية ومِن قبله من علماء السلف لم يرفضوا جانب الطبيعيات والرياضيات في الفلسفة اليونانية ولكن عدلوا وصوبوا الكثير منها، وفي ذلك يقول ابن تيمية عن تقسيم العلوم في الفلسفة ونقد تقديمهم علم الرياضيات على علم الطبيعيات: “إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والإلهي، وجعلهم الرياضي أشرف من الطبيعي ، والإلهي أشرف من الرياضي، هو مما قلبوا به الحقائق، فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج، ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال، وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة، فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلاً مدورًا أو مثلثًا أو مربعًا”، ويقول ابن تيمية في دقة علم الرياضيات: “فإن علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل، والهندسة التي هي علم بالكم المتصل، علمان يقينيان لا يحتملان النقيض البتة، مثل جمع الأعداد وقسمتها وضربها ونسبة بعضها إلى بعض”، وعليه فإن المطالبة بتدريس طلبة المدارس الفلسفة إن كان المقصود بها تدريسهم النظريات الفلسفية الباطلة القديمة والحديثة في قضايا الغيب (الميتافيزيقيا) فهذه مطالبة من أعظم مطالب الباطل والضلال، وإن قصد بها تعليم الطلبة أسس البحث والتفكير العلمي السليم في قضايا عالم المادة فهذا أمر محمود ومطلوب.
هذه كانت حقيقة دعوات تحكيم العقل مطلقاً في القديم وتبين أنها تهدم العقل أولاً، والدين ثانياً، فهل تغير هذا الحال المائل مع دعوات تحكيم العقل المعاصرة في عالم ما بعد الحداثة؟
ابحث
أضف تعليقاً