wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
يوم الفرقان ونجاة الايمان

يوم الفرقان ونجاة الإيمان

قراءة في دلالات #يوم_عاشوراء وعبرة سقوط الطغيان

د.عبدالله فرج الله

 

تاريخ البشرية ليس مجرد تعاقب للأيام والشهور، بل هو سجل حافل بالمواقف والمحطات الكبرى التي غيرت مجرى الإنسانية، وصاغت قيم الحق والعدل في مواجهة الباطل والظلم. ومن بين هذه المحطات العظيمة، يبرز يوم العاشر من شهر محرم (يوم عاشوراء) كمنارة مضيئة في الذاكرة المؤمنة؛ فهو اليوم الذي سطر فيه الحق سبحانه وتعالى نهاية غطرسة أعتى طواغيت الأرض، وكتب فيه النجاة لعباده المستضعفين.

إن تجسيد هذا اليوم العظيم في القرآن الكريم، ليتلى آناء الليل وأطراف النهار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليس مجرد سرد لقصة تاريخية مضت، بل هو تثبيت للمؤمنين في كل زمان ومكان، وتأكيد على أن سنن الله في نصرة الحق ودمغ الباطل ثابتة لا تتخلف. وحين ندب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام هذا اليوم، لم يكن ذلك لمجرد طقس تعبدي عابر، بل كان إحياءً لقلب الأمة، وتأكيداً على الروابط الوثيقة بين حملة راية التوحيد عبر العصور، واستحضاراً لدروس التوكل واليقين.

 

المشهد العصيب:

 

يبدأ المشهد القرآني بتصوير الفجوة الهائلة في الموازين المادية بين معسكرين:

معسكر الطغيان: فرعون في كامل قوته، مدججاً بالجيوش والعتاد، تملأ قلبه الغطرسة والكبرياء، يلاحق فئة قليلة مؤمنة استُضعفت في الأرض.

معسكر الإيمان: نبي الله موسى عليه السلام ومعه قومه؛ قلّة في العدد، انعدام في العتاد، هاربون بضرب من الحيرة والخوف من بطش الطاغية الذي استباح دماء أبنائهم، واستحيا نساءهم.

وصلت الملاحقة إلى ذروتها الحرجة، عندما وجد المؤمنون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ بمقاييس البشر: البحر من أمامهم يلتطم بأمواجه، والعدو من خلفهم يتربص بهم الدوائر.

في هذه اللحظة الاستثنائية، تجسد الخوف الإنساني والطبيعي في أبهى صوره، ونطق لسان الحال والمقال بما حكاه القرآن الكريم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]

لقد بلغت القلوب الحناجر، وظن القوم أن الهلاك لا مفر منه، فكل الحسابات المادية والعقلية تؤكد أنهم في حكم المقبوض عليهم، وأن ضعفهم وهوانهم على الناس قد أسلمهم لقمة سائغة لجيش فرعون الهائج.

 

اللجوء إلى الركن الشديد

في مقابل هذا الهلع الإنساني المتوقع، يتجلى مقام النبوة السامي، وتظهر حقيقة الإيمان التي لا تزعزعها أعتى الرياح. لم ينظر موسى عليه السلام إلى البحر المتلاطم، ولم يلتفت إلى جحافل فرعون المقتربة، بل نظر بعين قلبه إلى السماء، حيث رب الأرباب ومسبب الأسباب. الذي كان معه للتو في مجلس التحدي بين المعسكرين، يسمع ويرى، الذي أمره وأخاه أن لا يخافا،، لذلك جاء رده حاسماً، قاطعاً لكل شك، ومبدداً لكل خوف:﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سيهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]

 

إنها كلمة "كَلَّا" التي شقت ركام اليأس، وأعلنت بوضوح أن موازين الأرض تسقط عندما تتدخل مشيئة السماء. هذا هو اللجوء الحقيقي إلى الركن الشديد؛ فعندما تنقطع الأسباب المادية، ويصل المؤمن إلى ذروة الصدق في التوكل، يفتح الله له أبواباً لم تكن في الحسبان. إن يقين موسى عليه السلام يعلمنا أن معيّة الله للمؤمنين ليست مجرد شعار، بل هي حقيقة واقعة تتجلى في أحلك الظروف لتصنع الفرج من رحم الضيق.

 

عندما تسخر المخلوقات لأمر خالقها:

لقد تجلت عظمة الله سبحانه وتعالى في هذا اليوم من خلال تطويع القوانين الكونية لحساب عباده المؤمنين. البحر، هذا المخلوق العظيم المروّع بأمواجه وعمقه، لم يعد عائقاً أو سبباً في الغرق، بل تحول بأمر الله وقدرته إلى طريق يبس ممهد، يمشي فيه المؤمنون بأمن وسلام.

لقد انشق البحر، وصار كل جزء منه كالجبل العظيم، يرقب عباد الله وهم يعبرون إلى شاطئ النجاة. وما إن تكامل المؤمنون خارجين، ودخل فرعون وجنوده باحثين عن انتصارهم الموهوم وسط الطريق المنشق، حتى عاد البحر إلى طبيعته هائجاً مائجاً. في لحظات معدودة، تحول طريق النجاة إلى مقبرة جماعية للطغيان، وغمرت المياه فرعون وجيشه، لتطوى صفحة من أبشع صفحات الاستكبار في الأرض، ويبقى فرعون آية وعبرة لمن خلفه.

 

دلالات الصيام وتأصيل الذاكرة المؤمنة

حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة، ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، وسأل عن السبب، قيل له: "هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى"، فقال صلى الله عليه وسلم: "فأنا أحق بموسى منكم"، فصامه وأمر بصيامه.

إن هذا التوجيه النبوي يحمل دلالات عميقة، منها:

وحدة الرسالة والهدف: إن الأنبياء إخوة، ودعوتهم واحدة، ونصرة أحدهم هي نصرة للحق في كل زمان ومكان.

ترسيخ قيم الشكر: الصيام في هذا اليوم هو تعبير عملي عن الشكر لله تعالى على نعمته بنصرة المؤمنين وإهلاك الظالمين.

حفظ الذاكرة التاريخية: ألا ينسى المسلمون معارك الحق والباطل، وأن يستلهموا من التاريخ ما يثبت عزائمهم.

 

الإيمان لا يعرف الاستسلام

إن الدرس الأكبر الذي يجب أن يتجدد في النفوس مع كل إشراقة ليوم عاشوراء، هو أن الذاكرة المؤمنة يجب أن تبقى حية، يقظة، ولا تستسلم لواقع الاستضعاف مهما كان ثقيلاً ومؤلماً. إن الأمة المؤمنة، وإن مرت بفترات من الضعف أو قلة الحيلة، أو أحاطت بها الأزمات والمؤامرات من كل جانب حتى ظن أعداؤها أنهم "مدركون"، فإنها لا يجوز لها أن تذل أو تخضع لغير الله.

إن الصدق في الإيمان واللجوء الصادق إلى الركن الشديد هما مفتاح التغيير والنصر. فالطغيان، مهما بلغت حشوده، ومهما امتلك من وسائل القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية، فإنه يحمل في طياته بذور فنائه؛ لأن الكبر والظلم يعميان البصيرة، ويجعلان الطغاة يسيرون بأقدامهم إلى حتفهم، تماماً كما سار فرعون إلى وسط البحر وهو يظن أنه قادر على الإمساك بموسى وقومه.

ِ

يبقى يوم نجاة موسى عليه السلام عيداً للحق، ومأتماً للباطل. إنه اليوم الذي يعيد ترتيب المفاهيم في عقولنا، ويذكرنا بأن القوة الحقيقية ليست في العتاد والعدد، بل في عمق الصلة بالله وجدية التوكل عليه. إنها دعوة لكل مؤمن

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.