wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
فضائل الإصلاح وآثاره
الدكتور عبد المجيد النجار

  جاء الإسلام بتعاليمه الإيمانية والسلوكية ليصلح حياة الناس أفرادا وجماعات، فرسم لهم أولا الغاية من تلك الحياة، وهي غاية تحقيق الخلافة في الأرض، وما يقتضيه ذلك من  التعمير فيها، ومن الشهادة على الناس، ثمّ رسم لهم المنهج المؤدّي إلى تلك الغاية، إيمانا بحقيقة الوجود القائمة على التوحيد، وارتباطا بالإله الواحد بحبل العبادة، وبسطا لعلاقة العدل مع العباد، وسيرا في الأرض للارتفاق: علما بقوانينها، واستثمارا لمقدّراتها على أساس الرّفق الذي يضمن لها الديمومة في إعالة الحياة.

   غير أنّ الإنسان الذي تُرسل إليه الرسل تبصّره بتلك الغاية، وذلك المنهج المؤدّي إليها قد يعتنق ما بُصّر به زمنا، فتصلح حياته في إيمانه وسلوكه، ويعمّر في الأرض مقيما الحضارات الراشدة، ثمّ يرتخي به الزمن شيئا فشيئا حتى يتناسى ما بُصّر به من هدي، فإذا هو منحرف عن الصلاح إلى الفساد، ومن التعمير إلى التدمير، فيتداركه الهدي الإلهي من جديد، يذكّره بما تناسى، ويصلح من حياته ما انحرف ليستأنف دورة جديدة من التعمير، وتلك هي حلقات السلسلة من النبوّات التي جاءت تترى من آدم عليه السلام إلى محمّد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.

   ولكنّ سلسلة النبوّات التي جاءت كلّ حلقة منها تصلح ما انحرف قبلها توقّفت عند النبيّ الخاتم، فلم يبق منتظَرا أن تأتي حلقة بعدها تصلح ما يفسُد من حياة الناس، والحال أنّ هذا الفساد وارد عليهم، فالإنسان هو الإنسان في إمكان تردّده بين الصلاح والفساد لطبيعته المزدوجة: نفسا لوّامة، ونفسا أمّارة بالسوء، وما كان الله تعالى ليترك الإنسان سدى دون هدي يردّه إلى الصواب إذا غوى، فجعل هذا الدين الخاتم صالحا للهداية في كلّ مكان وزمان، وأوكل مهمّة الهداية به إلى أفراد من الإنسان نفسه هم العلماء المصلحون الذين لم يخل منهم عصر منذ نزل الإسلام إلى يومنا هذا، فكلّما اشتدّ الفساد في حياة الناس بعث الله تعالى لهم من يصلحها بتجديد أمر دينهم كما جاء في الحديث النبوي الشريف.

   وإذا كان الانحراف عن هدي الدين يؤدّي كله إلى القصور عن أداء مهمّة التعمير، وإذا كان ذلك القصور يتحدّد على قدر نوع الانحراف وعمقه فإنّ الانحراف في المعتقد هو الأبلغ أثرا في قصور المسلمين عن أداء رسالتهم الحضارية، وفي شهادتهم على الناس بالعلم والعدل والعمران؛ ذلك لأنّ العقيدة هي أساس الدين، وهي الدافع الأكبر للسلوك، ترقية للذات الإنسانية الفردية والجماعية، واستثمارا للبيئة الطبيعية بالعلم والتعمير.

   ولذلك فإنه لا غرو أن نجد المصلحين في تاريخنا الفكري الديني جلَّهم إن لم يكونوا جميعا يجعلون على رأس خططهم الإصلاحية إصلاحَ العقيدة، وتنقيتَها مما علق بها من الشوائب، حتى تعود نقية في ذاتها، فاعلة في النفوس، دافعة إلى العمل، وعلامة ذلك أنّ الحركات الإصلاحية لم تخل واحدة منها فيما نعلم لم تجعل عقيدة التوحيد أولى أولوياتها في برنامجها الإصلاحي، إذ هي رأس الإيمان جميعا. ويمكن أن نذكر في هذا السياق الأيمّة المصلحين: ابن تيمية، وابن تومرت، ومحمد بن عبد الوهاب، والسنوسي الكبير، وابن باديس، فكلّ هؤلاء وغيرهم من المصلحين كان العنوان الأكبر في حركاتهم الإصلاحية هو عنوان التوحيد.

   ومن هذا المعنى سنتّخذ مبررا لأن نخصّص حديثنا في هذا المقام للإصلاح العقدي في ظرفنا الراهن وأمّتنا تتحفّز للانطلاق في مسيرة النهضة، ولكن تعوقها العوائق التي من أبرزها فيما نقدّر عائق التصوّرات العقدية التي طالها قدر من الغبش فعطّل فعاليتها في الدفع إلى الفعل الحضاري بمجمل شعبه، ولن يكون لها عود إلى ذلك الدفع إلا بعودة عقيدتها إلى حقيقتها التي بها انطلقت الأجيال الأولى من المسلمين لبناء تلك الحضارة المشهودة.

   وإذا كانت العقيدة الإسلامية خلاف أديان كثيرة أخرى بقيت محفوظة لم ينلها تحريف عند عموم الأمة، إلا أنّ ملابسات عديدة أحاطت بها في بعض الأزمان، وعند بعض المسلمين، يتعلق بعضها بمفهوم العقيدة نفسه، ويتعلق بعضها الآخر بمفرداتها وبمنهجية عرضها، وهذه الملابسات تراكمت عبر التاريخ، وتفاعلت مع الأحداث، فآل الأمر بها إلى أن أصبحت المرجعية العقدية عند الكثير من المسلمين لا تقوم بدورها الكامل في توجيه الفكر والسلوك، وهو الأمر الذي يستدعي مراجعة لهذا الوضع العقدي من تلك الجهات التي غشيتها الملابسات، وإذ لا يتّسع هذا المقام للتوسّع في الشرح فإننا سنقتصر على بيان ما طرأ من ملابسات على مفهوم العقيدة نفسه، عودا به إلى حقيقته، وبيانا لآثاره العملية في حياة الأمّة، عطالة في حال اضطرابه، ونجاعة في حال صلاحه. 

   وبما أنّ العقيدة هي أساس الدين، وهي الموجّه الأكبر للحياة في جملتها فردية وجماعية، فإنّ المدلول الذي ينطبع في أذهان الناس عنها فيما تشمله من المفردات، والذي يكون هو الموجّه لحركة التدين السلوكية بأكملها ستكون له أهمية بالغة في طبع تلك الحركة بطابعه، إذ هذا المدلول بما يشمله من مفردات سعة وضيقا، وبما يحلّ به في النفوس من موقع سطحية وعمقا هو الذي سيكون المحدّد الأصلي للهوية الإسلامية، والمحرك الأساسي لحركة الحياة، والطابع لها بطابعه المميز، فبحسب ما يكون تصوره في الأذهان سعة وضيقا، ووضوحا وغموضا، يكون عمل العقيدة في النفوس تحقيقا للهوية الإسلامية فيها، ودفعا لها إلى الفعل من أجل التعمير، وذلك بمقتضى كون العقيدة الإسلامية هي المنشئ لكلّ ذلك والدافع إليه.

   وعلى سبيل التوضيح فإن عقيدة يمتدّ مدلولها ليشمل تحديد مهمّة للإنسان في حياته هي مهمّة التعمير في الأرض، فيكون أصلا من أصولها سيكون أثرها في النفوس طبعا لهويتها، وتحديدا لعلاقتها العملية بالكون أثرا مختلفا لا محالة عن الأثر الذي تحدثه تلك العقيدة لو انحسر مدلولها عن تحديد هذه المهمة للإنسان، فأهملت فيها، أو اندرجت ضمن تعاليم ثانوية في نطاق التشريعات العامّة، وإذن فإن مدلول العقيدة كما تتصوره الأذهان سعة وضيقا له بالغ الأثر في تحديد المسلك العملي الناشئ عنها.

   وإذا كان مدلول العقيدة الإسلامية ظلّ في أذهان المسلمين مشتركا بين أجيال الأمّة في ثبوت امتداده على مساحة تمثّل الأسس الكبرى من المعاني العقدية مثل الوحدانية والنبوة والبعث وما تنطوي عليه من المعاني التفصيلية، فإنه في مساحة أخرى من المعاني ظل عرضة للتمدّد والتقلص عبر تاريخ المسلمين، سواء كان ذلك عن شعور أو عن غير شعور، فإذا ببعض المعاني تعدّ من مدلولات العقيدة عند بعض الناس وفي بعض الأزمان وتعدّ خارجة عنها وإن تكن مندرجة ضمن التشريع العام عند بعض آخر وفي أزمنة أخرى.

   وخذ في ذلك مثالا معنى الشمول الذي يقتضي تطبيق أحكام الشريعة في كافة مظاهر الحياة الاجتماعية، ركن من أركان الإيمان، وقد ظل عند المسلمين أحد المدلولات الثابتة في العقيدة، ولكن شقًّا غير يسير من المسلمين في العصر الحاضر انسحب من أذهانهم هذا المدلول منذ بعض الزمن، فإذا تطبيق تلك الأحكام عندهم غير مندرج ضمن مدلول العقيدة، وهو بالتالي غير ملزم من الوجهة العقدية، فانحسر إذن مدلول العقيدة في تصوّرهم عن هذه المساحة من المعاني. ولا شك أن لهذا الاضطراب في مدلول العقيدة أثره السلبي في حياة الأمة، مما يستلزم مراجعة ينعدل بها هذا المدلول ليعود إلى ما كان عليه من الاستقامة.

   وحينما نبحث في الأصول النصية للدين، أو حتى في كتب التراث عن تعريف للعقيدة يضبط مدلولها بصفة محددة فإننا لا نظفر في ذلك بما يفي بالغرض، ولكن ظل متعارفا بين المسلمين مدلول جملي للعقيدة يتمثل في تلك الحقائق التي جاء بها الدين وطلب من المسلم أن يتحملها بالتصديق القلبي حتى إذا ما خرج بعض منها من نطاق التصديق انتفت بسبب ذلك صفة الإيمان، فانتقض الاعتقاد جملة، أو ضعف ضعفا شديدا إذا كانت المفردات المتخلفة من التصديق ذات طابع جزئي.

   وقد كان هذا المدلول الجملي المتعارف بين المسلمين متأسسا على حديث نبوي جاء يحدّد حقيقة الإيمان، فجعلت هذه الحقيقة مدلولا للعقيدة. وهذا الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلّم: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " . والحقيقة أن مدلول العقيدة في هذا الحديث مدلول مجمل، وهو يحيل على مساحة أخرى واسعة من معاني العقيدة في الإيمان بالرسول الكريم؛ لأن الإيمان برسول الله المراد به " الإيمان بصدقه نبيا مرسلا، والإيمان بما جاء به عن ربه "  فالتصديق بكل ما جاء به النبي من أحكام ثبتت نسبتها إليه هو جزء من مدلول العقيدة حسب هذا التعريف.

   والمتأمل في القرآن الكريم يجد في بيانه مصداقا لهذا المدلول العام للعقيدة بحيث يشمل هذا المدلول الإيمان بكل ما جاء من عند الله في القرآن والحديث من أوامر ونواه، فإنكار أي منها، وتعطيل العمل به جحودا مع ثبوت نسبته إلى الوحي يعتبر ناقضا للعقيدة، أو ناقصا بها عن الحدّ المطلوب، وهو مدلول قوله تعالى:﴿ ومن لم يحكُم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ (المائدة/44)، وقوله تعالى: ﴿ Ÿفلا وربّك لا يؤمنون حتى يُحكّموكَ فيما شجر بينهمثم لا يجدوا في أنفُسهم حرجا مما قضيتَ ويُسلّموا تسليما" ﴾ (النساء/65) ففي هاتين الآيتين نفي لصفة الإيمان عمّن أنكر حقّية التعاليم الإلهية بعد ثبوتها، أو عطّل العمل بها تعطيل جحود ، وبمفهوم المخالفة فإن مدلول العقيدة يمتدّ ليشمل الإيمان بكل هذه التعاليم تصديقا بحقيتها، وبوجوب العمل بها.

   وقد ظل هذا المدلول العام للعقيدة هو المدلولَ السائد في أذهان المسلمين طيلة العهد الأول، حيث لم يظهر تخصيص لهذا المدلول بمعان دون غيرها مما هو مطلوب من الدين على وجه القطع، سواء كان طلبه تصديقا بالقلب، أو تصديقا بالقلب وعملا بالسلوك، وقد بدا ذلك بيّنا في أقوال الصحابة والتابعين، كما بدا في بواكير المؤلفات العلمية على يد أوائل العلماء من الأئمة وهم المعبّرون عن ضمير الأمّة، والممثلون لتوجّهها العام في التديّن، فالكتب المروية عن هؤلاء الأئمة كانت تمتزج فيها من حيث التصديق أحكام الدين المتعلقة بوجود الله وتوحيده، وبالنبوة واليوم الآخر مع أحكام الدين المتعلقة بالصلاة والزكاة والحج في سياق أنها جميعا تمثّل مدلولا للاعتقاد باعتبارها مطلوبات دينية يتوجّب الإيمان بحقيتها وبالعمل بها.

   وبتقدّم الحركة العلمية نشأ في القرن الثاني علم خاص بالعقيدة هو علم الكلام أو علم التوحيد أو الفقه الأكبر، وبرزت في هذا العلم قضايا من الدين دون أخرى، وذلك بسبب ما كانت تتعرض له تلك القضايا من تحدّيات من قبل أهل الأديان والثقافات القديمة، مثل التوحيد والبعث ونبوة محمد صلى الله عليه وسلّم، أو ما كانت تتعرض له من تحدّيات من قبل تفاعلات الحياة الاجتماعية مثل قضية الإيمان والقدر .ثم ظلت تلك القضايا يزداد عددها في هذا العلم بتزايد الطوارئ المتحدّية عبر الزمن حتى استقر علم العقيدة على المواضيع التي استقرّ عليها عندما كمل نضجه وتوقّف نموه في القرن الخامس للهجرة.

   والمتأمل في المواضيع التي تناولها علم العقيدة بالبحث كما انتهت إليه في كبرى المدونات الجامعة لهذا العلم مثل كتاب المواقف لعضد الدين الإيجي (ت 756 هـ) بشرح السيد الشريف الجرجاني (ت  816 هـ) يجد أنها لم تغطّ كل مساحة مدلول العقيدة، بل هي تناولت قضايا أساسية كبرى تتركز على وجود الله تعالى وصفاته، والنبوة والبعث، والقضاء والقدر وحقيقة الإيمان، وما يتعلق بها من مسائل فرعية، وما يمهّد لإثباتها من مقدّمات هي من خارج العقيدة أصلا مثل مسائل طبيعية وأخرى نظرية عقلية.

   والسبب في اقتصار علم العقيدة على هذه القضايا دون غيرها أن هذا العلم نشأ علما ذا غاية دفاعية، إذ هو كما استقر عليه الأمر في تعريفه: « علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه » ، فهو إذن معنيّ بالمسائل العقدية التي يقتضي الحال الدفاع عنها إثباتا لها وردّا للشبه الموجّهة إليها، واندراج المسائل فيه إنما كان بناء على الحاجة إلى الدفاع عنها، إما بأسباب خارجية أو داخلية، وقد كان الأمر كذلك تاريخيا، فنشوء أبحاث في هذه المسائل كان متطاولا في الزمن بحسب حدوث الأسباب الداعية للدفاع، والمسائل التي لم تدع حاجة إلى الدفاع عنها لم تدرج بصفة أساسية في علم العقيدة، فلم تصبح ضمن مسائله إلا أن تكون بصفة عارضة. وهو ما نفي شبهة أن يكون علماء العقيدة الأجلاّء قد غفلوا عن أن يدرجوا في مؤلفاتهم العقدية مفردات إيمانية هي من صلب العقيدة، فالسبب ليس الغفلة، وإنما هو عدم الحاجة لدفاع عنها لعدم ورود التحديات عليها.

   
   ولما توقّف الفكر الإسلامي عموما عن النمو والإبداع بعد القرن الخامس، ومن ضمنه الفكر العقدي، كَلّ هذا الفكر عن مهمّة الدفاع عن العقيدة بالتصدّي للتحدّيات المستجدة الموجّهة لمسائل دينية بعض منها قد لا يكون تعرّض إلى مثل تلك التحديات، فلم يقع إذن إدراجه ضمن دائرة علم العقيدة كما كانت تدرج من قبل تلك المسائل التي تدعو الحاجة إلى الدفاع عنها تباعا بمقتضى تعرضها للتحدّيات، وبذلك توقف هذا العلم في مسائله، وانغلق على مواضيعه السابقة، وأصبح العمل فيه لا يعدو أن يكون ترتيبا وتبويبا، أو شرحا وتوسيعا، أو اختصارا وتهذيبا.

   وبمرور الزمن أصبح كثير من خالفي المسلمين يقع في نفوسهم الظنّ بأن مدلول العقيدة الإسلامية إنما هو محدود بحدود المسائل التي شملها علم العقيدة وانغلق عليها بحكم توقفه عن النمو قرونا طويلة، وأما ما عدا ذلك من مسائل الدين فهي مسائل شرعية وليست عقدية، فلم تدرج ضمن هذا المدلول، ولم يكن لها إذن منزلة من الرسوخ في النفس والعمق فيها كما كان لتلك المسائل الأخرى، ولم يكن لها بالتالي موقع التوجيه والدفع الذي يكون للمسائل المندرجة ضمن مدلول العقيدة، إذ تلك المسائل بمقتضى صفتها العقدية هي التي تشكل الموقف الديني العام للفرد المسلم كما للأمة عامة، وهي التي توجه الحياة كلها، إذ العقيدة هي الموجّهة للحياة.

   ولو تأملنا أوضاع المسلمين من حيث مدلول العقيدة في أفهامهم، كما انتهى إليه الأمر منذ بعض الزمن، وكما هو الأمر اليوم عند عامة المسلمين، بل عند كثير من خاصّتهم المتعلمين وعند بعض من المختصّين في علوم الدين، لو تأملنا ذلك لوجدنا أن هذا المدلول يتركّز على القضايا الأساسية في العقيدة وهي الإيمان بالله والنبوة والوحي والملائكة والقدر، وما هو مندرج ضمنها، وأنه لا يتّسع لمسائل أخرى ذات أبعاد عقدية أصيلة أيضا، يدخل التصديق بها إلى دائرة الإيمان، ويخرج التكذيب بها إلى دائرة الكفر، ومن أمثلتها مسألة شمولية الدين، والروح كجزء من التركيب الإنساني، ومهمّة الخلافة في الأرض والتعمير فيها غايةً لحياة الإنسان، والعدالة الاجتماعية كقاعدة في بناء المجتمع. والتكافل الاجتماعي كحافظ للوحدة وضامنا للأمن، وحرّية الإنسان وحقوقه حفظا لكرامته التي كرّمه اللع تعالى بها، فهذه المسائل وأمثالها بالرغم ممّا لها من مدخل في تحقق الإيمان وعدمه، فإنها لا تدخل اليوم ضمن دائرة المدلول العقدي عند الكثير من المسلمين، وإنما هي عندهم مسائل شرعية لا ترقى إلى درجة الاعتقاد، ولا نراها تدرج في اهتماماتهم التعليمية والدعوية ضمن المؤلفات والبيانات العقدية.

   لقد جاءت البيانات القرآنية والحديثية في هذه المسائل مدرجة ضمن دائرة الإيمان، إثباتا لإيمان من آمن بها، ونفيا لإيمان من لم يؤمن بها تصديقا ولم يعمل بها جحودا، ومن أمثلة ذلك ما جاء في الحديث النبوي عن التكافل الاجتماعي من قوله صلى الله عليه وسلم:" ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع " (أخرجه البخاري)، ومن قوله أيضا:" أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمّة الله تعالى "(أخرجه أحمد).

   وقد أدّى هذا الانحسار في مدلول العقيدة في الذهنية الإسلامية إلى نزوع هذا المدلول منزعا تجريديا ابتعد به عن وجوه الحياة العملية، حيث أصبحت الأذهان تنصرف في تحمّلها للعقيدة إلى عالم الغيب دون وصل له بعالم الشهادة من واقع الحياة الجارية، إذ الاعتقاد أصبح يقتصر على الاعتقاد بالغيب، وكان لذلك انعكاس سيئ على الحياة العملية للمسلمين، إذ تقاعست هذه الحياة عن الاندفاع نحو التعمير في الأرض باستثمار الكون، وبترقية الإنسان بالحرية والعدالة والتكافل والسعي الدؤوب لتحقيق الخلافة، فهذه مسائل خارجة في دائرة الوعي عن أن تكون مسائل عقدية، وماذا يدفع إلى توجيه الحياة إليها إذا لم يكن الإيمان بأنها من صلب العقيدة الإسلامية؟ وإذا لم يكن اعتبار أنّ تحمّلها تصديقا وعملا يدخل ضمن معقد النجاة، وأنّ جحودها يكون سببا في الخسران.

   ويشيع اليوم في دوائر الكثير من الدعاة، والمؤسسات الدعوية والتعليمية الدينية فضلا عن دوائر العامة من المسلمين أنّ مسائل مثل الإيمان بالجن وبعذاب القبر هي على سبيل المثال من مفردات الاعتقاد الأساسية إذ هي من الغيبيات، ويختصم الناس جرّاها شديد الخصومة من هذا المنطلق، بينما لا تدرج مسألة العدالة الاجتماعية أو مهمّة الخلافة في الأرض غايةً للحياة، أو التعمير فيها مادّيا ومعنويا مهمّةً للإنسان، أو تكريم الذات الإنسانية وحفظ حقوقها، أو التكافل الاجتماعي والعدل بين الناس ضمن الاهتمام العقدي، فكيف إذن يمكن أن تتّجه حياة المسلمين في اتّجاه الترقية الاجتماعية والتعمير في الأرض؟ وكيف لا تبقى العقول إلاّ مشدودة نحو المجرّد دون قدرة على الفعل في الواقع العملي من مجالات الحياة؟

   ومن ذلك يتبين أن الضرورة تدعو في مضمار الإصلاح العقدي، وكعامل من عوامل الدفع بالأمّة نحو الرقيّ المعنوي والمادّي الذي تكون به مسهمة في البناء الحضاري، شاهدة على الناس أن يتمّ ترشيد تحمّلها لمدلول العقيدة بتوسيع هذا المدلول في الأذهان حتى يشمل دائرة من المسائل أفسح من هذه المسائل التي يشملها الآن، ولتكون صورته في النفوس كحقيقته في واقع الأمر كما جاء في القرآن والحديث، وكصورته التي كان عليها في أذهان أوائل المسلمين حينما كانوا يفهمون انطلاقهم في الآفاق لنشر الدعوة، وتحرير العباد من الاستبداد، والتعمير في الأرض على أن كل ذلك يندرج ضمن مدلول العقيدة، فكان انطلاقهم فاعلا، وإنجازهم الحضاري مشهودا، وما كانوا في ذلك الفهم لمدلول العقيدة إلاّ صادرين عن روح القرآن والحديث في تعدية هذا المدلول إلى دائرة واسعة من تعاليم الدين ذات البعد العملي هي أوسع بكثير من تلك التعاليم ذات البعد النظري وإن تكن هي الأساس الأول للاعتقاد.

   لقد جاء في القرآن المكي وهو المؤسس للعقيدة في النفوس وصل دائم بين حقائق الوحدانية والبعث والنبوة، وبين مفاهيم اجتماعية مثل كفالة اليتامى والمساكين، والقيام بالعمل الصالح، وفي ذلك أبلغ الدلالة على تعدّي دلالة العقيدة من ذلك البعد الغيبي النظري المؤسّس إلى مثل تلك المفردات ذات البعد العملي المتعلق بأوجه الحياة العملية الفردية والاجتماعية في مختلف مناحيها. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن إعادة بناء الفهم العقدي بترتيب جديد لمفردات العقيدة في نطاق هذا المدلول؟ هذا ما يمكن بحثه في مناسبة أخرى.

والله أعلم،،،

 

بحث مقدّم للمجلس العلمي الهاشمي

                                                                                    عمّان: 3/:8/2012
   

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.