
اللغة ليست مجرد كلمات و ألفاظ و عبارات يرن جرسها في الآذان فنطرب لها . إنها حاضنة الفكر و العقل و السلوك و كل نتاج المجتمع ، فهي معيار التقدم أو التقهقر، وكلما اكتمل أداؤها، و استقام بناؤها فإنما يدل ذلك على نضج حضارتها . ولغتنا العربية ذو ماض هو أهل للاعتزاز به؛ فبهذه اللغة نزل القرآن ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين , على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) الشعراء 192 - 195
( قرآناً عربياً غير ذي عوج ) الزمر : 28
وذلك أغنى و أغلى ما توصف به اللغة العربية؛ إنها لغة القرآن الكريم، و كفى بها مجداً و فخراً .
- لماذا الحرب على اللغة العربية ؟
لإنها لغة القران الكريم، وتغييب اللغة العربية يعني تغييب للدين و الشريعة , و احتواء للشخصية العربية و المسلمة والاستيلاء على العقل و الوجدان و تسييرهما كيفما شاء أعداء الإسلام . فاللغة العربية ليست لغة مجتمع صغير بل هي لغة أمة كانت لها أمجادها و ماضيها الذي يخافه هؤلاء الأعداء .
لذلك تحارب اللغة العربية لتحقيق أهداف؛ أهمها :
- القضاء على الدين الإسلامي بالدرجة الأولى.
- قطع روابط الأخوة بين أبناء اللغة الواحدة.
- خلق جيل هزيل فاقد للهوية تابع للغرب مستهلك لإنتاج الغرب ... مستسلم غير فاعل.
ولابد أن نعلم أن اليابان حين استسلمت في الحرب العالمية الثانية قبلت بجميع الشروط إلا شرطاً واحداً و هو التخلي عن لغتها القومية ، فكانت لغتها منطلق نهضتها العلمية والصناعية.
وها هي الدولة الصهيونية أقامت كيانها على إحياء اللغة العبرية، وكلنا يعلم أنها لغة ميتة منذ أكثر من ألفي عام، وقد اعتمدتها في جميع شؤون الحياة، بل اعتمدتها حتى في المؤتمرات الذرية والنووية .
وفي المقابل فحين نجح أتاتورك في تحويل الحروف العربية التي كانت تكتب بها اللغة التركية إلى حروف لاتينية، فهل حقق بتلك النقلة نهضة لتركيا ؟
فهي إذا حملة كانت تهدف إلى سلخ الإنسان التركي عن دينه و إبعاده عن القرآن الكريم، إضافة إلى سلخه عن الكيان العربي الإسلامي خوفا من وحدته .
واقع يزداد مرارة.
إن الواقع الأشد إيلاماً ما نشهده في حياتنا اليومية بين شباب لغة الضاد ، من انتشار ظاهرة الفرانكو أراب حيث تتم كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية من خلال وسائل التواصل الالكتروني , و الأكثر إيلاماً من ذلك أن كل هذا يتم على مرأى و مسمع الآباء و المربين ... و قد نصادف الكثير من الآباء الذين يزعمون بمتابعتهم لأبنائهم في التزاماتهم الدينية. أليس حري بأولئك أن يتنبهوا و ينبهوا أبنائهم إلى الخطر المحدق بنا، وإلى الهجمة الشرسة على الهوية العربية و الإسلامية.
ومن أدوات الحرب على لغتنا عملاق البحث على الانترنيت ( جوجل ) حيث أدخلت الشركة خدمة تحويل الكتابة الصوتية للعربية باستخدام الأحرف اللاتينية إلى حروفها العربية الأصلية؛ وذلك لتسهيل الكتابة بالعربية والتي تتميز بالبطء الشديد . ولا يمكننا أن ننسى رائدة صناعة البرمجيات ( مايكرو سوفت ) حيث وضعت برنامجا سمته " جيت مارتن " يقوم بتحويل النص الفرانكو أراب إلى العربية الفصحى، وضمن تسويقها لهذا البرنامج قامت بتصوير فيلم كرتوني يبيّن شخصيتين في دردشة؛ إحدهما يكتب بالفرانكو أراب بسرعة، بينما يكتب الآخر بالعربية الفصحى ببطء السلحفاة . هي حرب ليست بالجديدة فلا يمكن أن ننسى اسم " ماسينيو " الذي دعا إلى الكتابة بالأحرف اللاتينية. كما نذكر جيداً الشاعر اللبناني سعيد عقل عندما أصدر ديواناً اسماه " يارا " كتبه بالأحرف اللاتينية .
وظاهرة أخرى لا تقل عن سابقتها خطورة بل توازيها بكل ما فيها من خبث؛ حيث نجد من يدعو إلى استخدام اللهجات العامية في وسائل الإعلام والإنتاج الأدبي؛ بحجة أنها الوسيلة الأقرب إلى قلوب وعقول الجماهير؛ بغاية خلق لغة بديلة لكل قطر، وفصل أبناء الضاد عن بعضهم البعض، وسلخهم عن تراثهم وهويتهم الأصيلة .
وظاهرة أخرى نجدها في شوارعنا العربية من كتابة عناوين المحال التجارية باللغة الإنجليزية أو باللهجة المحلية .
إن الطامة الكبرى نجدها في انهزام أبنائنا نفسياً، واستسلامهم أمام الأعداء ، فهم من يضعون الخطط، وللأسف ننفذها بأيدينا وبكل إخلاص؛ أي ننتحر بأيدينا، فهل هناك مهزلة بعد هذا ؟ !! أما آن لنا أن نستفيق، وننهض، وندافع عن لغتنا لأن الدفاع عنها وصونها فرض علينا، ولا أدل على ذلك من قول ابن تيمية : " إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب؛ فان فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا باللغة العربية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " .
إن هدفهم من وراء ذلك عمل هوة بيننا وبين ديننا، وتحقيق انسلاخ الفرد العربي والمسلم عن قرآنه؛ الذي به قوته وعزته. ولذا فعزله عن ماضيه وتراثه وجذبه للغات الأجنبية ليصبح عبداً مستهلكا لإنتاجهم، فاقداً لكل مقومات الهوية .
آن لنا أفراداً و جماعات ومؤسسات أن ننبري للحفاظ والدفاع عن هويتنا، وعن لغتنا عن أصالتنا، بإدراكنا أنها فرض وواجب شرعي .
ابحث
أضف تعليقاً