wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
تشوّه في العقل يعززه الاستغلال السياسي
سميح المعايطة

سميح المعايطة *

لا يمكن اعتبار ظاهرة التطرف او التشدد او التعصب ظاهرة سياسية بالدرجة الأولى، بل هي ظاهرة مرتبطة بطبيعة البشر وتكوين الإنسان، ولا نقصد الفطرة السوية بل قابلية البشر للإصابة بهذا المرض الذي يأخذ أشكالا سياسية واجتماعية وفكرية، لكن الأصل والمنطلق قناعة فرد أو مجموعة أو طائفة أو شعب بأنه الأفضل أو أنه مظلوم محروم او بأن الأخر تطاول وخرج عما يجب أن يكون عليه، أما التعبير فيكون بفكر متشدد او يد تؤذي اأو سلاحاً يقتل او لساناً يفتي..
لن نكون مبالغين إذا اعتبرنا أن أول مظاهر التطرف كانت على الأرض بين ولدي ادم عليه السلام هابيل وقابيل، وكان تشدداً بدائياً بعدما تقبل الله تعالى قربانا من احدهما ولم يتقبّله من الأخر، فكانت أول جريمة قتل وفي مقابلها كانت أول حالات التسامح من المقتول حين أعلن لأخيه أنه لن يمد يده بالقتل.
والمربع الأول للتشدد والتطرف إما عاطفة أو فكر أصابه التشوه، وكلا الخيارين يعطي المتشدد نفسه حق تفسير العاطفة أو النص الشرعي أو الحدث التاريخي لخدمة مصلحة أو تبرير ممارسات سيقوم بها.
ولهذا السبب فإن التشدد يسهل استخدامه وتجييره بل وتحويله إلى أداة بيد آخرين، فأي فرد أو مجموعة متشددة من السهل استغلالها للقيام بالحد الاقصى الممكن من الأذى او الإتهام والتصنيف أو بناء فهم فكري أو شرعي أو اجتماعي لا يقبل إلا نفسه، وظاهرالأمر أن التشدد الديني أو الأخلاقي غايته صناعة التماسك، لكن حقيقته إثارة الانقسام والتفكيك وبناء حواجز من دم أو فكرة مشوهة داخل المجتمع أو الأمة.
كيف نحارب التطرف؟!.. سؤال قد يري البعض إنه بلا إجابة، لكن ما هو ممكن العمل على زيادة مساحة الوسطية والفكر الراشد والخطاب العقلاني، وتعميق «فكر» الحوار وقبول الآخر، وحتى هذا فليس سهلاً لأن المشكلة ليست مع المتشدد أو فكره أو بندقيته ولسانه، بل مع «تجار التطرف» ومستخدميه وصانعيه، فهؤلاء التجار محترفون في الصناعة والتمويل والشحن بل وصناعة الأحداث أو إستثمارها لتكون معارك للأمة أو مواسم الفرقان بين الكفر والإيمان.
ربما ما يمكن التركيز عليه في المعركة ضد التشدد والتطرف أمور منها:
زيادة مساحة أهل الفكر الوسطي ممن يتمتعون بالمصداقية والعمق، البعيدين عن التطرف في الإتجاه الأخر.
تفريغ ساحات الأمة من التطرف المسلح التفجيري الذي يحول كل المشاعر والأفكار المتشددة إلى قتل وتدمير وأذى، ويفقد المجتمعات حقها في الحياة الطبيعية.
تصنيف التشدد الذي نراه في فئات وطوائف الأمة حسب أنواعه ومستوياته، لأن هذا التصنيف يجعل التعامل معه أكثر سهولة، ويجعلنا قادرين على تحقيق نتائج في محاربة التشدد الأسهل فالأصعب.
العمل على توسيع قاعدة القواسم المشتركة داخل المجتمعات، والقواسم المشتركة ليست فقط الثقافة أو القضايا المعنوية، بل المصالح المشتركة وحقوق الناس داخل كل إطار، فالمصالح داخل المجتمع الواحد يمكن أن تحقق في زمن انحسار القيم وضعف الروابط الأخرى نتائج أكبر، ودائرة المصالح يمكن أن تتسع لتشمل قائمة كبيرة تبدأ بحق الحياة، إلى حقوق التعليم والعيش الطبيعي، وحماية الثروات والأرواح.
بناء أسس الفكر الوسطي القادر على الإقناع بناء على الحجة والمنطق، وتفنيد مسوغات الفكر المتشدد، وأن يكون حضور الفكر الوسطي دائماً وليس موسمياً ومرتبطاً بحوادث التصعيد الأمني أو المؤتمرات والندوات، وهنا لابد من بناء حالة تواصل حواري مع أصحاب الفكر المتشدد، وهذا المسار أثبت جدوى فيما سمي بالمراجعات، وهي تجربة حققت نجاحاً في أكثر من دولة ومرحلة، وتراجعت فئات من حملة الفكر المتشدد إلى الفكر الوسطي وتخلت عما كانت تحمل من أفكار وعواطف وتوجهات.
هنالك حاجة ماسة إلى مسار للخبراء من أصحاب المتابعة العلمية والفنية لتجارب المجموعات المتشددة، القادرين على إجراء تقييم حقيقي لتلك التجارب، والحوار حوار تلك التجارب مع ذات المجموعات، أو الحديث فيها للرأي العام، لأن التجارب العملية بما فيها من أبعاد سياسية وعسكرية ودينية هي الأقدر على تكوين قناعات بديلة لدى الأخرين.
أما المسار الأمني والسياسي فلا غنى عنه في ردع التطرف ومواجهة التشدد، لأن حماية المجتمعات من أثار التشدد جزء من واجبات معسكر الوسطية، فليست كل فئات التشدد يمكن الحوار معها، وليست كل الفئات تقبل بالأخر، وبالتالي فإن الردع ضرورة.
أما المسار السياسي فيمكن استخدامه لإيجاد محاضن لفئات التشدد التي تقرر العودة إلى السلوك الطبيعي أو التي تراجع فكرها وتحتاج إلى أطر معتدلة لممارسة نشاطها وحياتها العادية.
ولعل من العوامل المعززة للتطرف توزعه على دائرة المتناقضات، فلكل فئة سياسية أو طائفية متطرفيها، وعندما تنتشر فئات التطرف والقتل بين القوى المتناقضة سياسياً وطائفياً فإن كل طرف يرى في وجود حالة التطرف لديه ضرورة لمواجهة عنف الأخر وتطرفه، ولهذا نرى دولاً وساحات عربية وبخاصةً التي فقدت مظلة الدولة أو ضعفت إلى مرحلة العجز عن حماية الناس، قد انتشرت فيها المواقف والميليشات المتطرفة التي ترى في تطرف الأخر مبرراً لوجودها ولتشددها وممارسة كل شيء، وهذا يعني فتح باب العنف والتشدد بل العمل على اجتثاث الأخر، وهذه التجارب صنعت قناعة بأن التطرف لا يمكن مواجهته إلا بتطرف مشابه وبخاصة عندما تضعف الدولة.
وهنا أشير إلى أن إدارة ملف مواجهة التطرف يشمل أيضا البعد الدولي والإقليمي في استخدام التطرف في اثارة الصراعات والنزعات داخل الدولة، أو إدامة حالة الضعف، أو الإعتماد عليها في اثارة القلق والفوضى السياسية.
فقوى التشدد تقاتل وفق رؤية عقائدية وبالتالي تكون قدرتها على الصمود أكبر، لأنها تعتقد إنها تقاتل دول الكفر وتسعى لبناء دولة الإسلام، وهذه توفر للدول المستخدمة قدرة على توفير معارضة شرسة للدول المستهدفة، كما إنها تجعل تلك الدول تحارب من خلال تلك التنظيمات دون أن تدفع ثمناً من جنودها ومعداتها.
ولأن قوى التشدد تعاني الغربة في محيطها، فإنها تكون في وضع يمكن تجييرها لدول وأجهزة مخابرات معادلات الإقليم والعالم، وهذا ما يوفر لها فرصاً للإنعاش والتسليح والتمويل وكل التسهيلات للإنتقال من ساحة لأخرى بحماية دول تقدم نفسها من المدراء الأهارب وخصومه.
إن التطرف في أصله ليس بندقية بيد متطرف أو سيارة مفخخة بل هو قناعات وفكر وعواطف ومنطلقات، والمعالجة الجذرية تقتضي الذهاب الشامل إلى كافة جوانب القضية، ولهذا لم يعد مقبولاً من أهل الفكر أو السياسة تقديم ظاهرة التطرف على إنها «إجراء» أو حدث بل هي تشوه في بنية العقل والعاطفة يتحول إلى ممارسة سياسية وأمنية واجتماعية.

وبعد:
هل نحن مقبلون على تخفيف لظاهرة التعصب والتطرف؟: والجواب ليس ايجابياً، لأن مسار الحالة العربية وحالة التفكك للعقل قبل البنى الأخرى، وما يجري من تجيير سياسي واستغلال رديئ يؤدي إلى تعميق التشوه وهذا يجعل مسار الحل صعباً، لكنه ضرورة إنسانية، لكنه حل يجب أن يبقى مستمرا لأن معززات التطرف ومولدات التعصب قائمة ومستمرة ولها من يرعاها.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.