
الإمام أبو حامد الغزالي حجة الإسلام
د. إسماعيل السعيدات
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى اله وصحبه أجمعين, وبعد :
إن الاطلاع على حياة الرجال العلماء العظماء , والبحث عن آثارهم ومآثرهم من أهم الأسباب التي تبعث النفوس على محبتهم , وإتباعهم, والسير على مناهجهم , ومن المعلوم لدينا أن الإتباع لا يكون إلا بعد معرفتهم, ودراسة سيرة حياتهم, ومعرفة دقائق معيشتهم, فهذه شذرات من سيرة أحد الأئمة الكبار والعلماء المشاهير , الذي يُعد معلمة بارزة من معالم ثقافتنا العربية الإسلامية , وإذا جاز لنا أن نباهي الثقافات والأمم الأخرى بعالم نعتز به, هو نتاج خالص لديننا وحضارتنا الإسلامية , وأن واحداً من هؤلاء الرجال العلماء الذي يُجمع المؤخرون وأصحاب التراجم لحياة الإمام الغزالي على أنه الإمام العالم الفقيه والفيلسوف المسلم حجة الإسلام محمد بن محمد بن أحمد (1) , ويعرف بالطوسي : نسبة إلى بلدة طوس التي ولد فيها (2) , ويعرف أيضاً بالغزالي بتشديد الََزّاي: نسبة إلى الغزّال, والغزّال نسبة إلى غزل الصوف وهو عمل والده, حيث كان يعمل بغزل الصوف, ويبيعه في دكانه في طوس , وهذا اللقب على عادة أهل خوارزم , فإنهم ينسبون إلى القصار القصاري, وإلى العطار العطاري, ويقال بتخفيف الزاي:نسبة إلى غزالة وهي قرية من قرى طوس(3), ولقب بحجة الإسلام زين الدين الطوسي الفقيه الشافعي(4),ومحجة الدين(5), ومفتي الأمة,وبركة الآنام (6) , وكني بأبي حامد ؛ لولد مات له وهو صغير (7) .
وقد اتفقت المصادر التاريخية التي تحدثت عن الغزالي أنه:ولد سنة 450هـ/1058م في طوس (8) .
توفي الإمام الغزالي يوم الاثنين الموافق الرابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة505 هـ / 1111م في طوس ,ويذكر شقيقه أحمد أنه لما كان صباح يوم الاثنين المذكور توضأ حجة الإسلام وصلى وقال : عليّ بأكفاني , فأخذها وقبلها وتركها على عينيه وقال : سمعاً وطاعةً للدخول على الملك ,ثم مد رجليه,واستقـبل القبلة ومات قبل الإسفار,أي قبل الشروق(9) , ويروى أن بعض أصحـابه سأله وهو على فراش المـوت فقال لـه : وصني فأجـابه :عليك بالإخلاص , ولم يـزل يكررها حتى مات ,ودفن بالطابران وهي قصبة طوس (10) , فرجم الله علماءنا الأكارم ابتداءً من الغزالي وانتهاءً بمن سيسير على ركبهم من القرون التابعة , رحمهم الله جميعاً وحشرهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحُسن أولئك رفيقاً , وإذا مات العالم أحيا الله ذكره في الأرض , ونشر له في العالمين حسن الثناء, فالعالم الصالح بعد وفاته ميت وهو حي بين الناس .
وتذكر المصادر التاريخية أن الغزالي نشأ في أسرة فقيرة , وقد ثار خلاف حول أصله أهو عربي أم فارسي؟ ولم ينته هذا الخلاف إلى يقين , فقد يكون من سلالة العرب الذين تغلغلوا في بلاد فارس منذ بداية الفتح الإسلامي , وقد يكون من الفرس الذين غلبت عليهم الأسماء العربية لعراقتهم في الإسلام (11).
وكان والد الغزالي رجلا ًفقير الحال , ولكنه كان مؤمناً صالحاً , كثير التضرع إلى الله ويخشى دوماً عاقبته . أنجب ولدين أسماهما محمد وأحمد , وتمنى أن ينشئهما نشأة علمية دينية ,فلما حضرته الوفاة وصى بهما إلى صديق متصوف من أهل الخير,وقال له : " إن لي لتأسفاً عظيماً على تعلم الخط ,وأشتهي استدراك ما فاتني في ولديِّ هذين فعلّمهما , ولا عليك أن تنفذ في ذلك جميع ما أخلفه لهما , فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلى ن نفذ المال اليسير الذي تركه لهما أبوهما, وتعذر على الصوفي القيام بقوتهم"(12), فقال لهما : اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما , وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما به , وأصلح ما أرى لكما أن تذهبا إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم , فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما , فوافقا على ذلك , وكان ذلك الرجل الصالح هو السبب في سعادتهما وعلو منزلتهما, وكان الغزالي يذكر ذلك, ويقول :"طلبنا العلم لغير الله , فأبى أن يكون إلا لله " (13) .
وكان والده رجلاً فقيراً صالحاً, امتهن غزل الصوف لينفق على أسرته, وكان يطوف على العلماء يجالسهم , ويعمل على خدمتهم , وكان إذا سمع كلامهم بكى وتضرع إلى الله سبحانه أن يرزقه ابناً واعظاً , فاستجاب الله تعالى دعوته , فرزقه بأبي حامد الذي صار أفقه أهل زمانه , وبأخيه أحمد الذي صار واعظاً مؤثرا ً (14) ,ونشأ الغزالي في بيئة علمية تزهو بالعلم والعلماء , وكان للعلم فيها مكانة واحترام وتقدير , ولقد كان لهذه البيئة أثر كبير في نشأة , ذلك الإمام , كيف لا وقد توافر فيه من الفطنة والذكاء والرغبة في تحصيل العلم ما يجعله يستغل هذه البيئة خير استغلال.
ومن الجدير بالذكر أن عمه واسمه أحمد محمد كان عالماً مناظراً , ألف في الجدل والخلافيات, وأن أخاه: أحمد كان واعظاً , ودرس بالنظامية نيابة عن أخيه أبي حامد لما ترك التدريس زهادة فيه,وكان يميل إلى العزلة,ومن مؤلفاته:الذخيرة في علم البصيرة,ومختصر إحياء علوم الدين لأخيه أبي حامد(15) .
تعلم الغزالي في بداية أمره طرفاً من علوم الشريعة في بلدة طوس , على يد الشيخ أحمد بن محمد الراذكاني , ثم سافر إلى جرجان إلى الإمام أبي نصر الإسماعيلي فأخذ عنه , وقد حرص الغزالي حرصا ً شديدا ًعلى أن يحفظ جميع ما يأخذه عن شيوخه (16) , وقد فوض إليه التدريس في مدرسته النظامية بمدينة بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعمائة وأعجب الخلق حسن كلامه , وكمال فضله , وفصاحة لسانه , وإشاراته اللطيفة, ثم بعد ذلك ترك التدريس في هذه المدرسة وقصد الحج, واستناب أخاه أحمد في التدريس .
سافر إلى دمشق في سنة تسع وثمانين وأربعمائة فلبث فيها أياماً يسيرة , ثم توجه إلى بيت المقدس , فجاور به مدة , ثم عاد إلى دمشق, ثم تركها وقصد مصر, وأقام بالاسكندرية , ثم رجع إلى بغداد وعقد فيها مجالس للوعظ , وبعد مدة عاد إلى بلده طوس ,مقبلا ًعلى التأليف والعبادة والعزلة , ثم انتقل إلى بغداد ودرّس ثانية بالمدرسة النظامية, ورجع بعدها إلى مدينة طوس , وانقطع للعبادة والتأليف حتى وفاته (17) .
ألحت عليه نفسه السفر مرة ثانية لطلب العلم فسافر من طوس إلى نيسابور, وهناك تتلمذ على يد إمام الحرمين أبي المعالي الجو يني ولازمه , وجد واجتهد حتى برع في العلوم الشرعية , وأجيز في تدريسها ,ولم يزل ملازماً له إلى أن توفي ,فخرج من نيسابور إلى حضور مجلس نظام الملك فأكرمه, وفوض إليه التدريس في مدرسته النظامية بمدينة بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعمائة وأعجب الخلق حسن كلامه , وكمال فضله , وفصاحة لسانه , وإشاراته اللطيفة, ثم بعد ذلك ترك التدريس في هذه المدرسة وقصد الحج, واستناب أخاه أحمد في التدريس .
سافر إلى دمشق في سنة تسع وثمانين وأربعمائة فلبث فيها أياماً يسيرة , ثم توجه إلى بيت المقدس , فجاور به مدة , ثم عاد إلى دمشق, ثم تركها وقصد مصر, وأقام بالاسكندرية , ثم رجع إلى بغداد وعقد فيها مجالس للوعظ , وبعد مدة عاد إلى بلده طوس ,مقبلا ًعلى التأليف والعبادة والعزلة , ثم انتقل إلى بغداد ودرّس ثانية بالمدرسة النظامية, ورجع بعدها إلى مدينة طوس , وانقطع للعبادة والتأليف حتى وفاته (17) , ومن المعلوم أن الإمام الغزالي قام بالوعظ والتدريس في أماكن وبلدان متعددة, ولم يقتصر على التأليف والتصنيف , وهذا الأمر يقتضي أن يكون له تلاميذ كثر تعلموا على يديه وتأثروا بشخصيته , وأخذوا عنه ونقلوا عنه , وهؤلاء التلاميذ كانوا من الأكابر والفضلاء والأئمة والعلماء.
وقد كانت حياة الغزالي حافلة بالإنتاج العلمي وممارسة النشاطات المختلفة أذكر منها : الوعظ والإفتاء والتدريس والتأليف والأعمال الخيرية (18) .
والذي ذكرناه هو شيء يسير من صفاته العظيمة وأخلاقه الرفيعة التي كان يتصف بها , والتي بسبب تأثره بما يحيط به من بيئة مؤثرة , لذا يتضح لنا مدى عظم شخصيته فهو العالم بأحكام دينه ,والداعي لها , والعارف لحقوق ربه, والمودي لها بحقها , والشغوف بالعلم , والساعي لتعليمه , والمحب للآخرين , والمتواضع الذي لا يعرف الكبر إلى قلبه طريقاً , لا حسد عنده ولا حقد , زاهداً في ديناه , راجياً رحمة مولاه , وغيرها من الخصال التي يطول المقام بذكرها .
لقد برع الغزالي في علوم كثيرة ولا سيما في علم الفقه وأصوله,والمنطق,والجدل , والخلاف ؛وغيرها من العلوم التي تُعد بحث ثروة ضخمة , ترجمت مدى عناية الأمة العربية الإسلامية بالكتاب والسنة اللذين هما أساس وجودها , وعنوان شخصيتها, وأصل دوامها وبقائها , وإن المطّلع على مؤلفاته يجد من خلالها أن العلوم التي تلقاها تكاد تكون عامة وشاملة لعلوم الشريعة الإسلامية؛ لذلك نجده قد درس علم العقيدة , وعلم الكلام , والتفسير , والحديث , والفقه وأصوله , وغيرها من العلوم , ولقد تلقى هذه العلوم عن علماء عصره الذين اتصفوا بغزارة العلم ووفرته , وأصبح الغزالي محط أنظار العلماء , وأبرزهم شهرة , ونال بذلك التقدير والاحترام ,وحظيت مؤلفاته بالدراسة والتحليل والتحقيق من قبل العديد من العلماء , وشكلت في جملتها مكتبة و جمعت من العلوم العربية الإسلامية ما حفظ به كثير من الأصول والفروع, التي لا يستغني عنها عالم , ولا طالب علم , ولا مشتغل بعلوم الكتاب والسنة العربية , وبذلك استحق ان يدون أسمه في سجل الخالدين والعلماء البارزين, وحظيت آراؤه التربوية بالاهتمام ؛ مما جعله يتمتع بمكانة علمية رفيعة المستوى,وبرزت هذه المكانة العلمية الواضحة للغزالي من خلال دروسه العلمية ومؤلفاته المتنوعة . ويًعد الغزالي واحداً من أعلام الفكر الإسلامي , وقد أثنى عليه جمع من العلماء وفيما يلي نسوق طائفة من شهاداتهم :
1- يقول شيخه إمام الحرمين الجويني:" الغزالي بحر مغدق " .
2- يقول تلميذه محمد بن يحيى:" الغزالي هو الشافعي الثاني".
3- يقول عبد الغافر بن إسماعيل:" الغزالي إمام أئمة الدين , ولم تر العيون مثله لساناً وبياناً ونطقاً وخاطراً وذكاءً وطبعاً " .
4- قال عنه أسعد المهني :" لا يصل إلى معرفة علم الغزالي وفضله إلا من بلغ أو كاد يبلغ الكمال في عقله " (19).
5- قال عنه ابن النجار :" إمام الفقهاء على الإطلاق , ومجتهد زمانه , ومن اتفقت الطوائف على تبجيله وتعظيمه وتوقيره وتكريمه" (20).
6- قال عنه السبكي :" جامع أشتات العلوم , أي أسباب العلوم, والمبرز في المنقول منها والمفهوم" , وقال أيضاً:"لا يعرف قدر الشخص في العلم إلا من ساواه في رتبته في نفسه, وإنما يعرف قدره بمقدار ما أوتيه هو" (21) .
7- يقول ابن خلكان:"لم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله " (22) .
ومن خلال هذه الأقوال وغيرها , ومن خلال ما تركه الغزالي من مصنفات نفيسة , يتبين لنا أن الغزالي بلغ درجةً عاليةً بين علماء عصره , فقد بلغ رتبة الاجتهاد .
الهوامش :
(1) السبكي , طبقات الشافعية الكبرى , ج6 / ص 191.
(2) طوس : هي ثاني مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ ,وكانت تتألف من بلدتين يقال لإحداهما :الطابران وهي التي بها مدينة طوس , ويقال للأخرى نوقان ولهما أكثر من ألف قرية , فتحت في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه, وبها قبر هارون الرشيد , (انظر: الحموي, معجم البلدان, ج4/ ص49 ).
(3) ابن خلكان ,وفيات الأعيان, ج4/ص217.
(4) المرجع نفسه .
(5) السبكي , طبقات الشافعية الكبرى , ج6 / ص 191.
(6) الأعسم, الفيلسوف الغزالي , ص30.
(7) الحموي : معجم البلدان, ج4/ص49.
(8) السبكي , طبقات الشافعية الكبرى , ج6 / ص 191.
(9) السبكي , طبقات الشافعية الكبرى , ج6 /ص201 .
(10) ابن كثير, البداية والنهاية ,ج12/ ص214؛ الشرباصي , أحمد : الغزالي والتصوف الإسلامي , ص 56 .
(11) الشرباصي , المرجع السابق ص 23 .
(12) السبكي , طبقات الشافعية الكبر ى , ج 6/ ص193, 194 .
(13) المرجع نفسه .
(14) المرجع نفسه .
(15) المرجع نفسه, ج6/ ص60 .
(16) المرجع نفسه ,ج6/ ص195 .
(17) المرجع نفسه, ج6/ ص196-215 .
(18) المرجع نفسه , ج6/ص2000, 2001.
(19) المرجع نفسه, ج6 / ص202 .
(20) المرجع نفسه, ج6 / ص206 .
(21) المرجع نفسه, ج6 /ص191 .
(22) ابن خلكان , وفيات الأعيان ,ج4 / ص216.
ابحث
أضف تعليقاً