
محمد المراكبي
يعد الوقف واحدًا من فرائد الأمة الإسلامية التي تفخر بها على غيرها من الأمم، وقد كان للوقف دور عظيم في النهضة الإسلامية، فعلى مدار التاريخ الإسلامي لم ينحصر الوقف في مساعدة المحتاجين وسد عوز المساكين، بل كانت له اليد الطولى في إثراء الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية. والوقف يعد حالة دراسية ثرية للتعبير عن طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي كان يعيشها المسلمون في ظل الخلافة الإسلامية، وهو كذلك يعكس تعاليم الشريعة الإسلامية وجمالها في الأمر بالبذل والعطاء، ونحن في هذا المقال سنعدد بعض الجوانب الجمالية في الوقف الإسلامي التي قل ما ينتبه لها أحد في حضارة من الحضارات الأخرى:
1- البعد النفسي للفقراء: حتى يومنا هذا ما زالت النظرة للفقير على مستوى العالم تقوم على إعطاءه ما يكفيه من الغذاء والملبس والسكن، دون أن يتطرق ذهنهم إلى الجانب النفسي، ودون أن يتصوروا أن هذا الفقير هو إنسان ذو مشاعر وأحاسيس مثله مثلنا، وأنه على الرغم مما هو فيه من شظف عيش فإنه قد يتوق إلى ما يتوق إليه الغني، وعظماء المسلمين كان يدركون ذلك جيدًا، فتجد أحدهم – على سبيل المثال - يوقف وقفا على صرف حلوى للأطفال الفقراء الذين يذهبون للكتاتيب ليتعلموا القرآن ويرون زملاءهم يشترون الحلوى من الباعة، وهم لا يجدون ما يشترون به، فتصرف لهم الحلوى من مال الوقف حتى لا يحزنوا لذلك! ومن البديهي أن الحلوى ليست غذاءً أساسيا يموت الأطفال لو لم يأكلوه، لكنها مراعاة لنفسية الأطفال الصغار ولمشارعهم، ونحن نذكر يوم كنا صغارا نذهب للكتّاب كيف كان فقراء الطلبة يأتون يلتمسون منا بعض الحلوى لأنهم لا يجدون من المال ما يشترون به الحلوى مثلنا، وكيف كان هذا يكسر قلوبهم.
ومما يذكر من هذا الباب أن أحدهم وقف وقفا على أن يُكترى –يؤجر- رجلان يمران بجوار المارستان - المستشفى - فيتحادثان بحيث يُسمعون المريض وهو يظن أنهم لا يعلمون أنه يسمعهم، ويأخذون في الحديث كيف أن وجهه قد أشرق، وأن صحته قد أخذت في التحسن، وأن الطبيب ذكر أنه سرعان ما سيخرج من المستشفى معافا، فيستبشر بذلك المريض وتتحسن معنوياته مما يساعد في سرعة شفائه. ويذكر الدكتور القرضاوي من ذلك أيضا أن أحدهم وقف وقفا ينفق منه على عدد من المؤذنين رخيمي الصوت ليرتلوا القصائد الدينية طول الليل، بحيث يُرَتل كل منهم ساعة، حتى مطلع الفجر، سعيًا وراء التخفيف عن المريض الذي ليس له من يُخفف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له من يؤنسه. وهذا بالإضافة إلى ما فيه من جمال، يكشف حنكة المسلمين في المعرفة بالطب وعلومه، وكيف أنهم أدركوا الارتباط القوي بين الجانب النفسي والجانب العضوي في جسم الإنسان.
ومن نوادر الوقف أيضا ما ينقله الدكتور الصلابي عن ابن بطوطة أنه قال: مررت يومًا ببعض أزقة دمشق، فرأيت به مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني -وهم يسمونها الصحن- فتكسرت واجتمع عليه الناس. فقال له بعضهم: اجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجمعها وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن. وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيد الغلام لابد أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضًا يكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبرًا للقلوب. جزى الله خيرًا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا. فانظر رحمك الله إلى قوله إنه يكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، وكيف أن هذا الوقف لينجبر خاطر الغلام فلا يفزع مما حدث.
2- أوقاف الرفاهية: وهي أوقاف لم تكن تعنى بسد عوز الفقراء وإطعامهم الكفاف بل كانت ترمي إلى أن تجعلهم يتذوقون حلاوة الرفاهية والغنى. قال تعالى "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" ومن ذلك ما ينقله الدكتور يوسف القرضاوي عن وقف وقفه أحدهم لإعارة الحلي والزينة في الأعراس والأفراح، يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه وبهذا يتيسر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحلة لائقة، ولعروسه أن تجلى في حلة رائقة، حتى يكتمل الشعور بالفرح، وتنجبر الخواطر المكسورة".
ومن ذلك الوقف الذي أقامه السلطان نور الدين الشهيد قرب ربوة دمشق لتنزه الفقراء وأسرهم، حيث جعل مكاناً فسيحاً جميلاً ليتنزه فيه الفقراء بأولادهم مثل ما للأغنياء؛ حتى لا يشعروا بالحرمان والمسكنة.
ويقول الدكتور أحمد أبوزيد في بحث له عن موائد الرحمن "إن الخليفة الفاطمي العزيز بالله بنى دارا سميت "دار الفطرة" خارج قصر الخلافة بالقاهرة، وقرر فيها صناعة ما يحمل إلى الناس في العيد من حلوى وكعك وتمر وبندق، وكان يبدأ العمل بدار الفطرة من أول رجب إلى آخر رمضان، ويستفيد منها الأمراء والفقراء، حيث توزع عليهم أصنافها، وكان يعمل في هذه الدار مئة صانع للحلوى وغيرها من المأكولات ، علاوة على ما هو مرتب لخدمتها من الفراشين الذين يحفظون رسومها ومواعينها، وجرت العادة في هذا العصر أن يحضر الخليفة الفاطمي العزيز بالله إلى دار الفطرة ومعه الوزير فيجلس الخليفة على سريره ، ويجلس الوزير على كرسي ، وذلك في النصف الثاني من شهر رمضان، ويدخل معهما قوم من الخواص، فيباشر توزيع الطعام على الناس بنفسه. وكذلك ما جاء في ووثيقة وقف الأمير صرغمش – من أمراء المماليك: أنه يصرف في عيد الفطر من كل سنة مائتا درهم نقرة يشتري بها كعكا وتمرا وبندقا وجشكنانا ويفرق ذلك على الأيتام ومؤدبيهم ، وعلى ما يراه الناظر في ذلك". فتأمل هداك الله كيف كانوا يوقفون أطايب الطعام وأنفسها من بندق وحلوى وكعك حتى توزع على الفقراء فيدخلهم من الفرحة مثل ما يدخل على الأغنياء، وانظر ما في هذا من نكت جميلة لطيفة.
2- حقوق الحيوان: ومن يقرأ في هذا الباب يدرك أن المسلمين قد وصلوا في العصور الوسطى إلى ما لم يصل إليه اليوم من صدعوا رؤوسنا بقسوة الإسلام على الحيوان! فهناك أوقاف كانت توقف لتطبيب الحيوانات المريضة! وأخرى تنفق على الحيوانات التي كبر بها العمر واستغنى أصحابها عن خدمتها وتركوها دون طعام لتموت، فيصرف لها طعام من مال الوقف حتى ينتهي أجلها، ويذكر الدكتور مصطفى السباعي أن الأراضي التي عليها ملعب دمشق اليوم كانت موقوفة لهذا، ويضيف الدكتور "ومن أوقاف دمشق وقف للقطط تأكل منه وترعى وتنام، حتى لقد كان يجتمع في دارها المخصصة لها مئات من القطط الفارهة السمينة التي يقدم لها الطعام كل يوم وهي مقيمة لا تتحرك إلا للرياضة والنزهة" وانظر إلى قوله لا تتحرك إلا للرياضة والنزهة تظنه يتحدث عن أمير من الأمراء لا عن قطط تدهس في عصرنا كل يوم تحت عجل السيارات.
ويذكر المأرخون أنه في العهد العثماني خصص نوع من الوقف ليوفر الذرة ونثرها على الثلوج لكي لا تموت الطيور من الجوع في فصل الشتاء عندما يكسو الثلج الأرض وتنقطع بالطيور سبل التقاط الطعام ، وكان يموت بعض منها من الجوع. فتأمل أكرمك الله في هذا وفي المشاهد التي نراها فيما يسمونه صراع الثيران لتدرك أين نحن وأين هم من حقوق الحيوان. أعاد الله علينا تلك الأيام عاجلا غير آجل .. يا رب!
ابحث
أضف تعليقاً