
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث بالآيات البينات.
وبعد:
فالتأويل: كما عرفه أهل الشأن من الأصوليين: "هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر المتبادر إلى الذهن منه ، إلى معنى آخر يحتمله، بالاستناد إلى دليل قوي يصيره راجحاً"([1]).
والذي يتبين من هذا التعريف :
$11- أن التأويل يكون في نص ذي طبيعة احتمالية، فالاحتمال – إذن – هو هويته المميزة له وهو الذي يفتح المجال واسعاً للاجتهاد في نطاق النص عن طريق التأويل، وبالتالي فالتأويل هو جهد عقلي ينصب على تفهم المراد من النص المحتمل وتوسيع دلالته ومعانيه.
$12- وإذا كان الاحتمال هو جوهر النص المؤول الذي يكسبه هويته ومن ثم تميزه عن غيره، ويجعله قابلا للتوجيه والحمل والتأويل، فإنه - أي الاحتمال - لا يمكن إيالته إلى معنى يشهد له بالصحة والقبول إلا باعتماد دليل صحيح معتبر شرعا، يرشد إلى تحديد إرادة الشارع في النص، وليس كل دليل.
وبهذا يتبين أن التأويل ليس احتمالا اعتباطيا؛ إذ لا يمكن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله إلا بدليل، بمعنى آخر: أن التأويل ليس بحسب الهوى والتشهي أو بحسب نزعات القارئ المؤول ورغباته. وإنما بحسب الدليل، فإذا قام الدليل على التأويل فيصرف اللفظ حينئذ عن معناه اللغوي الظاهر المتبادر إلى الذهن إلى ما يقتضيه هذا الدليل، إذ لا يؤول المؤول انطلاقا من ذاتيته.
3- التأويل من دون دليل: يكاد يجمع الأصوليون على رفض هذا النوع من التأويل لأنه قراءة فقدت أهم شرط في عملية التوجيه؛ توجيه الاحتمالات وتأويلها، وتجاوزت القانون الحاكم الضابط لهذه العملية ألا وهو اعتماد الدليل؛ فليس للقارئ أن يخرج آية من كتاب الله عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه، لأن ذلك تقول على الله بغير علم وبغير وجه حق. والقارئ للوحي الإلهي وهو يمارس فعل القراءة – أي التأويل -ينبغي أن يعلم أن ما يقوله تقصيد منه للمتكلم والقرآن كلام الله، وإلا فإن القراءة المعتمدة على مجرد الاحتمال ليست مقبولة، فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة([2])، ومن ثم فإنه لا قراءة ولا تأويل خارج اعتماد الدليل.
وقد قال العلماء: "مجرد الاحتمال لا ينهض للاستدلال"([3])، بل ينبغي تقييده "بدليل نقل أو عقل لا بمجرد محض الرأي والخيال المختل"([4]).
إن هذه القراءة، ولأنها فقدت أحد أهم شرائطها فإنها ليست تأويلا للنص ولكنها استخدام له.
"فلو اعتبر مجرد الاحتمال في القول لم يكن لإنزال الكتب ولا إرسال النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فائدة"([5]).
وعليه،يكون معنى الإستخدام غير التأويل؛إذ هو استعمال للنص الديني لأغراض ومقاصد غير واردة أو محتملة،لغياب الدليل الذي يدل عليها،بمعنى آخر:هو استعمال للنص ليوافق اختيارات المؤول.وهو ما يسمى بالتأويل البعيد أو الفاسد عند أهل هذا الشأن من الأصوليين ؛ لأنه فقد شرطا من أهم شروط التأويل الصحيح ألا و هو اعتماد الدليل.
وانطلاقا مما سبق يتعين على المتأول القيام بخطوتين منهجيتين أساسيتين:
الأولى: وهي بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه، وادعى أنه مراد من النص.
والثانية: أنه ينبغي أن يسعى في إبراز الدليل الذي جعله يصرف اللفظ إلى معنى آخر غير المعنى الظاهر، لأن الأصل في الكلام حمله على ظاهره، والتزام الظاهر، ولا يصار إلى خلافه إلا بدليل حتى يكون التأويل صحيحاً ومقبولا.
إن اهتمام علماء الشريعة بالتأويل نابع من الخوف من نتائج العملية التأويلية، وما يمكن أن يصيبها من انحراف أو زلل بسبب الطبيعة الاحتمالية للنص المؤول، ولاسيما أن هذا النص له من الهيبة والقدسية ما يستوجب الكثير من الحيطة وعدم التسرع، كما يقتضي عدم الركون لرغبات النفس في الوصول إلى تأويلات قد تكون مشتطة وغير سليمة.
4- : أن التأويل لا يعتمد على منطق اللغة وحده، بل يتجه إلى المعاني، يرجح منها المجتهد ما يرى أنه مقصود الشارع من النص، ولو كان هذا المعنى المحتمل أضعف مما يفيده النص بظاهره؛ لأن الألفاظ - (الواردة في النص) - هي أدوات المعاني وطريقة الوصول إليها، وأن الاهتمام بها بمقدار ما تؤديه بمعان وأغراض والتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم ومقصوده.حتى قيل : الألفاظ حصون المعاني.
واللفظ العربي له من الطاقة ما يمكنه من حمل أكثر من معنى، والتأويل هو الطريق إلى ذلك. غير أن هذا المعنى المحتمل، هو ما يغلب على ظن المجتهد أنه مراد الشارع وقصده من الكلام، وليس يقينا دائما، ولا اطمئنانا تاما، فقد جاء عن الغزالي في "المستصفى": "إن التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر"([6])، ما يفيد أن التأويل – أي الحمل والصرف والتصيير للفظ – لا يقوم على القطع، بل يسير في ساحة الظن، وهو ما قد يدفع بالبعض إلى التساهل والتجاسر على النص بالحمل، لكونه ظنا فحسب. غير أن هذا الظن ليس ناتجا عن مجرد تخمين يدفعه الهوى ويغري به، بل هو بالتأكيد خلاصة عملية استدلال يقوم بها الناظر / المفسر، والقارئ / المؤول، متسلحين بكل ما تحتاجه هاته العملية من قدرات، ومعارف، وشرائط وأدلة، وإلا كان ظنا باطلا فحسب، وليس ظنا واجبا فرضه الشاهد والدليل؛ "لابد في كل قول يجزم به – أو يحمَّل – من شاهد يشهد لأصله، وإلا كان باطلا"([7]). فلا يصح ذلك إلا ببيان الشواهد، وإلا فمجرد الاحتمال لا يكفي أن يقول يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا... لأن الاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة"([8])، كما أسلفت.
إن المقصود من الظن الواجب، الآيل إلى ما استيقن منه الناظر، بعد القيام بما ينبغي لمحل الاجتهاد من استفراغ الوسع وإبلاغ الجهد وإحكام آلات الاجتهاد لبلوغ المقصود الإلهي من اللفظ القرآني، ومحاولة استبعاد كل هوى قد يختفي وراء الأدلة.
لكن معرفة قصد المتكلم من الكلام وتحديد مرماه لها دخل كبير في توجيه دلالات النص، وترجيح معنى من معانيه المحتملة.
وخلاصة القول بهذا الشأن أن علم التأويل يهتم أساساً بمتابعة طبقات المعنى من خلال استنطاق النص واستنفاد كل طاقات المعنى الكامنة فيه. من منطلق اللغة أولا وبمعرفة قصد المتكلم ثانيا.
التأويل في الرؤية القرآنية:
لاشك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب تعالى وتقدس لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة، ولكن معانيه تطابق الحقائق، لذلك فإن التأويل في الرؤية القرآنية يعني المطابقة بين الخطاب القرآني وأعيان الوجود الخارجي، فالتأويل ضمن الرؤية القرآنية قائم على فكرة الجمع والربط بين الخطاب القرآني في قراءته وتأويله وبين الوجود العيني للظواهر المبثوثة فيه. وهذا المعنى لم يهتم به لا اللغويين ولا الأصوليين كثيرا على أهميته وشيوع استخدامه في القرآن الكريم.
فالتأويل: هو التحقق والوقوع والعاقبة وهو ما تصير إليه الأمور المؤولة أيا كانت قولا أو فعلا.
وهو في القرآن يقصد به ربط الوصف القرآني بالأعيان الظاهرة في الوجود، أو بالعلاقات بينها([9]).
فيكون التأويل من باب الوجود العيني الخارجي، فتأويل الرؤيا – مثلا- هو مآلها وتحققها في الوجود، وتأويل الكلام هو الحقائق في الخارج بما هي عليه من صفاتها وشؤونها وأحوالها.
إن نص الوحي يتأبى بسبب طبيعته غير البشرية المتجلية في النص ذاته عبر ما أودع فيه من الحكمة والمعرفة المتجاوزة للأمكنة والأزمنة، يتأبى هذا النص بسبب تلك الطبيعة عن كل محاولة لإغلاقه وسجن الأنوار الساطعة منه، حتى ولو كان ذلك تحت شعار حمايته وضبط عملية تأويله؛ لأن ذلك سيكون ضد رغبته، ومعاكسا لمقصد أساسي من مقاصده المتمثلة في قدرته على الإقناع المستمر والمؤبد بهذه الطبيعة غير البشرية التي يتميز بها.
فالنص لا يتخلق تخلقا جديدا، وإنما الحياة من حوله تكشف له أبعاداً لم تكن متكشفة في الماضي.
ضوابط التأويل:
إن المنهج العلمي في بحث أي مادة يجب أن يكون مشتقا من طبيعة المادة المدروسة.
وما دام التأويل يتوخى التعامل مع النص القرآني، فإن المنهج العلمي لذلك يحتم على المؤول التعامل مع هذا النص وفق طبيعته ومصدره وخصائصه ومكوناته. وعليه فإن ضوابط القراءة التأويلية للنص القرآني، والتي يتعين على المؤول أن ينضبط لها ويتقيد بحدودها، ما هي إلا مشتقة من طبيعة هذا النص ذاته، ومستمدة ونابعة منه، بوصفها خصائص له.
وإذا كان النص المؤول ذي طبيعة احتمالية كما أسلفت وأنه حمال أوجه وأنه ينتج قراءات لا نهائية وهو ما حدا بالبعض إلى تطويع النص القرآني للآليات والمناهج والنظريات التأويلية الحديثة إلى درجة التشرد والتسكع في كل الاتجاهات، فإذا كان هذا شان النص المؤول ذي الطبيعة الاحتمالية ينتج قراءات لا نهائية، فهل هذا يعني أنه يسمح بأي قراءة ممكنة؟
وهل من المعقول أن يترك النص لعنف القارئ المزهو بقدرته، والمسكون بنزواته والمهووس بغرائزه ولذاته، ولمحاولته من أجل استعباد النص حتى ينصاع لما يريد.
إذن فما هي حدود التأويل؟ وما شرعيته؟
وللإجابة على هذا السؤال أقول: إن أولى الضمانات التي يتملكها القارئ / المؤول عن صحة العملية التأويلية وشرعيتها هو العودة إلى النص، باعتباره الوسيلة الوحيدة المعقولة لقول أي شيء عن معنى ودلالة النص. فمنه الانطلاق وإليه العودة. فلا شيء خارج النص إلا ما أحال عليه النص ذاته، ولا شيء يحكم النص من خارجه غير ما حدده النص نفسه.
فالتأويل إذن، هو قراءة موجهة من النص ذاته، من خلال ما رسمه النص نفسه من مسلمات لقراءته، وهذه المسلمات التي رسمها النص لنفسه لقراءته وتأويله هي مسلمات نابعة من النص ذاته بوصفها خصائص لهذا النص القرآني، ومساطر لتحليله ومسالك لتأويله، وهي في الوقت نفسه أريد لها أن تكون ضوابط وقيودا لهذا التأويل.
إنها مسلمات بنيت أصلا من أجل القيام بعمل مزدوج، يستهدف الأول بناء نظرية لأدوات التحليل والفهم والقراءة، ويطمح الثاني في الآن نفسه، رسم حدود هذه القراءة، كل ذلك في أفق إمكان بيان شرعية هذه القراءة، والبرهنة إما على صحتها أو عدم اعتبارها.
إن أي تأويل يريد أن يحقق لنفسه الشرعية المطلوبة باعتباره تأويلا وليس شيئاً آخر، -أي ليس استخداما للنص- أن يتقيد بحدود هذه المسلمات وينضبط لها؛ لأن التقيد بها ضمان لهذه الشرعية المعتبرة المبتغاة.
وهذه المسلمات التي هي بمثابة قيود للعملية التأويلية الهدف منها: أن تعصم النص الديني من الذوبان، والتسيب حتى لا يبقى مفتوحا على أية قراءة وإن كانت متسكعة وشاردة، ومن أن يتحول النص من قطب ومركز للمعرفة والتأطير إلى أن يحل محله القارئ / المؤول فيصبح هو القطب والمركز وبالتالي يندثر النص ويقبر، وتنتقل القدسية من النص إلى سلطة القارئ.
هذا، وإن السير وفق ضوابط وقيود للتأويل لهو تعقيد للعملية الفكرية وتهذيب لمسارها، ولا يعني ذلك أبداً الحجر على العقول أو تقييدها، وإنما المراد بذلك هو لفت اهتمام الباحثين والدارسين للنص الديني إلى أن الحرية في مجال فهم النصوص الدينية وتأويلها لا تعني إلغاء الضوابط والسير وفق الرغبات والاجتهادات العقلية المحضة، بل لابد من استحضار الضوابط التي تحفظ لعلمية التأويل هاته شرعيتها وعلميتها وموضوعيتها.
وهذه المسلمات هي([10]):
أولا: مسلمة انسجام النص ووحدته:
إن شرط انسجام النص وتماسكه بالاعتماد عليه، يمنح للتأويلات صفة الشرعية أو عدمها؛ لأن أي تأويل لأي جزء معين من النص لن يكون مقبولا إلا حين تؤكده جزئيات النص الأخرى، أو على الأقل لا تشكك فيه. هذا هو المقصود بانسجام النص([11])، أي النظر إلى النص في كليته وانسجامه وأنه قطعة واحدة، وليس بصفته نتوءات مجزأة لا يشير بعضها إلى بعض. ويكاد يجمع التأويليون على أن وظيفة المؤول هي البحث عن انسجام النص. وما دام المؤول يعمل مع نص بلغ درجة الكفاية اللغوية ووصل مرتبة الإعجاز وله مقاصد معرفية كونية واضحة، فمن غير الممكن العثور على تعارضات دلالية فيه، فهو كلام الله المنزه عن التناقض والاختلاف. لقد كان علماء التفسير على وعي تام بقضية الانسجام فجعلوا من أصول التفسير: تفسير القرآن بالقرآن، فما غمض هنا توضح هناك، وما أجمل في موضع فصل في آخر. ومن خلال هذه المسلمة نخلص إلى القاعدة التالية: [كل تأويل أدى إلى تعارض أجزاء النص فهو تأويل فاسد].
والنص إذا كان منسجما فهو يمثل التجسيد الفعلي لمقصدية النص التي تتطابق مع حدود العملية التأويلية.
ثانيا: مسلمة المقاصد:
لقد أصبحت مقاصد المتكلم مؤشرات حاسمة في عملية التأويل، ومثّلَ إلغاؤها إلغاء لجزء معتبر من معمار المعنى النصي إن لم يكن إعداما مطلقا له.
فمقاصد المتكلم حاكمة وموجهة، ومن ثم تصبح وظيفة المؤول حينئذ هي السعي لاكتشاف مقصد المتكلم واعتباره محدداً التأويلات المقبولة، ومعنى النص ينبغي النظر إليه في صلته بمقاصد المتكلم.
إن إعمال المقاصد في تأويل القرآن لتعصم "القارئ" / المؤول من إنتاج تأويلات تصطدم مع المقاصد الربانية، ومن خلال هذه المسلمة يمكن صياغة القاعدة التأويلية الآتية:
[كل تأويل تعارض كلا أو جزءا مع مقصد من مقاصد الشريعة فهو تأويل فاسد كلا أو جزءاً].
والمقاصد هي موضع ومجال لتعاون أو حوار القارئ مع النص، لكن ليس كل قارئ وإنما القارئ المسلم والمنضبط في الوقت نفسه للمسلمات التي رسمها النص ذاته.
كما أن اعتبار المقاصد يحد من سلطة المؤول في إملاء أهوائه وتصوراته على النص، والمقاصد المعتبرة هي ما تضافرت نصوص الشريعة على تأييدها باستقراء هذه النصوص.
ثالثا: مسلمة اللسان:
إن النص بوصفه كلا منسجماً هو التجسيد الفعلي لمقصد النص، وحتى يتحقق هذا الانسجام وبالتالي تستخلص مقصدية النص التي تتطابق مع حدود التأويل، ينبغي على التأويل أن يراعي لسان هذا النص بكل ما يمثله اللسان من قواعد نحوية وقوانين ثقافية.
إن مقاصد الشارع التي يجسدها نص الوحي المنسجم والموحد والتي تمثل حدود التأويل، ليس لها من سبيل موصل إليها غير لسان العرب إذ إن "لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشارع"([12]).
و لسان العرب باعتباره يمثل المشترك الذي يسري بين المتخاطبين، وصلة وصل بين القارئ والنص، لا يجوز تجاوزه حين تأويل الخطاب، بوصفه هو جماع الممارسة اللغوية العربية معجما ودلالة وتداولا.
إن هذا القيد التأويلي – (المتمثل في لسان العرب) – له صفة التحكم في المسلمتين السابقتين: (مسلمة الانسجام، ومسلمة المقاصد)، ويعتبر المفهوم الحاسم للتأويل، والراسم لحدود المساحة الممكنة لحركته، والفاصل بين قراءة شرعية "راسخة" ومقبولة، وقراءة "زائغة" غير مقبولة، بين قراءة يحكمها منطق محدد ومرسوم، يستمد شرعيته من مسلماته النابعة من النص المدروس ذاته: منطق لغوي يعتمد الدلائل والحجج والشواهد من أجل الوصول إلى المعنى المراد، والبرهنة عليه، وبين قراءة يحكمها الهوى، وتسيرها العصبية، ويغيب فيها المنطق اللغوي المنضبط لما أراده النص وأفصح عنه من خلال المسلمات التي رسمها إطاراً عاماً لتأويله.
إن مراعاة قانون لسان العرب هو الضابط لعملية التأويل وتقييدها حتى لا تخرج عن كونها تأويلا إلى كونها استخداماً، إنه المفهوم الذي يسيّج التأويل ويحميه ضد كل من يحاول أن يتسلط على النص استجابة لرغباته أو نزواته أو لذاته. ومن خلال هذه المسلمة يمكن صياغة القاعدة التالية: [كل معنى مستنبط من النص غير جار على لسان العرب فهو تأويل فاسد].
خاتمة
يتضح مما سبق أن أي قراءة تأويلية للنص، إذا أرادت أن تحقق لنفسها الشرعية والموضوعية أن تنطلق من هذا النص ذاته، وأن تكون خادمة له، لا استخداما له، تابعة له، لا تابعا لها، ولكي تكون خادمة للنص وتابعة له، يجب أن تنطلق من المسلمات التي رسمها هذا النص لقراءته وتأويله، وهي: مسلمة اللسان، ومسلمة المقاصد، ومسلمة الانسجام.
إن التأويل الصحيح هو ممارسة تحترم رصيد النص، ليس الرصيد اللسني المحض فحسب، ولكن رصيده المعرفي والثقافي، بينما الاستخدام هو ممارسة لا تحترم هذا الرصيد، بل لا تعبأ به: لأن مقصدها ليس هو إظهار معنى النص المحدد والمحدود في الوقت نفسه، بانسجامه ووحدته، ولكن هدفها أن ينصاع النص لإرادة القارئ وغاياته حتى ولو كان ذلك بممارسة العنف عليه.
إن القراءة التي ترتضيها الأوساط الحداثية للنص الديني هي قراءة متجردة عن أي ضابط يقيد حرية القارئ في سبر أغوار النص المقروء.
إنها قراءة تلقي جانبا واضع النص ومادته المكتوبة، معتمدة على كافة النظريات والمناهج الحديثة التي أريد منها أن تنمو في بيئة غير بيئتها، وتربة غير تربتها بغية تطبيقها على مادة ليست من مجالات اهتمامها.
إنها قراءة بعبارة وجيزة تعبر عن رغبة صاحبها لا عن مضمون المادة المقروءة ومفهومها، إنها استخدام للنص لأغراض صاحبها، وليست تأويلا.
لائحة المصادر والمراجع
§ الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، دار الكتب العلمية، (1400ﻫ/1980م)..
§ إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني.
§ في مفهومي القراءة والتأويل، مجلة عالم الفكر، عدد 2، مجلة 33، (2004م).
§ القراءة في الخطاب الأصولي: الاستراتيجية والإجراء، للدكتور يحيى رمضان، جدار للكتاب العالمي، عالم الكتب الحديث، الطبعة: 1، (2007م).
§ قراءة نقدية في مصطلح النص في الفكر الأصولي، أيمن علي صالح، مجلة إسلامية المعرفة، عدد 33-34.
§ مجموع الفتاوى، لابن تيمية، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، (ط:2) (1419ﻫ/1998م).
§ الموافقات، للشاطبي، طبعة دار الكتب العلمية، (بيروت – لبنان)، (ط:7) (2005م).
§ النص القرآني ذو بنية تأويلية احتمالية متنا ونطقا، ضمن كتاب: النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة، طيب تيزيني دار الينابيع للطباعة والنشر، (1997م).
§ النص الديني ومشكل التأويل، مصطفى تاج الدين، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 14، (1419ﻫ/1998م).
([1])- انظر: الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، دار الكتب العلمية، (1400ﻫ/1980م)، (ج3/ ص: 72).
وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني، (ص: 156 و157).
([2])- الموافقات، للشاطبي، طبعة دار الكتب العلمية، (بيروت – لبنان)، (ط:7) (2005م) (ج3/ ص: 318).
([3])- إرشاد الفحول، (1/ 224).
([6])- الموافقات، للشاطبي، (3/318).
([7])- المصدر السابق، (3/318).
([8])- المصدر السابق، (3/318).
([9])- انظر مجموع الفتاوى، لابن تيمية، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، (ط:2) (1419ﻫ/1998م) (مج 13، ج7، ص: 154 وما بعدها).
([10])- انظر: القراءة في الخطاب الأصولي، الاستراتيجية والإجراء، للدكتور يحيى رمضان، جدار للكتاب العالمي، عالم الكتب الحديث، الطبعة: 1، (2007م)، (ص: 462).
([11])- المرجع السابق، (ص: 462).
([12])- الموافقات، الشاطبي، (4/ 240).
موقع :حركة الاصلاح والتوحيد
ابحث
أضف تعليقاً