
عندما خلق الله الإنسان جعله في أحسن تقويم، وأفضل تكريم ، وزوده بالعقل والإرادة، وهداه إلى أحسن الأعمال وأجمل الأفعال، وحمّله الأمانة الكبرى في رعاية المخلوقات، وحفظ الموجودات وفق نظام كوني منضبط وموزون، وبعث الرسل وأنزل الكتب والشرائع من أجل تحقيق هذه الغاية الأسمى.
وبناءً على هذه الفلسفة التي تشكل محل إجماع العلماء والعقلاء في كل مراحل التاريخ منذ فجر البشرية، فينبغي أن نفهم أن الدين جاء لخدمة هذا الإنسان وتحقيق سعادته واكتمال كرامته، وإكسابه القدرة الكاملة والمكنة التامة لحمل الأمانة العامة والرسالة الإنسانية، التي تجعل منه سيداً بكل ما فيه من موجودات مسخرة له لتسهيل أداء مهمته العظيمة القائمة على الخير ونشر الخير وتعميمه، لينعم به كل الأحياء.
إن من يفهم الدين ويحمله يجب أن يكون قادراً على إسعاد الناس، وفك القيود والأغلال التي تصادر حرياتهم وتنكد عيشهم وتكتبهم في سجون الظلم والظلمات التي هي من صنع أيديهم، فقد قال الله تعالى في سورة الأعراف: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ».
إن الذي يسيء فهم الدين يحمله بطريقة مغلوطة، ويستخدمه ليجعل منه أداة للإستبداد، ووسيلة لإستعباد البشر، ومصادرة حقهم بالرأي والتعبير، ويحول دون قدرتهم على التفكير، ويجعل منهم أتباعاً مقلدين وعبيداً خانعين، يمارس عليهم التجهيل وحجب الحقائق، ويمنع عنهم كل مصادر الوعي ومنابع المعرفة، ولا يريهم الا ما يرى، ويأمرهم بعدم الاستماع للاخرين وعدم التعاطي مع الأفكارالجديدة، بحجة حمايتهم وتحقيق مصلحتهم التي لا يعرفونها ولا يملكون القدرة على معرفتها! ولا يقصد في الحقيقة إلّا حفظ سلطته وصيانة مصلحته .
وإن الذين لا يفهمون مقاصد الدين وغاياته على الوجه الصحيح؛ يجعلون منه حملاً ثقيلاً، وقيداً على حرية الإنسان، ويجعلون منه سبباً للشقاء والتعاسة في الحياة، وعاملاً من عوامل الفرقة والتناحر في المجتمع، وسبباً للقتل والإقتتال وسفك الدماء، وترويع الآمنين وإثارة الخوف والرعب، وانعدام الأمن وتدمير المنجزات وتخريب المؤسسات.
الحرية تسبق الدين وتسبق السلطة، وما وجدت السلطة إلا لحراسة حرية الانسان، وحفظها وصيانتها، ومنع الاعتداء عليها، ولم تشرع السلطة لمصادرة حريات الناس والاعتداء على كرامتهم، بل تتجلى الغاية الأسمى للسلطة في امتلاك القدرة على تهيئة جو الحرية للناس ليكونوا قادرين على الاختيار دون خوف أو وجل أو قهر أو تسلط، والدين كذلك وجد بعد خلق الإنسان من أجل تزكيته واكسابه القدرة على تمثل القيم النبيلة اختياراً حراً وبارادة مطلقة، وعقل وفهم وحكمة تردعه عن ايذاء غيره، وتمنعه من العدوان وممارسة الرذائل.
المجتمع البشري ينبغي أن يخلو من السلطة الدينية، وأن يخلو من استخدام الدين للتسلط على خلق الله، أو الاستعلاء عليهم أو قهر إرادتهم، أو مصادرة حرياتهم، ومن يستخدم الدين لممارسة الاستبداد مجرم مرتين؛ مجرم لممارسة رذيلة الاستبداد أولاً، ومجرم لصبغ الاستبداد بالدين ثانياً، وليس هناك أشد قبحاً من تديين الاستبداد أو استبداد الدين، و تجميله بعبارات التقوى والورع، فهذا نوع من الخداع والتضليل الذي يستحق أرفع درجات الجهاد وأقوى مستويات النضال.
لأن الدين عدالة ومساواة، والدين حرية وانطلاق، والدين وعي ومعرفة، والدين سعادة ورخاء، والدين محبة وإخاء، والدين حكمة وذكاء، والدين جرأة وشجاعة، والدين رسالة وكرامة، والدين انتاج وابداع، فمن حمله على غير ذلك فهو متخلف عدو لله؛ يستحق الرجم والطرد من المجتمع البشري.
جريدة الدستور
ابحث
أضف تعليقاً