wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التطرف في مواجهة التطرف
د.باسم الطويسي

إلى هذا الوقت، لم نصل إلى مصفوفة متكاملة من الأهداف وآليات العمل، تشكل خطة وطنية واضحة المعالم لمواجهة التطرف. فما يجري لا يزيد على بالونات اختبار، وأحاديث مجتزأة، بعضها ينسب لصناع القرار الرسمي، وأخرى لخبراء. ولأنها معركة الأفكار والعقول بامتياز، فإنها تحتاج إلى شجاعة وجرأة وحسابات دقيقة؛ فهي تتعامل مع المكون الديني للمجتمع الذي يعد الأكثر حساسية، والذي ما يزال الأكثر قدرة على التعبئة الاجتماعية، والتوجيه والضبط والإكراه الاجتماعي.
على هذه الخلفية، يبدو أن المهمة ليست قفزة في الهواء، ولا مجرد شعارات نطلقها وننتظر ردود الأفعال؛ على طريقة ممارسة الدهشة والصدمة في الاعترافات التي تأخذ شكل شعارات، من قبيل: "تعليمنا يغذي التطرف"، وننام ونصحو لنجد أن "مناهجنا داعشية"، و"كلياتنا الجامعية تنتج فكرا ظلاميا"، مع أمثلة مجتزأة أحيانا. وقس على ذلك شعارات ملأت الفضاء العام خلال الأشهر الأخيرة. فهذه الاستدارة الحادة من دون أفعال حقيقية على الأرض، تحتاج إلى وقفة سريعة. إذ إن التطرف المرتبط بالأديان وبالعقائد الراسخة في وجدان المجتمعات، والمتجذرة بعمق في المؤسسات، لا يمكن مواجهته بتطرف مقابل.
اليوم، نلمس إرادة رسمية واضحة تدفع نحو فتح هذه الصفحة. وهناك بدايات تفهم مجتمعي لهذا التوجه، يساعد على ذلك. فالأحداث الجارية حولنا، تجعل الناس يرون بأم أعينهم حجم الأثمان ومرارتها التي تدفع جراء المعركة التي قاد المتطرفون المنطقة نحوها. لكن هذا وحده غير كاف للوصول إلى الأهداف المطلوبة. فالتطرف في التعليم والمناهج والجامعات، وفي المؤسسة الدينية، وحتى في المؤسسة الإعلامية، ليس وليد اليوم، بل هو نتاج سنوات طويلة، ورعته مؤسسات ونخب ضمن المؤسسة الرسمية وعلى هوامشها، ونما داخل المجتمعات المحلية. لذا، فإن أي انتكاسة في جهود التغيير سوف تخلق المزيد من التطرف.
لدينا أمثلة من أماكن متعددة في العالم على معالجات متسرعة واستعراضية في سياق مواجهة التطرف، سواء داخل الإسلام أو في أديان أخرى؛ كيف خلقت الموجات المتسرعة في أميركا اللاتينية قبيل ما سمي "لاهوت الثورة" وبعده، المزيد من التطرف في بعض المجتمعات والجماعات الدينية، وفي مرات أخرى لدى التنظيمات اليسارية المقابلة لها. أيضا، حدث ذلك وسط جماعات دينية وشبه دينية في آسيا.
إن السؤال المعرفي الكبير الذي يواجه المجتمعات العربية في العقود القليلة المقبلة، في سياق السعي إلى بناء دولة مدنية قائمة على عقلانية سياسية واجتماعية، يتمثل في: كيف نحيد الدين، أو كيف نوظفه من أجل العقلانية الاجتماعية والدولة المدنية؟ لا أن نواجهه في هذه المرحلة.
إن إدارة التغيير تحتاج إلى الوعي بموضوع التغيير وآلياته، كما تحتاج إلى الحكمة والشجاعة معا. ولا يمكن أن يحدث التغيير بالشعارات وركوب الموجة الصاعدة، من دون أساس من الوضوح الأخلاقي والعقلانية، ومعرفة تضاريس المجتمع وخرائطه المعرفية والوجدانية. فمواجهة التطرف بتطرف مقابل، سيخلق انتكاسة ومزيدا من التطرف.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.