
من أنا؟ من أين جئت؟ لماذا جئت؟ إلى أين أسير وما المصير؟ هذه أسئلة شغلت بال الإنسان منذ وجد على هذه الأرض ! وأسمى غاية للإنسان هي أن يجد الجواب الشافي الكافي لهذه الأسئلة، لأنه إن وجد الإجابة عنها كان ممن يمشي سويا على صراط مستقيم ، وإلا فإنه يكون ممن يمشي مكبا على وجهه، يعيش الحياة ويغادرها وهو لا يدري لم جاء وإلى أين يمضي!! ، أمضى حياته في فلك الجسد ولم يفتح نوافذ الوجود الدالة على الرب المعبود.
وقد كانت غاية الأنبياء عليهم السلام الإجابة الوافية عن هذه الأسئلة المحيرة التي لم يستطع البشر بعقلهم الفلسفي وبحثهم الفكري الوصول إلى إجابات شافية عنها، فظل الإنسان في تيه ، يعبد الأشياء من حوله : نجما وقمرا وشمسا ، وظواهر طبيعية مختلفة ، ويصنع معبودات موهومة ينصبها أصناما تجسد ما يتخيل من معبود قادر.وكان نداء الأنبياء الموحد ، ونشيدهم المشترك في مخاطبة البشرية: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). وقد كان القرآن الكريم خاتمة الرسائل الربانية لا إلى قوم بعينهم بل إلى البشرية كلها ، ووقع في تاريخ الإسلام اختلاف واجتهاد في البحث عن الطريق الأقرب إلى الله ، وتأثر المسلمون بالأفكار والفلسفات التي وجدوها لدى الأقوام في البلاد التي فتحوها.
يبين الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في رسائل النور أن غاية وجود الإنسان ومقصوده ومطلوبه هي معرفة الله تعالى ويبين البراهين الدالة على الله ، يقول رحمه الله:
" إن مقصودنا ومطلوبنا هو: (الله لا إلهَ الاّ هو الحي القيوم) (البقرة: 255) فمن بين براهينه التي لاتعد نورد هنا أربعة منها:
البرهان الاول: هو محمد صلى الله عليه وسلم. (...)
البرهان الثاني: هذا الكون وهذا الإنسان الأكبر، ذلك الكتاب الكبير المنظور.
البرهان الثالث: هو القرآن الكريم.. ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه وهو الكلام المقدس.
البرهان الرابع: الوجدان الحي، أو الفطرة الشاعرة، الذي يمثل البرزخ ونقطة اتصال عالمي الغيب والشهادة. فالفطرة الشاعرة او الوجدان نافذة الى العقل ينشر منها شعاع التوحيد."( المثنوي العربي النوري ص 421 )
ويبين أن للوصول إلى تلك الغاية مناهج وطرق متعددة حصرها في أربعة أصول : "هناك أصول اربعة للعروج إلى عرش الكمالات وهو "معرفة الله" جلّ جلاله:
اولها: منهج الصوفية، المؤسس على تزكية النفس والسلوك الإشراقي.
ثانيها: منهج علماء الكلام المبني على "الحدوث والإمكان" في إثبات واجب الوجود.
ومع أن هذين الأصلين قد تشعبا من القرآن الكريم، إلاّ أن البشر قد أفرغهما في صور شتى، لذا أصبحا منهجين طويلين، وذوي مشاكل فلم يبقيا مصانين من الأوهام والشكوك.
ثالثها: مسلك الفلاسفة المشوب بالشكوك والشبهات والأوهام.
رابعها وأولاها: طريق القرآن الكريم الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، وبجزالته الساطعة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق إلى الله، وأقربه إلى الله، وأشمله لبني الإنسان.
ولبلوغ عرش هذا الأصل هناك أربع وسائل: الإلهام، التعليم، التزكية، التدبر."( المثنوي العربي النوري ص 427 – 428 )
ويمضي الأستاذ النورسي في بيان طريقة القرآن الكريم في تعريف الله تعالى وإثبات وحدانيته، فيرى أن ذلك يتم بطريقين أو دليلين أولهما دليل العناية والغاية ، "وزبدة هذا الدليل هي: إتقان الصنع في النظام الأكمل في الكائنات، وما فيها من رعاية المصالح والحكم، إذ النظام المندمج في الكائنات، وما فيه من رعاية المصالح والحكم، يدل على قصد الخالق الحكيم وحكمته المعجزة، وينفي نفياً قاطعاً وهم المصادفة والاتفاق الأعمى، لأن الإتقان لا يكون دون اختيار. فكل علم من العلوم الكونية شاهد صدق على النظام، ويشير إلى المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد في أغصان الموجودات، ويلوح في الوقت نفسه إلى الحكم والفوائد المستترة في ثنايا انقلاب الأحوال وتغيّر الأطوار." ( انظر المنوي العربي النوري ص 428) والدليل الآخر " هو دليل الاختراع. وخلاصته:
ان الله تعالى اعطى لكل فرد، ولكل نوع، وجوداً خاصاً، هو منشأ آثاره المخصوصة، ومنبع كمالاته اللائقة،" ( انظر:المثنوي العربي النوري ص 429 )
ثم رأينا الأستاذ النورسي من بعد وقد انكشف له وجه الحق في البحث عن طريق إلى الله يلخص ما وصل إليه في بيان موجز هوخلاصة ما ترمي إليه رسائل النور وما تقدمه لمن يقبل عليها طالبا للحق
وقد ورد هذا التلخيص في ذيل الكلمة(السادسة والعشرين) ووصفه الأستاذ النورسي بقوله : "هذا الذيل القصير جداً له أهمية عظيمة ومنافع للجميع" ( الكلمات 558 )
وأهميته ترجع إلى أنه يلخص الطرق الموصلة إلى الله تعالى ثم يبين طريقا جديدا مستوحى من القرآن الكريم،مع احترام الأستاذ النورسي للطرق الأخرى وبيان أن كل الطرق مستوحاة من القرآن الكريم ، وللطريقة التي وصل إليها الأستاذ فضل على ما سواها يقول رحمه الله :
"للوصول إلى الله سبحانه وتعالى طرائق كثيرة، وسبل عديدة ومورد جميع الطرق الحقة ومنهل السبل الصائبة هو القرآن الكريم. إلا أن بعض هذه الطرق أقرب من بعض وأسلم وأعم.
وقد استفدت من فيض القرآن الكريم - بالرغم من فهمي القاصر - طريقاً قصيراً وسبيلاً سوياً هو:
طريق العجز، الفقر، الشفقة، التفكر."(المصدر السابق)
ويمضي الأستاذ في موازنة بين هذا الطريق والطريقة الصوفية فيقول:
"نعم! إن العجز كالعشق طريق موصل إلى الله، بل أقرب وأسلم، إذ هو يوصل إلى المحبوبية بطريق العبودية.والفقر مثله يوصل إلى اسم الله " الرحمن " .وكذلك الشفقة كالعشق موصل إلى الله إلا أنه أنفذ منه في السير واوسع منه مدى، إذ هو يوصل إلى اسم الله " الرحيم " .والتفكر أيضاً كالعشق الا انه اغنى منه واسطع نوراً وارحب سبيلاً، اذ هو يوصل السالك الى اسم الله ( الحكيم ) ." (المصدر نفسه). وليتميز هذا الطريق عما سواه يلجأ الأستاذ إلى الموازنة:
"وهذا الطريق يختلف عما سلكه أهل السلوك في طرق الخفاء - ذات الخطوات العشر كاللطائف العشر - وفي طرق الجهر - ذات الخطوات السبع حسب النفوس السبعة - فهذا الطريق عبارة عن أربع خطوات فحسب، وهو حقيقة شرعية أكثر مما هو طريقة صوفية."(المصدر السابق)
ويبين الأستاذ المقصود من هذه الخطوات ويزيل ما يمكن أن يطرأ من لبس في بعضها فيقول :
"ولا يذهبن بكم سوء الفهم إلى الخطأ. فالمقصود بالعجز والفقر والتقصير إنما هو اظهار ذلك كله أمام الله سبحانه وليس إظهاره أمام الناس."(المصدر نفسه)
وقد اعتاذ السالكون إلى الله في الطرق الصوفية أن تكون لهم أوراد فما أوراد الطريق الجديد؟:
"أما أوراد هذا الطريق القصير وأذكاره فتنحصر في اتباع السنة النبوية.. والعمل بالفرائض، ولا سيما إقامة الصلاة باعتدال الأركان والعمل بالأذكار عقبها.. وترك الكبائر."(المصدر السابق)
ويمضي الأستاذ في بيان منابع هذا الطريق بخطواته الأربع :
"أما منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم فهي:(فلا تُزكّوا انفُسَكم) (النجم:32) تشير إلى الخطوة الأولى.
(ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهُم أنفُسَهم) (الحشر:19) تشير إلى الخطوة الثانية.
(ما أصابكَ مِن حسنةٍ فمن الله، ومَا أصابكَ مِن سيئةٍ فِمن نفسِك) (النساء:79) تشير إلى الخطوة الثالثة:(كلُّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجْهَه) (القصص:88)، تشير إلى الخطوة الرابعة."( الكلمات ص: 559)
ثم يسعى الأستاذ النورسي إلى إيضاح هذه الخطوات بربطها بآيات من القرآن الكريم فيقول :
"وإيضاح هذه الخطوات الأربع بإيجاز شديد هو:الخطوة الأولى:كما تشير إليها الآية الكريمة (فلا تزكوا انفسكم) وهي: عدم تزكية النفس. ذلك لأن الإنسان حسب جبلّته، وبمقتضى فطرته، محبٌ لنفسه بالذات، بل لا يحب إلا ذاته في المقدمة. ويضحي بكل شيء من أجل نفسه، ويمدح نفسه مدحاً لا يليق إلا بالمعبود وحده، وينزّه شخصه ويبرئ ساحة نفسه، بل لا يقبل التقصير لنفسه أصلاً ويدافع عنها دفاعاً قوياً بما يشبه العبادة، حتى كأنه يصرف ما أودعه الله فيه من أجهزة لحمده سبحانه وتقديسه إلى نفسه، فيصيبه وصف الآية الكريمة: (من اتّخذ إلهَه هَواه) (الفرقان:43) فيعجب بنفسه ويعتد بها.. فلابد اذن من تزكيتها فتزكيتُها في هذه الخطوة وتطهيرها هي بعدم تزكيتها."( المصدر السابق).
ثم يبين الخطوة الثانية :"الخطوة الثانية:كما تلقّنه الآية الكريمة من درس: (ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهُم انفُسَهم). وذلك: أن الإنسان ينسى نفسه ويغفل عنها، فإذا ما فكر في الموت صرفه إلى غيره، وإذا ما رأى الفناء والزوال دفعه إلى الآخرين، وكأنه لا يعنيه بشيء، إذ مقتضى النفس الأمارة أنها تذكر ذاتها في مقام أخذ الأجرة والحظوظ وتلتزم بها بشدة، بينما تتناسى ذاتها في مقام الخدمة والعمل والتكليف، فتزكيتها وتطهيرها وتربيتها في هذه الخطوة هي:العمل بعكس هذه الحالة، أي عدم النسيان في عين النسيان، أي نسيان النفس في الحظوظ والأجرة، والتفكر فيها عند الخدمات والموت." (المصدر نفسه)
ثم يبين الخطوة الثالثة ومنبعها من القرآن الكريم :
"والخطوة الثالثة:هي ما ترشد إليه الآية الكريمة: (ما اصابكَ مِن حَسَنةٍ فَمِنَ الله وما أصابكَ مِنْ سيئة فمن نفسك) وذلك: أن ما تقتضيه النفس دائماً أنها تنسب الخير إلى ذاتها، مما يسوقها هذا إلى الفخر والعجب. فعلى المرء في هذه الخطوة أن لا يرى من نفسه إلا القصور والنقص والعجز والفقر، وأن يرى كل محاسنه وكمالاته إحساناً من فاطره الجليل، ويتقبلها نعماً منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدل الفخر ويحمد بدل المدح والمباهاة. فتزكية النفس في هذه المرتبة هي في سر هذه الآية الكريمة: (قَد أفلَحَ مَنْ زَكّاها) (الشمس:9).وهي أن تعلم بأن كمالها في عدم كمالها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها، (أي كمال النفس في معرفة عدم كمالها، وقدرتها في عجزها أمام الله، وغناها في فقرها إليه)."(الكلمات ص 560 )
وأخيرا؛ يبين ملامح الخطوة الأخيرة بقوله :"الخطوة الرابعة:هي ما تعلمه الآية الكريمة: (كُلُّ شَيٍء هالكٌ إلا وجْهَه). ذلك لأن النفس تتوهم نفسها حرة مستقلة بذاتها، لذا تدّعى نوعاً من الربوبية، وتضمر عصيانا حيال معبودها الحق. فبإدراك الحقيقة الآتية ينجو الإنسان من ذلك وهي: كل شيء بحد ذاته، وبمعناه الاسمي: زائلٌ، مفقود، حادث، معدوم، إلا أنه في معناه الحرفي، وبجهة قيامه بدور المرآة العاكسة لأسماء الصانع الجليل، وباعتبار مهامه ووظائفه: شاهد، مشهود، واجد، موجود.
فتزكيتها في هذه الخطوة هي معرفة: أن عدمها في وجودها ووجودها في عدمها، أي إذا رأت ذاتها وأعطت لوجودها وجوداً، فإنها تغرق في ظلمات عدم يسع الكائنات كلها. يعني إذا غفلت عن موجدها الحقيقي وهو الله، مغترة بوجودها الشخصي فإنها تجد نفسها وحيدة غريقة في ظلمات الفراق والعدم غير المتناهية، كأنها اليراعة في ضيائها الفردي الباهت في ظلمات الليل البهيم. ولكن عندما تترك الأنانية والغرور ترى نفسها حقاً أنها لا شيء بالذات، وإنما هي مرآة تعكس تجليات موجدها الحقيقي. فتظفر بوجود غير متناه وتربح وجود جميع المخلوقات.نعم، من يجد الله فقد وجد كل شيء، فما الموجودات جميعها إلا تجليات أسمائه الحسنى جل جلاله.
الكلمة السادسة والعشرون - ص: 561
إن هذا الطريق الذي يتكون من أربع خطوات وهي العجز والفقر والشفقة والتفكر، قد سبقت إيضاحاته في " الكلمات الست والعشرين " السابقة من كتاب " الكلمات " الذي يبحث عن علم الحقيقة، حقيقة الشريعة، حكمة القرآن الكريم."( الكلمات ص 560 – 561)
ويختم الأستاذ ببيان مزايا هذا لطريق فيقول :"إلا أننا نشير هنا إشارة قصيرة إلى بضع نقاط وهي: أن هذا الطريق هو أقصر وأقرب من غيره، لأنه عبارة عن أربع خطوات. فالعجز إذا ما تمكن من النفس يسلّمها مباشرة إلى " القدير " ذي الجلال.بينما إذا تمكن العشق من النفس - في طريق العشق الذي هو أنفذ الطرق الموصلة إلى الله - فإنها تتشبث بالمعشوق المجازي، وعندما ترى زواله تبلغ المحبوب الحقيقي.
ثم إن هذا الطريق أسلم من غيره، لأنه ليس للنفس فيه شطحات أو ادعاءات فوق طاقتها، إذ المرء لا يجد في نفسه غير العجز والفقر والتقصير كي يتجاوز حده.
ثم إن هذا الطريق طريق عام وجادة كبرى، لأنه لا يضطر إلى إعدام الكائنات ولا إلى سجنها، حيث إن أهل " وحدة الوجود " توهموا الكائنات عدماً، فقالوا: " لا موجود إلا هو " لأجل الوصول إلى الاطمئنان والحضور القلبي. وكذا أهل " وحدة الشهود " حيث سجنوا الكائنات في سجن النسيان فقالوا: " لا مشهود إلا هو " للوصول إلى الاطمئنان القلبي.
بينما القرآن الكريم يعفو الكائنات بكل وضوح عن الإعدام ويطلق سراحها من السجن، فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر إلى الكائنات أنها مسخرة لفاطرها الجليل وخادمة في سبيله، وأنها مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى كأنها مرايا تعكس تلك التجليات. أي أنه يستخدمها بالمعنى الحرفي ويعزلها عن المعنى الاسمى من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها، وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائمي على نهج القرآن الكريم. فيجد إلى الحق سبحانه طريقاً من كل شيء.
وزبدة الكلام: أن هذا الطريق لا ينظر إلى الموجودات بالمعنى الاسمي، أي لا ينظر إليها أنها مسخرة لنفسها ولذاتها، بل يعزلها من هذا ويقلدها وظيفة، أنها مسخرة لله سبحانه."( الكلمات ص 561)
ابحث
أضف تعليقاً