wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
جريمة الحرابة الإرهابية في الشريعة الإسلامية
المحامي الدكتور مازن الفاعوري

عرف التاريخ الإسلامي صورا من الجرائم الإرهابية ورصد لها أشد العقوبات ولعل جريمة الحرابة أقرب صور الجرائم إلى الأعمال الإرهابية وسبق الفقه الإسلامي القانون الوضعي بأربعة عشر قرنا في تجريم الإرهاب ومكافحته وذلك بتحديد جريمة الحرابة وشروطها وعقوباتها كما وردت في القرآن الكريم، وفي هذا المقال نبحث في هذه الجريمة ثم نتطرق إلى موقف الإسلام من الإرهاب .

الفقه الجنائي الإسلامي تشدد في جريمة الحرابة لخطورتها وتأثيرها على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولكونها ذات طابع إرهابي، وتعد جريمة الحرابة من أبشع الجرائم التي ورد النص عليها في التشريع الإسلامي ووضعت لها شروط خاصة وأركان خاصة لا تتحقق إلا بوجودها لجسامة العقوبة المترتبة عليها والتي ورد النص عليها في القرآن الكريم (أنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخره عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فعلموا أن الله غفور رحيم) .

والحرابة في اللغة مصدر مشتق من فعل حارب يحارب  ولهذا الفعل عدة معان منها أن الحرب بمعنى القتل وبمعنى المعصية وحارب الله إذ عصوه كما يأتي الحرب معنى سلب .

وفي اصطلاح الفقهاء تعرف بأنها " خروج جماعه أو فرد ذي شوكه إلى الطريق العام بغية منع المسافرين أو سرقة أموالهم  أو الاعتداء على أرواحهم" وعرفها الحنفية بأنها " الخروج على المارة على سبيل المغالبة على وجه يمنع المارة من المرور وينقطع الطريق " في حين عرفها الشافعية بأنها البروز لآخذ المال أو قتل أو إرهاب ويضيف بعضهم أن يكون ذلك مكابرة أو اعتمادا على الشوكة مع البعد عن الغوث.

أما الشيعة الأمامية فإن المحاربة عندهم هي تجريد السلاح برا وبحرا، ليلا ونهارا ؛لإخافة الناس في المصر وغيره ،  وعد السارق محاربا إذا اقترف جريمة السرقة مع استعمال السلاح .

في حين وسع الظاهرية معنى الحرابة ليشمل كل مفسد في الأرض وحجتهم في ذلك أن آية المحاربين جعلت كل مفسد في الأرض محاربا والحكم مطلق يجرى على اطلاقة ما لم يرد حكم يقيده .

اما الفقه المالكي فيرى ان الحرابه هي قطع الطريق لاخذ المال واخافة الناس او قتلهم في اماكن يستحيل معها الغوث ويشترط المالكيه ان يكون الفعل بشكل علني لتحقيق مصالح ماديه غير مشروعه ، فالحرابه عندهم الاعتداء والسلب وازالة الامن .

اما الفقه الحنفي فيعرف الحرابه على انها قطع الطريق باسلوب يمنع المارّة من الفائده منه مستخدمين القوة الماديه والقتل والتخويف ،سواء وقع الفعل من شخص واحد او مجموعة اشخاص مستخدمين السلاح او بدونه، لكن الحنفية يتطلبون في المال نصابا معينا لكي يكون محلا لجريمة الحرابه وهو عشر دراهم فالمحارب قد يخرج لاخافة الناس مغالبة او بالقوة مستخدما الشوكه والمنعه في الطريق دون ان يقتل او ياخذ مالا بل مجرد الاخافة واثارة الرعب فقط ففي هذه الحالة تنطبق علية عقوبة الحرابه واذا اخذ المال فقط  دون ان يقتل احدا فهو محارب أيضا واذا قتل المحارب الناس دون اخذ المال فتحقق الجريمه وقد يخرج المحارب فيقتل الناس وياخذ اموالهم فهو محارب تنطبق عليه جريمة الحرابه وعقوبتها.اذن هو محارب تنطبق عليه الجريمه والعقوبه في كل الحالات السابقه ولمعرفة تفاصيل اكثر عن جريمة الحرابه باعتبارها الجريمه الارهابيه في الشريعه الاسلاميه سنوضح شروط تحققها والعقوبات المترتبه عليها .

ومن مجموع هذه التعريفات يمكن القول بأن فقهاء المسلمين بمختلف مذاهبهم يجمعون على أن الخروج لاخافة الناس في الطريق أو لاخذ أموالهم أو قتلهم أو جرحهم هو من قبيل الحرابة .

فالحرابة بالمجمل هي خروج طائفة مسلحة في دار الاسلام ، لإحداث الفوضى ، وسفك الدماء ، وسلب الأموال ، وهتك الاعراض ، وإهلاك الحرث والنسل ، متحدية بذلك الدين والأخلاق والنظام والقانون . ولا فرق بين أن تكون هذه الطائفة من المسلمين ، أو الذميين ، أو المعاهدين أو الحربيين ، ما دام ذلك في دار الاسلام ، وما دام عدوانها على كل محقون الدم ، وكما تتحقق الحرابة بخروج جماعة من الجماعات ، فإنها تتحقق كذلك بخروج فرد من الافراد . فلو كان لفرد من الافراد جبروت وبطش ، و فضل قوة وقدرة يغلب بها الجماعة على النفس والمال ، والعرض ، فهو محارب وقاطع طريق  ويدخل في مفهوم الحرابة العصابات المختلفة ، كعصابة القتل ، وعصابة خطف الأطفال ، وعصابة اللصوص للسطو على البيوت ، والبنوك ، وعصابة نهب الثروات ، وعصابة خطف البنات والعذارى للفجور بهن ، وعصابة اغتيال الحكام ابتغاء الفتنة واضطراب الامن ، وعصابة إتلاف الزروع وقتل المواشي والدواب ، وكلمة الحرابة مأخوذة من الحرب ، لأن هذه الطائفة الخارجة على النظام تعتبر محاربة للجماعة من جانب ومحاربة للتعاليم الاسلامية التي جاءت لتحقق أمن الجماعة وسلامتها بالحفاظ على حقوقها من جانب آخر ، وكما يسمى هذا الخروج على الجماعة حرابة ، فإنه يسمى أيضا قطع طريق ، لأن الناس ينقطعون بخروج هذه الجماعة عن الطريق ، فلا يمرون فيه ، خشية أن تسفك دماؤهم ، أو تسلب أموالهم ، أو تهتك أعراضهم أو يتعرضون لما لا قدرة لهم على مواجهته ، والحرابة تعتبر من كبريات الجرائم ، ومن ثم أطلق القرآن الكريم على المتورطين في ارتكابها أقصى عبارة فجعلهم محاربين لله ورسوله ، وساعين في الأرض بالفساد وغلظ عقوبتهم تغليظا لم يجعله لجريمة أخرى ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلن أن من يرتكب هذه الجناية ليس له شرف الانتساب إلى الإسلام ، فيقول : " من حمل علينا السلاح فليس منا " وإذا لم يكن له هذا الشرف وهو حي ، فليس له هذا الشرف بعد الوفاة ، فإن الناس يموتون على ما عاشوا عليه ، كما يبعثون على ما ماتوا عليه . وحكم النساء والموالي في الحرابة واحد ؛ لأنه ليس للأنوثة ولا للرق تأثير على جريمة الحرابة ، فقد يكون للمرأة والعبد من القوة مثل ما لغيرهما ، من التدبير وحمل السلاح والمشاركة في التمرد والعصيان ، فيجري عليهما ما يجري على غيرهما من أحكام الحرابة ، ولا عبرة بنوع السلاح الذي يستخدمه المحاربون حتى لو تسلحوا بالعصي والحجارة .

وأذا ما آجرينا مقارنه بين هذه الأفعال والصور المعاصرة من الجرائم الإرهابية نجد انهما يتفقان من حيث توافر العنصر النفسي ونشر الرعب أو الخوف وقد تقدم أن الشافعية عرفوا الحرابة بأنها البروز لآخذ المال أو إرهاب ، كما اشترط الفقهاء تجريد السلاح والمكابرة بالاعتماد على الشوكة والمغالبة وهو ما ينطبق على اكثر العمليات الإرهابية في الوقت الحاضر لاسيما أعمال القرصنة البحرية وخطف الطائرات حيث يمتنع الغوث ويتم استخدام السلاح أو التهديد به لنشر الرعب بين المسافرين .

وعلى ذلك نجد أن جريمة الحرابة في الشريعة الإسلامية هي الصورة المقابلة للجريمة الإرهابية في التشريع الوضعي وقد حرص الإسلام على ضمان أمن واستقرار المجتمع باعتبار هذه الجريمة من الكبائر ورصد لها أشد العقوبات لما في قطع الطريق وقتل الناس وإرهابهم من إشاعة للفوضى والرعب واخلال خطير للنظام العام ، ومن المهم القول ان جريمة الحرابه من الكبائر بسبب ما يشيعه قطاع الطرق من الارهاب والخوف في نفوس الناس ويمنعهم من ممارسة اعمالهم والتنقل في بلاد الاسلام بحريه ، والمقصود بالحرابه من الناحيه اللغويه محاربة الله ورسوله أي تحول قاطع الطريق الى محارب لكل القيم السماويه والساميه التي جاءت بها الشريعه الاسلاميه الغراء والتعبير جاء مجازي لانها محاربة غير مباشره لمن يحارب عباد الله تعالى في تنقلهم ويبعث الرعب في نفوسهم انما يحارب الله ورسوله وسميت الحرابه ايضا بالسرقه الكبرى بالرغم من الاختلاف بين الحرابه والسرقه فهذه الاخيره تستوجب اخذ المال خفية بينما الحرابه يؤخذ المال فيها بالقوة عن طريق الترهيب والرعب والبعد عن الاستغاثه ومفاجأة المجني عليه باستعمال السلاح او بدونه ،وقد يقوم بها شخص او مجموعة اشخاص . وحيث لازلنا في المعنى الاصطلاحي فان الفقهاء المسلمين يعرفون الحرابه بتعريفات متعددة ذات مضمون واحد فيقولون بانها قيام شخص او جماعة باخافة الناس او قتلهم واخذ اموالهم او ترهيبهم فقط واخذ اموالهم او ربما قتلهم فقط دون اخذ المال.

 شروط تحقق جريمة الحرابه

اتفق الفقهاء المسلمون على الشروط العامه لتحقق هذه الجريمه الا ان الاختلاف بينهم في تفاصيل تلك الشروط ، فمنهم من تطلب في مقترفي الجريمه ان يكونوا ذكورا وان الحد لا يقام على الاناث ، اما الراي الاخر فيرى ان الآية الكريمة التي جرمت الحرابه وردت عامه والعام يجري على اطلاقه مالم يقيد حيث جاء في الاية (( انما جزاء الذين يحاربون )) فهي وردت بصيغة المذكر وتفسير الآية يفيد ان لفظ المذكر الجمع انما ينصرف الى الذكر والانثى ، ويرى هذا الراي ايضا ان الوسائل الحديثه المتوفره للمرأة وما تستطيع ان تقوم به لايقل خطورة عن دور الرجل في قيامه بالجريمه ، ونرى ان الراي الثاني اقرب للواقع لما نشاهده من تنظيم النساء للعصابات الاجراميه المنظمه واستخدام الاسلحه والتقنيات الحديثه في ارتكاب الجريمه ، وبخصوص السلاح ودوره في الجريمه فبعض الفقهاء اشترط لكي تتحقق الجريمه ان يحمل الجناة سلاحا ظاهرا او مخبئا بغض النظر عن نوعه ، بينما هناك من الفقهاء من يرى ان الجريمة تعتبر واقعه فعلا ولو لم يكن الجاني او الجناة يحملون سلاحا وذلك لان صفة المغالبه واقعه من قبل الجناة عن طريق الرعب والارهاب الذي يحدثوه في نفوس المجني عليهم وعدم قدرة هؤلاء الاخيرين على طلب الغوث من السلطة العامه او من الناس فالمعيار وفق الراي الاخر هو استحالة الاستغاثة لاسباب متعددة قد تكون بعد المكان عن العمران او حصول الجريمه ليلا او لان المجني عليه لا يستطيع مقاومة عدد من الجناة ، والراي الثاني اقرب للصواب فالسلاح ليس ضروريا فقد يحدث مجموعه من قطاع الطرق الرعب والخوف في نفوس الناس المسافرين في الطريق العام الخارجي دون ان يحمل الجناة الاسلحة او يحملون العصي فقط لان المفاجأة التي تحصل للمجني عليهم تجعلهم يتصورون ان الجناة يحملون السلاح وانه ليس من السهولة القيام بهذا الفعل الارهابي بدون سلاح وانه يحتاج الى قدره عاليه لمخالفة الشرع تأباه النفوس الصحيحه والسليمه ومن الشروط التي نتج عنها اكثر من رأي بين الفقهاء مسألة مكان وقوع الجريمه او مكان قطع الطريق كما يسميه الفقهاء المسلمون ، فمنهم يرى ان الحرابه لا تتحقق كجريمه ارهابيه الا اذا وقعت بعيدا عن المدن وفي الطرق النائيه لانعدام الغوث ، اما اذا وقعت في الامصار ( المدن ) فيرى هذا الاتجاه ان الاستغاثة ممكنه ولا يجوز ان نكون امام جريمة حرابه ، بل جريمه من نوع اخر ، فقد تكيف على انها سرقه ، او جريمة قتل او سرقه بظروف مشدده او قتل بظروف مشدده ، اما الاتجاه الثاني بخصوص مكان وقوع الجريمة فيعتقد ان الجريمة تعتبر واقعه فعلا سواء وقعت في الطريق العام ام داخل المدن ، في الليل ام في النهار ، لان العبرة بمنعة الجاني وقوته وسيطرته على المجني عليه وعدم استطاعة هذا الاخير المقاومه والاستغاثه ، والحق ان الراي الثاني هو الارجح في نظرنا لانه يستوعب الحالات المتعددة .

وما يخص ضرورة مباشرة قاطع الطرق او المحارب للجريمة بنفسه او بالاشتراك مع اخرين فهناك رأي ان الجريمة تنطبق فقط على فاعل الجريمة الاصلي الذي باشر الفعل الاجرامي بنفسه اما من حرضه او ساعده بتوفير المواد واللوازم والاسلحه المسهله للجريمه ، او من كان يراقب الطريق او من وفر للجاني الحراسه او الحمايه فكل هؤلاء ليسوا محاربين ولا ينطبق عليهم وصف الحرابه كجريمه حديه في الفقه الجنائي الاسلامي بل تنطبق عليهم جرائم وعقوبات كل حسب الفعل الذي اقترفه فاذا شكل الفعل الاجرامي جريمه مستقله قائمه بذاتها فيصار الى تطبيق عقوباتها سواء كانت من جرائم الحدود او القصاص او يصار الى تطبيق العقوبات التعزيريه على حالة الاشتراك في الجريمه ولا تطبق عقوبة جريمة الحرابه الا على الفاعل الاصلي في الجريمه ، اما الرأي الثاني فيرى أن الحرابه في الغالب تتطلب القوه والمنعه والشوكه واستعمال السلاح واشتراك عدد من الجناة واستخدام وسائل النقل المختلفه وتتطلب معاونة ومساعدة وتهيئة مستلزمات لذلك فيكون هناك فاعلين اصليين وشركاء في الجريمه ويرى هذا الاتجاه تطبيق عقوبة الحرابه واعتبار الجريمه متحققة بالنسبة للفاعلين الاصليين والشركاء على حد سواء دون تفريق بينهم باعتبار ان كل منهم يؤدي دوره في وقوع جريمة الحرابه .ان الراى الثاني يحقق الحكمه التي ارادها الشارع المقدس من فرض عقوبة جريمة الحرابه باعتبارها من جرائم الحدود لانها تمس الامن الداخلي للدوله وسلامه طرقاتها ومن شأن تشديد العقوبه في هذه الجريمه كما جاءت في الشرع الاسلامي يوفر الحماية لتحرك الناس واداء مصالحهم ولكي لا يحصل تعاون ومساعده مع مرتكبي مثل هذه الجريمه ، كذلك فان الفقه الإسلامي لا يفرق بالنسبة لفاعل الجريمه ان يكون مسلما او ذميا ، حيث إن الجريمة تقع في بلاد الاسلام ويفترض ان القانون الجنائي يسري على كل من يعيش على ارض الدوله مسلما او ذميا او مستأمنا ، لكن هناك رأي لقليل من الفقهاء يستوجب ان يكون الجناة مسلمين حتى يطبق النص عليهم اما اذا كانوا من الذميين فلا ينطبق عليهم باعتبار ان قطع الطريق والاشتراك في جريمة الحرابه يشكل نقضا للعهد الذي قطعه الذمي على نفسه عندما سكن في بلاد الاسلام ويعامل في حالة قيامه بجريمة الحرابه او اشتراكه فيها بأية طريقه على انه ناقض للعهد فيباح دمه وماله فالملاحظ ان الراي الاول اكثر تحقيقا لاهداف النص القرآني الكريم كما انه يساير المبادئ العامه في الفقه الجنائي الاسلامي والحديث .

عقوبة جريمة الحرابه

الحرابه من جرائم الحدود التي شرعت عقوباتها ، الا ان النص القرآني الكريم في آية الحرابه قرر عدة عقوبات لهذه الجريمه الخطره وهي القتل والصلب وقطع الايدي والارجل من خلاف والنفي ، والخلاف في الرأي بين الفقهاء هل ان هذه العقوبات تطبق على مرتكب جريمة الحرابه اذا توفرت شروطها بصورة كيفيه حسب رأي الامام او القاضي ام يحدد لكل فعل اجرامي مكون لجريمة الحرابه نوع العقوبه التي يجب ان تطبق على الجاني ، وفي هذا المجال هناك رأيان الاول يقرر ان الشارع المقدس حدد لكل فعل من الافعال المكونه للجريمه ( الحرابه ) والتي تتحقق بفعل ولو واحد من تلك الافعال الاجراميه عقوبه محدده فحدد الباري عز وجل لجريمة القتل في الحرابه ان يعاقب الجاني بالقتل واذا اخذ الجاني المال فقط تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى واذا اخاف الناس وارعبهم وعبث في امن الطريق دون قتل او اخذ مال بل مجرد الارهاب والرعب يعاقب بالنفي واذا اخذ الجاني المال وقتل المجني عليه يعاقب بالقتل والصلب، ويرى بعض الفقهاء ان المقصود بالنفي في هذه الحاله هو السجن المؤقت بينما يرى اخرون ان المقصود بالنفي ان يطرد الجاني الى بلاد بعيده يتعذر عليه العوده دون مساعدة من ولي الامر أي السلطة العامه ، فنستنتج ان هذا الرأي يقرر لكل فعل عقوبه كما حددها النص القرآني ، اما الرأي الثاني فيرى ان الجريمه اذا وقعت فان القاضي او الامام يملك السلطة التقديريه الكامله لايقاع العقوبه المناسبه بالنظر الى المصلحه العامه أي مصلحة المجتمع بشرط ان تقرر العقوبة من بين العقوبات التي وردت في آية الحرابه والتي لايجوز تغييرها او تعديلها او تبديلها لانها من جرائم الحدود كما اسلفنا وينظر الامام او القاضي في هذه الحاله الثانيه الى خطورة الجاني وليس الى خطورة الجريمة ، وجاء هذا الاختلاف في الاراء بسبب الاختلاف في تفسير نص الآية الكريمة (آية الحرابه) وبالذات في تفسير كلمة ( او ) التي وردت في النص فمنهم من يعتبر كلمة ( او ) جاءت على سبيل الترتيب بينما يعتبرها البعض الاخر جاءت على اساس التخيير .

فالفقه الظاهري يرى ان الامام مخير في تحديد العقوبه المناسبه لجريمة الحرابه بغض النظر عن الفعل المكون للجريمه سواء اخاف الجاني السبيل فقط او اخذ المال او قتل فقط او قتل واخذ المال معا.

اما الفقه المالكي فيرى ان الامام يملك سلطه تقديريه في اختيار العقوبه اذا لم يكن الجاني قد قتل فاذا قتل فالامام اوالقاضي مخير بين ان يقتله او يقتله ويصلبه .

ويرى الفقه الحنفي ان المحارب اذا اخاف السبيل فقط فعقوبته النفي ولا يجوز تطبيق العقوبات الاخرى عليه والتي وردت في اية الحرابه ، أي لا يجوز قتله او قطع يده ورجله من خلاف .

بينما يعتقد الشافعيه جواز فرض عقوبة تعزيريه عليه اما اذا اخذ المحارب المال دون ان يقتل فالرأي الراجح لدى الشافعيه والحنفيه ان تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، اما اذا قتل الجاني ولم ياخذ المال فيرى الجعفريه وجوب قتله دون الصلب اما اذا قتل واخذ المال فالواجب قتله وصلبه امام الناس للقضاء عليه اولا، وزجر غيره ثانيا ممن يحمل في نفسه نية ارتكاب مثل هذه الجريمه ، وفي حالة الصلب تعددت الاراء هل ان الصلب قبل القتل ام بعده فالبعض يرى ان الجاني يقتل اولا ويعلق في مكان عالي ليشاهده الناس وهناك رأي اخر يقول يصلب على خشبه ويطعن في قلبه حتى يموت اما الرأي الثالث يرى وجوب شده في مكان عالي دون طعام او شراب حتى يموت ، ولا يجوز التمثيل بالجاني لان الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نهى عن المثله ولو بالكلب العقور.

 ومن كل ماتقدم يتضح لنا ان الشريعه الاسلاميه الغراء سبقت كما هي دائما كل القوانين الوضعية في تحديد الجريمه الارهابيه وتشريع أقسى العقوبات لها ومحاربة الإرهاب والإرهابيين بينما لم تعرف القوانين الوضعيه الإرهاب والجريمه الارهابيه الا في وقت متأخر جدا قياسا على التشريع الذي جاء به الفقه الجنائي الإسلامي مستندا للقران الكريم كما ان هذا الفقه جاء مرنا ومتطورا ليواكب ويعالج كافة حالات الارهاب المتجدده مثل خطف وقتل الاشخاص واستخدام الاسلحه الحديثه وخطف الطائرات واستعمال التقنيات الحديثه في الارهاب ، كما ان الفقه الإسلامي اعتبر الحرابه جريمه عاديه بغض النظر عن الباعث على ارتكابها حتى لو كان الباعث عليها سياسيا وذلك بسبب جسامة الخسائر الماديه والبشريه التي تخلفها الجرائم الارهابيه وبسبب عدم التناسب بين الغايات والبواعث السياسيه التي تدعيها الجماعات الارهابيه وبين الطرق الوحشيه والإجراميه التي تتبعها العصابات او المنظمات الارهابيه لذلك فإن الشريعه قررت منذ اربعة عشر قرناً أن هذه الجريمه من الجرائم العاديه ، وقررت لها اشد العقوبات وسنشير الى الجريمه السياسيه المتمثله بجريمة البغي خلال حديثنا في المطلب الثاني .

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.