wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار"
د. محمد خازر المجالي

في سورة القصص التي جعل الله معظمها للحديث عن موسى عليه السلام؛ طفولته ونشأته، ورحلته إلى مدين وعودته وتكليفه بالرسالة، وقصته مع فرعون وعرض الآيات عليه، وما حل بفرعون وجنده، إذ أغرقهم الله تعالى، ونجّى موسى ومن معه؛ عقب آية الإهلاك هذه: "فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ" (القصص، الآية 40)، بعدها مباشرة يأتي قول الله تعالى: "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ" (القصص، الآيتان 41 و42). ومعلوم أن آخر السورة عرض لنموذج ظالم آخر، لواحد من قوم موسى، بغى على قومه فيما آتاه الله من الكنوز، وخسف الله به وبداره الأرض، وجعله الله عبرة للناس.
قصتان في سورة القصص، واحدة تحكي نموذج الطغيان في الحكم حيث فرعون، وأخرى تتحدث عن الطغيان في شأن المال. والنتيجة واحدة؛ إذ الكبْر سيد الموقف، وفي المقابل أناس مستضعفون، لكنهم آمنوا بالله، فتكفل الله بهم، ونجاهم ومكن لهم في الأرض. وهي قصة الإيمان والكفر يقصها ربنا سبحانه علينا في نماذج من القصص كثيرة.
والعجيب أن سورة القصص جاءت بعد سورة النمل، حيث نماذج القدوة في الحكم، ومعالم الجندية والقيادة الحكيمة والطاعة؛ فحتى النملة برز دورها القيادي الحكيم. وبعد قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ، يأتي حديث مختصر عن نموذجين سلبيين يفسدان المجتمع، حيث قوم ثمود والرهط التسعة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وحيث قوم لوط وفعلتهم الشنيعة. فالفساد بأنواعه، خاصة الفوضى، والأخلاق مشتتة لجهود المجتمع قاضية على معالمه وأركانه. وفي السورة التي بعدها نموذجان للطغيان، في الحكم والمال كما بينت.
وكأني بآيات سورتي النمل والقصص تحاكي مجتمعاتنا، في خطورة الفساد بأنواعه من جهة، وبضرورة وجود النماذج الصالحة المصلحة الحكيمة، التي تتمتع بالجندية والطاعة والانقياد لله أولا، وتسلم أمرها له سبحانه، وإلا كان الهلاك والاستعباد من قبل البشر للبشر، وضياع كرامة الإنسان وحريته وسائر حقوقه. وهذا ما يريده من يسير على خطى فرعون ومن معه.
وعودة إلى الآية من سورة القصص، فقد جعل الله تعالى فرعون وجنده أئمة، وأي أئمة هؤلاء؟ هل هم أئمة خير وقدوة وصلاح؟ لا والله، بل أئمة يدعون إلى النار! إنهم دعاة، ولكن لا للخير، بل دعاة إلى النار؛ فقد صاروا بأفعالهم وطغيانهم وكبرهم دعاة إلى النار، أو قل دعاة على أبواب جهنم (كما في وصف النبي صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه)، حين يصبح هؤلاء نماذج سلبية يقلدهم فيها غيرهم من أهل الطغيان.
أما قوله تعالى "وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ"، فهي النتيجة الحتمية. إذ إن هؤلاء لن يفلحوا لا في الدنيا (حيث أغرقهم الله) ولا في الآخرة، فهم خاسرون. وهم في هذه الدنيا ملعونون، ويوم القيامة هم من المقبوحين.
ولم ينته نموذج فرعون؛ فمعه فراعنة، قلدوه في طغيانهم ومكرهم وتفننهم في إغواء الناس وصدهم عن سبيل الله، فهم بحق يدعون إلى النار. ولئن كان نموذج فرعون في طغيان الحكم كما بينت، وصار رمزا لكل طاغية، حتى أن نبينا صلى الله عليه وسلم وصف أبا جهل بأنه فرعون هذه الأمة، فإن هناك مساحات شاسعة للتفنن في تضليل الناس وتعبيدهم لغير الله، جاءت بوسائل أكثر سلمية، يتقبلها الناس وينقادون إليها من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وما أكثرها!
"أئمة يدعون إلى النار"، و"دعاة على أبواب جهنم"، هي أمور تجعلنا ننتبه ونحذر ونتفحص، فلا يكن أحدنا إمّعة مجرد مقلد للناس وأهوائهم، وتغيب عنه معالم الإيمان وأركانه، فقد لبّس هؤلاء على كثيرين دينهم، وضاعوا في مساحات كثيرة من الإثم نتيجة الجهل والتقليد والتعصب.
الفهم مهم، والرجوع إلى مصدري الإسلام (الكتاب والسُنّة) لا بد منه. ولقد تكفل الله تعالى بأن من يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم. وبيّن صلى الله عليه وسلم أن من تمسك بالأصلين لن يضل أبدا. وفي المقابل، بين عز وجل في كتابه وسائل طوائف من أهل الكتاب وغيرهم في الإغواء والرد عن دين الله، حسدا من عند أنفسهم، وحبا في إضلال أتباع هذه الأمة.
لا أظن زمانا ضل فيه الناس وتشتتوا هو أشد من زماننا؛ إذ وقع ما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه، أن يؤمر بالمنكر وينهى عن المعروف، وهو وصف للمنافقين كما في القرآن. ولكن أن يصبح أمرا عاديا، فهذا أمر ما وصلنا إليه إلا بهذا البعد عن الجادة من جهة، وبوسائل الإغواء التي يدعو أهلها من خلالها إلى النار.
في مقابل ذلك، فمن الضروري أن نثق بالله تعالى وبالمنهج وبأنفسنا. والله تعالى ضمن لمن جاهد فيه أن يهديه سبله: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت، الآية 69)؛ ولمن تمسك بالقرآن أن يهديه إلى الصراط المستقيم: "فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الزخرف، الآية 43)؛ ولمن توكل على الله فهو حسبه: "... وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ..." (الطلاق، الآية 3). وهي كلها مشعرة بعظمة الله وقدرته وأحقيته بأن يُعبد ويستعان به.
هي الدنيا دار الابتلاء، وصراع الحق والباطل والمدافعة بينهما. والذي ينبغي أن يسيطر على أهل الحق في مشاعرهم والتفافهم مع حقهم هو المصير إياه: أن ينجيهم الله سبحانه، ويهلك عدوهم. ولكن لا بد من عمل مدعوم بأمل، وأن نعد للأمور عدتها؛ فالأمة المتطلعة إلى العزة والمجد لا يمكن أن تكون كسولة متواكلة.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.