
ليس ما نتحدث به عن العنف هنا، يكون عن العنف من حيث هو بحد ذاته و مكوناته و اسباب اللجؤ اليه، ولا جماعات العنف المنتشرة وتشكيلاتهم و افكارهم او الاسباب الكامنة وراء وجودهم، و كذلك ليس العنف و استعمالاته مع العدو الخارجي المعتدي الذي يغتصب الارض ويحتل البلاد، ما نقصده هنا هو امران : العنف باعتباره وسيلة في حسم الخلافات داخل المجتمع الواحد او الاسلامي واللجؤ اليه في النزاعات التي تاخذ طابعا تنافسيا سياسيا او صراعا فكريا، كما عدم استعماله كسبيل للوصول الى الغايات السياسية او الدينية او المجتمعية.. إن هذا الاساس في العمل الدعوي المجتمعي و السياسي هو أحد ألأسس الفكرية للوسطية والإعتدل في المنهج الإسلامي، و في تفاصيله يمثل إحدى قضايا التحديث الذي ينبغي للفكر الإسلامي ان يغوض فيه، خاصة في ضؤ التصاعد الملحوظ في وتيرة الغلو في الفهم والعنف في الممارسة على الساحة الدينية ..
بمعنى، الالتزام بالوسائل المدنية او السلمية التي لاتسفك دما، ولا تخلق فوضى داخل المجتمع، الوسائل التي تتوافق عليها الامة و تجمع عليها على انها مدنية قانونية و شرعية، تعطي الحق للجميع بممارسة ما يحملونه من افكار، في تنافس مدني توظف الوسائل القانونية و الدستورية في مجتمع حرّ، او حتى ان كان النظام غير ديمقراطيا، التيار المعتدل في الفكر الاسلامي، يحضر استعمال العنف والقوة المسلحة اولا في تحقيق الغايات ، وثانيا في حسم الصراعات، فالحياة الحديثة قد اسست لنوع من التنافس، منسجمة مع المنهج النبوي، وسائله تتشكل من رفع الصوت عاليا ازاء المنكرات، و الكتابة و الندوات و التظاهرات المسيرة التي تحافظ على امن البلاد، حتى العصيان المدني لاجبار الطرف الحاكم لتلبية المطالب وتجسيد الحقوق،و كذلك لتحقيق المقاصد، و ما يعبر عنه بالوسائل الدمقراطية للوصل الى السلطة و تداولها، ففي رؤية الفكر الاسلامي المعاصر، كل ما عدا تلكم الاسباب تنافي و روح الدين الاسلامي في ادارة الصراعات المجتمعية ..
لو نظرنا الى سيرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، لنرى انه قد ميز بين نوعين من النظال في حياته المكية كانت او المدينة بعد تاسيس السطة...
تصرفاته و سياساتة داخل المجتمع الاسلامي لم تتغير كإطار منهجي، لا في الفترة المكية وهو و اصحابه مستضعفون في الأرض بالموازين البشرية، ولا في المدينة بعد التمكين، النهج الذي حكّم في كلا الطورين مع افراد المجتمع الاسلامي أو الجاهلي، هو عدم اللجؤ الى العنف، لا في دعوته ولا في صراعه المرير مع ملأ قريش، كل ماكان ينادي به وهو في مكة ( خلوا بيني وبين الناس)، حرية الدعوة و الكلمة، حرية التجمع، حرية القول و التعبير لإسماع الناس الدعوة، لم يرفع سيفا، ولم يفجر مجلسا، ولم يجبر احدا، فكان الاقناع هو السبيل الى الايمان، والحوار او الجدال بالتي هي احسن كان السبيل مع كل من وقف بوجهه معتديا ظالماً..حتى عندما كان الصحابة منهم من اولي بأس، و منهم من طاللب الرسول بالرّد، الدفاع عن النفس لما يلاقونه من ظلم كافر، لكنه – صلى الله عليه وسلم- كان يرفض استعمال العنف مع المخالفين، المخالفون من غير المؤمنيين، او المخالفون من السادة والكبراء، من الذين يشكلون عقبة حقيقية في وجه الدعوة او اللذين لا يتورعون عن ممارسة المنكر بحق المجموعة المسلمة..
وفي المدينة كذالك، كانت الطريقة نفسها مع افراد المجتمع، لم تتغير، الجميع يعلم انه كان ممكناً، فمو الرئيس و خلفه جيش و تحته ارض، هو كان الحاكم، وكان القاضي، و كان النبي، لو اراد لصفى جسديا كل من رغب بموته، ولو اردا لهجر اولئك الذين كيدوا له في دولته ونفاهم، كان من بينهم المنافق، و المشرك، والكافر، لكنه- صلى الله عليه وسلم-، لم يلجأ الى العنف و لم يهدد به، بل صالح، وناصح،و جامل، و دارى... حتى في الوقت الذي جاهر راس النفاق – إبن سلول- و هو يعلم انه منافق بانه ( لو رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الأذل) ثم استاذنه ابنه وهو كان مسلما ان يقتل ابيه ان كان في نية الرسول القائد الرئيس قتله، نفى عليه الصلاة والسلام نية القتل، وقال اتريدون ان يقول الناس (ان محمدا يقتل اصحابه)؟،
وكذلك مع المخالفين في الرأي فاصل عرق الخوارج في التاريخ الاسلامي، عندما قال للنبي – عليه الصلاة والسلام- وهو يقسم الغنائم، هذه قسمة ما اريد بها وجه الله تعالى، واتهم الرسول نافياً عنه صفة العدالة، لم يفعل الرسول شيئا له سوى تصحيح فهمه الخاطيء عن من ينزل عليه الوحي من السماء ( ويحك من يعدل ان لم اعدل)؟..
وفقا لمنهج النبوة هذا، فان القضية حاسمة بان اللجؤ الى العنف كوسيلة لتحقيق الغايات وحل المسائل الخلافية عبره غير وارد، و هو مبدأ ستراتيجي وليس تكتيكا مرحليا ولا خيار المضطرّ، و كذك كان منهج الانبياء من قبل، (كان الخيار السلمي اللاعنفي في التغيير و القائم على اقناع الناس، هو المنهج الاساسي الذي يتبناه جميع رسل الله و انبيائه عليهم السلام) ..
وممكن الاستئناس هنا بما يسميه جودت سعيد بمذهب ابن ادم الاول، عندما قتل احد ابناء ادم- عليه السلام- الاخر(لئن مددت يدك الي لتقتلني ما ان بباسط يدي اليك لاقتلك) البقرة: ،(فهو نظرية دقيقة في إدارة الصراع بين ألإخوة في اوقات محددة )..
هذا المنهج و تبنيه، بالاضافة الى انه منهج رسالي، يكمن عدة اسباب ايضا عملية، خلف اختياره، فهو يدل:-
اولا: ان محاولات الرسول عليه الصلاة ولسلام في مكدة والمدينة، على رد كل محاولات الاشتباك العنفي مع الاخرين، بان الاستقرار مقصد نبوي، وإن الاصلاح يأتي دائما مع الاستقرار و في إطار الاستقرار، ويوحي ايضا الى ان الدين الاسلامي غالبا ما يأخذ حقه من الفهم و الانتشار في المجتمعات المستقرة و الحرّة، لما يؤسس له من اعتماد على العقل و الاقناع، بدل الجبر و الاكراه..
ثانيا: إن الصلح مع الاخرين والتواصل معهم، وعدم قطع الحبال معهم، هو غاية تساعد على ان ياخذ الاسلام حقه من الاستماع، الصلح و المصالحة الانسانية المجتمعية، ورفض العزلة و الهروب من مخالطة الناس، العنف مع الاخرن، لايساعد على جو كهذا..
ثالثا: ان اللجؤ الى العنف في الصراعات الداخلية او كطريق لتحقيق الغايات على الارض، دائما اوغالبا، ينتج تشوها في طرح الافكار، بمعنى ان ما يستجد من مواجهات و خلط الاوراق يتسبب في عدم وضوح الرؤية لدى الجماهير لفهم الدين وتصوره، حيث يختلط الحق بالباطل ، و تشكل الدماء المسفوكة غشاء على الابصار فلا تقدر على ان ترى الحقيقة كما هي، وهذا ينتج ايضا تصورات مغلوطة عن الدين من لدن المجتمعات الاخرى، و واضح الان نتيجة ما تمارسه مجموعات العنف في ادارتهم المتوحشة للامور على جمال الدين، و كيف يعطون المبررات ويخلقون الحجج هدية الى المغرضين ليوغلوا في معاداة الاسلام، حتى المجتمعات التي فرضت عليها العنف وردت بالمثل على الداخل، لم يربح شيئا سوى اعطاء صورة صعبة لانفسهم عند الاخرين من المنحازين او المحايدين..فهنا الحقيقة تُظلم..
رابعا: النتيجة الرابعة لإستعمال العنف، هي، اعطاء المبرر بيد الانظمة التي ترى الحرية بعين واحدة على التوغل في ضرب المناوئين، و عدم التردد بالرد على العنف بأضعاف مضاعفة وليس بقدر مماثل..فهي الدولة واجهزتها العسكرية، و كذلك لاتخاذ اجراءات غير مناسبة و لا محبذة منافية للحرية و الحقوق بحجة محاربة الارهاب او المحافظة على امن و اسنقرار البلاد، ولا تتحسس من سفك الدماء مهما كثرت، وتعلن حالة الطواريء او حل مؤسسات أهلية بحجة تجفيف المنابع، او الغاء الحياة المدنية و الانتخابات او منع الصحف و وسائل الاعلام من العمل، والعنف المستعمل بحقها لايردها عن ذلك، و قد ثبت ان الكثير من الانظمة تحاول استفزاز المعارضة و ممارسة المزيد من الضغوط عليها كي تخرجها عن طورها، وتدفع بها نحو المهالك، لتتكيء بعد ذلك على ردود فعلها، فتخلط الاوراق و تحرق الاخضر واليابس باطلا..
هذا العنف الممنوع استخدامه في الصراعات المجتمعية، يشمل العنف الفردي ايضا، من قتل و اغتيال او خطف للاشخاص و الطائرات، او تفجير للمنشآت، او استهداف الاجانب الذين دخلوا البلاد زائرين او سياحاً بعقد امان من الدولة..
في الوقت ذاته فان المنهج الاسلامي المعتدل كما رفض الغلو في الاسباب، فقد رفض بالمقابل التفريط في الاسباب، اذا كانت وسطية الاسلام ترفض التطرف في استعمال الوسائل لتحقيق الاهداف، فترفض بوسطيته التفريط في الحقوق ايضا، حق الغير و حق الاصلاح، حق المشاركة في البناء، حق الحرية، حق حرية الفكر واختيار المعتقد والبلاغ والبيان..فبين رفض العنف و التفريط في الحقوق، البعض بذريعة الإفساد وحرمة الخروج المسلح جعلوا من الدين مطية، مطية لكل من تغلب أو بالغ في التنكيل بالمعارضين، أو من تولى واصبح ذي سلطان، بحيث في كثير من المشاهد تحول الدين الى اداة بيد الحاكم يجلد به كل من رفع بالحق صوتا، أو نوى ان يرفع بالحق صوتاً، كأن الذلة و الخفوت في الحديث هو من اوامر الإسلام لأتباعه، وهو منهج باطل، ورؤية مبتسرة للنصوص التي جاءت في هذا المظمار، إن صح أن يكون نصاً، فبين هذا وذاك، خط الاسلام طريقا وسطا بين التطرفين، تطرف باتجاه الغلو، و تطرف معاكس باتجاه التقصير..
يقول الله تعالى في سورة آل عمران :( كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر وتؤمنون بالله و لو آمن اهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤنون و اكثرهم الفاسقون}، فقد وصف الله في تلك الاية الأمة بالخيرية، وفي الاية السابقة ذكرها انه جعلها وسطا، فامة الخير او خير امة هي الامة الوسط، و من موجبات و مستلزمات و شروط هذه الخيرية هي : الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، الامر بالمعروف هو الصدع بالحق و تسوية الاخطاء وتعديلها، والنهي عن المنكر هو رد المظالم في الغالب منه، (فعلم ان خيرية هذه الأمة وفضلاه على غيرها تكون بهذه ألأمور: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الايمان بالله) ، (واعلم ان هذا الكلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصلحتهم...فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقيبة هذا الحكم هذه الطاعات.....فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات) ، و( ماكانت به خير امة لا يحفظ ولايدوم الا باقامة هذه الاصول الثلاثة، ولهذا اشترط على هذه الامة ان يكون من غرضها الدفاع عن نفسها و حفظ وجودها...لولا ذلك لاتكون مستحقة البقاء في الأرض) ...
ورسول الله – عليه الصلاة والسلام – قد اكد في العيدي من الاخحاديق وجوب ردع الحكام المعتدين، ولما سئل اي الجهاد افضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر) ..( إنّ الناس اذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك ان يعمهم الله بعقاب منه) ..
إذن لاسكوت عن الجهر بالحق ولا عنف في الوصول الى الحق .. بل لابد من الأخذ بالوسائل المدنية القانونية التي تحفظ البلاد و تحافظ على العباد، بالتعبير عبر الكتابة و الخطابة، والاحتجاج الفردي والجماعي، والعصيان المدني، او المسيرات و التظاهرات، و تكوين التجمعات التي توظف الوسائل المتاحة في المجتمع الحر، لإبداء الغضب و الاستنكار وردع الحكام المعتدين على اموال واعراض الامة، في القرآن الكريم، يقول الله تعالى ( لايحب الله الجهر بالسؤ من القول الا من ظلم)، فالجهر بالقول السيء من المنهيات عنه في الاسلام، الا المظلوم، يحق له ان لم يكن من واجبه ان يجهر بالسيء من القول في التعبير في حق الظالم وشرحا لما له من حقوق مغصوبة وان يكون ذلك امام الملأ من الناس، وليس عند الافراد، او سرّاً عند الحاكم نفسه، وهذه الآية دليل على صوابية الاحتجاجات السلمية من الوجهة الشرعية، وليس بالعنف وسفك الدماء ( فليس مما يليق بالرحم والمواطنة على اي حال ومن اي احد، إقتران جرائم القتل أو الذبح أو التعذيب أو التفجير والتدمير والتخريب لتحقيق أهداف أو مكاسب سياسية من أي لون، فليس ذلك من السمات التي يسعى الاسلام الى قبولها في بناء المجتمع الأسلام...لابد من الالتظام بالجماعة وضبط النفس والجؤ الى الوسائل المدنية والسياسية في مواجهة الظلم والانحرافات وذلك بالتعبير والاحتجاج وبالمقاومة المدنية وبرفض الاذعان للمعاصي و المظالم التي قد يأمر بها السلطان)
تجربة جماعات العنف
وللتدليل على ان نهج العنف قاصر، وغير قادر على بلوغ الاهداف كما هي، وانه لن يخلف سوى الخربا و الدما في المجتمع، لابد من العودة الى العنف و استعمالااته في التاريخ داخل الدائرة الاسلامية او خارجها، فلم يثبت ان وصل التيارات التي استعملت العنف في الحياة السياسية الى مقاصدهم الا مرتين او ثلاث في التاريخ وكان ذلك خارج الاطار الإسلامي الذي يبيح لنفسه الوسائل كلها الانسانية منها و غير الانسانية، احدى هذه المرات كانت في كوبا عبر فيديل كاسترو، زعيم الثورة الاشتراكية الكوبية، ولما حاول جيفارا صديقه تقليده في اماكان اخرى لم ينجح، واصيب بنكسة وانهزام..
وفي الدائرة الاسلامية، فان جماعات العنف في مصر تمثل خير درس في هذا المسار، بان الطريق هو السلاح والقتال و الدخول في حرب مع الدولة واحيانا مع الطوائف الاخرى، بل و تصفية كل من يقف بالضد من هذا الخيار العنفي..
1- مجموعة صالح سرية ،او مايسمى بكلية الفنية العسكرية، التي جندت عددا من الضباط في الجيش وكانوا في الكلية العسكرية، منهجها كان قائما على التغيير بالقوة واستهداف الحاكم بالسلاح، لكنها فشلت في تحقيق هدفها وهو السيطرة على الكلية الفنية العسكرية والانطلاق منها..
2- وصل الامر عند شكري مصطفى ،ليس لتوجيه البنادق الى الحاكم فقط بل الى كل من يناوئه او يحاججه في افكاره، حتى لو ان من انصاره او من القريبين منه، وكان يتبع سياسة التعنيف والزجر بالضرب والقتل ان تطلب الامر لتصفية المعارضين لآرائه، ممن اصابتهم شرارة عنفه وتم اختطافه الشيخ محمد الذهبي في يوليو عام 1977، وزير الاوقاف و من شيوخ الازهر، و صاحب كتاب التفسير والمفسرون الشهير، تمت تصفيته جسديا بعد اربعة ايام من اختطافه ووجد جثته داخل شقة مفروسة بالقاهرة، الشيخ الذهبي كان ممن يتصدون لفكر تكفير المجتمع و كان له وقع على شكري مصطفى لانه هو واتباعه لم يكونوا يمتلكون العلم الكافي لاعتناق افكار خطيرة تحتاج الى مستوى متقدم من الفكر والعلم، فقرر شكري التخلص منه ليوصل الرسالة الى غيره، لكن نهايته كانت تنتظره بعد مقتل الشيخ الذهبي..
3- تطورت القضية، وخرجت الى دائرة الحرب الطائفية، الشباب الفقراء في العلم، والمتربين على فكر الغلو ورفض الاخر و وجوب تغيير الانظمة الحاكمة بقوة السلاح، تطاولوا على املاك المسيحين، يقول صاحب كتاب ( الجماعات الاسلامية، رؤية من الداخل )، منعوا الطلاب المسيحيين من تعليق الصلبان على ابواب غرفهم في المدينة الجامعية، وكسروا محلات بيع الخمور في أسوان..
لكن بعد كل هذه الدماء التي سالت بغير وجه حق، وضياع ربيع عمر الالاف من الشباب داخل الزنازين، وألأضرار البالغة التي أصيبت بها اقتصاد البلد في عنف اعمى، توصلت قيادة الجماعة إلى أن (أي عمل، ينبغي ان تحكمه المصلحة الشرعية سواء في إنشائه ابتداء او توجيهه اذا انحرف، بمعنى: انه ينبغي لمن يتخذ قرارا بعمل شيء ان ترجحت لديه مصلحته على مفسدته، فإن تبين له سواء قبل إنشائه او بعد الشروع فيه ترجيح المفسدة بل غياب المصلحة بالكليةـ فينبغي ان يمتنع على الفور.
ولا شك انه قد تحقق بعد هذه التجربة الطويلة ان هذه الدماء المهدرة وهذه المعارك الطاحنة لم تجلب مصلحة تذكر..بل ترتبت عليها عشرات المفاسد التي ينبغي لها ان تدرأ.
فالدماء المسالة والنفوس المزهقة من ابناء دين واحد فضلا عن الثارات والاحقاد التي ملأت النفوس، هذه المعتقلات التي تعج بالشباب كل ذلك مفسدة عظيمة بل مفاسد ولاشك ينبغي ان تكون لنا وقفة لوضح حد لهاو دفع ما جلبته من مفاسد خاصة وانه لم يتحقق من وراء ذلك أي مصلحة، فكيف والمصلحة غير موجودة اصلاً؟) ...
بعد اليقين على ان الهدف لاينبغي ان يكون العنف سبيلا له، كان طرح مبادرة وقف العنف من طرف واحد في مايو عام 1997 ومن داخل السجون..وكان الإقرار بان العمل السلمي الاهلي المجتمعي هو الطريق الصحيح في التدافع و المنافسة داخل المجتمع الواحد ..
أثبتت التجربة ومنطق العلم الشرعي الديني المتوازن، على ان العنف ليس هو الطريق الى تحقيق المقاصد، وانما العمل من داخل المجتمع ومن خلال الاطر القانونية، عبر تسخير الوسائل المدنية المتاحة..
فقالوا بعدم جواز قتل السياح، سواء من الذين هم من الدول الاسلامية او الغربية،لأن كثيرا من هؤلاء نساء وصبيان والمنع في قتل هؤلاء صريح في سنة رسول الله_ صلى الله عليه وسلم-، وقد يكون بعض منهم جاء لرؤية والاستمتاع بجمال مصر والتعرف على ثقافتها و تاريخها، كما ان من السياح من جاء الى الازهر، من جانب آخر فان انزال العقوبة بالجواسيس وناشري الفساد لوكانوا موجودين داخل السياح، من اختصاص الدولة وبحاجة الى سطوة السلطان وليس من اختصاص الافراد كما كانوا يعفلون من قبل، أقرت جماعات العنف ايضا على ان السياح دخلوا البلاد بامان مشروع يوجب على كل مسلم ان يحفظه ويحمي صاحبه فالامان عقد السلامة من الاذى، بمعنى ان به حفظ نفس ومال وعرض المستأمن وطمأنينته من كل عادية.. ..
ومن لم يتوقف ولم يلتزم بهذه المراجعات، فيجب تبيان الحقيقة له والدخول معه في حوار و اقناعه بالنصوص الشرعية والرؤية الواقعية القائمة على التجربة الطويلة، ولو أصر ينبغي التصدي له في عمله، ينبغي ان يمنع بكل السبل من هدم المعبد على رؤس اصحابه والعودة الى دائرة العنف، فهو تفريط في حق نفسه واخوانه ومجتمعه ودينه، ومن يصر لابد من التبرؤ من اعماله ، والحكم على اعتداءاتهم بانها قتال فتنة في الدين ومانعا لتعبيد الناس لربهم وصادا للناس عن دعوة الحق ومخوفا للشباب من ثمرة دعوة نقية ..
التجارب هذه دليل مثبت عبر الممارسة العملية بان الدين الاسلامي لايثمر الا في اجواء من الاستقرار المجتمعي، وان الاعتداءات التي ترتكب تنافي روح الشرع، وان الهدؤ والتماس السبل الاهلية السلمية هي الاكثر نجاعة في الوصول الى الغايات المشروعة، على عكس ما يمارسه اهل التطرف، بل ان الوسائل المدنية السلمية هي التي تتفق و تتناغم مع روح الدعوة الاسلامية قال الله تعالى في آيات القرآن إنها دعوة الحق والخير والعدل والانصاف، هي دعوة الوسطية والاعتدال لأمة الخير، ألأمة الوسط..
في العمل ألإسلامي يوجد مستوى آخر من العنف، وهو العنف الذي ينافي الحكمة في الخطاب والاتصال الدعوي، فاذا كان العنف هو ضد الحكمة ووضع كل شيء في مكانه الصحيح، وهو مرادف للمشقة العنت ويذهب الخير، فهو ينافي الرفق الذي امر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع الناس، كثيرون يرون الغلظة و الشدة في التعامل نوعا من الاخلاص لله بجهلهم، فيشتدون على المدعوّين، ويرون حملهم على ما يريدون من العبادات او حتى الدخول في الدين بالاكراه النفسي والمعنوي، او استعمال العنف الجسدي اذا كان من اهل البيت او العائلة الواحدة، هذا مما يتناقض وروح الاعتدال والحكمة والدعوة الى الله بالحسنى الوارد في قوله تعالى ( ادعو الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي احسن) وهي تشمل كل وسيلة حكيمة وهادئة توصل الفكرة الى الطرف المقابل من المسلمين او اهل الديانات السماوية او البشرية الأخرى ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)..
ابحث
التعليقات
مقالة رائعة
مقالة رائعة
أضف تعليقاً