
أ. د. محمد خازر المجالي
هكذا هو إسلامنا العظيم في شؤونه كلها؛ شمول لفروع الحياة، وتوازن بين متطلبات الإنسان والمجتمع والدول، وواقعية تتعامل مع أعماق الإنسان والأفراد والمجتمعات، وعالمية للناس كافة، وإنسانية المشاعر والغايات، ومرونة فائقة تسمح بالاجتهاد ودور العقل وفتح آفاق من المصالح التي بنيت الشريعة عليها، فهي لجلب المصالح ودفع المضار، وهي خير كلها.
الإسلام يدعو إلى التعددية مع احترام الخلاف. وشاء سبحانه لكتابه الكريم أن يُقرَأ على أكثر من وجه فيما هو معلوم من القراءات والروايات. والنبي نفسه صلى الله عليه وسلم، أقرّ الصحابة الكرام على مشروعية الاختلاف ما دام اختلاف تنوّع وإثراء، لا اختلاف تضاد وتناحر. فالأول، ممدوح مطلوب يعزز بحبوحة هذا التشريع وهذا الدين عموما؛ بينما الآخر مذموم مرفوض، إذ يقسم الأمة ويشتتها ويضعفها، خاصة إن وُجد التعصب والانغلاق، وهما آفتان يقلبان حتى الاختلاف الممدوح إلى مصائب، أهمها فرقة المسلمين.
جعل الله اختلاف الناس وألوانهم وألسنتهم آيات دالة على قدرته. بل الكون من حولنا بُني على هذه التعددية والاختلاف؛ جبال ونباتات ومذاقات ومخلوقات. والإسلام يؤسس هذا المبدأ ليكون قاعدة انطلاق في هذه الحياة، بأفق واسع وصدر رحب، وإلا فلا يستطيع الداعي أن يوجه كلامه لمستمعيه، ولا الخطيب للمصلين، ولا الأب لأولاده، ولا الزميل لزملائه، فالميول مختلفة، والأولويات غير الرئيسة متشعبة، وحمل الناس على رأي واحد أمر صعب، بل الأفضل وجود آراء متفقة في غايتها النهائية، ولو اختلفت في جزئياتها، ما دام ذلك منطقيا ومتفقا مع قواعد الدين.
تحدث خليفة المسلمين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله فقال: "لا يعجبني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لكان رأيا واحدا، ولشق ذلك على الناس". ونعلم مقولة العلماء بأن الاختلاف (المحمود) رحمة، يتيح للمسلم آراء ومجالات من التطبيق غير منحصرة في فهم واحد.
عجبت يوما من خبر مفاده السعي إلى جمع الأردنيين على مذهب فقهي واحد، هو مذهب الشافعي. فقلت وأعلنت أن هذا عبث، فالعالم يتجه نحو التعددية والانفتاح وبحبوحة الفكر، ونحن نتوجه نحو الانغلاق الذي سيقود حتما إلى التعصب وضيق الأفق؛ كيف يكون هذا وقوانيننا الشرعية في غالبها وفق مذهب أبي حنيفة؟ كيف وبعض أهل الأردن يتبعون مذاهب أخرى؟ كيف ونحن نعلّم طلبتنا هذه البحبوحة بانتقاء الرأي الأصح بين هذه المذاهب الأربعة وغيرها؟ ثم، هل هذا هو الذي ينقص أمتنا، وبه تتم عزتها ونجاتها؟!
وعجبت أيضا ممن يريد محاربة تيارات فكرية وجماعات هي حقيقة واقعة موجودة، شئنا أم أبينا؛ من سلفية وإخوان وتبليغ وصوفية وغيرها، وبعض الناس تبع لهذه الجماعات. فالمطلوب هو التوجيه لا التهميش، والاستيعاب لا الاستعداء، والترشيد لا التشريد. وربما تقود محاربتها إلى تعصب وميلاد فروع تؤكد وتؤسس للكراهية وحب الانتقام، وبالتالي ما لا تحمد عقباه.
صحيح أننا لا نقر البدع بمفهومها الصحيح، ولا نقبل التعصب والانغلاق، وبالتالي لا نقبل أي طريق تقود لازدراء المسلم بل الإنسان، وبالتالي تكفيره وربما قتله. هكذا تنشأ هذه الأفكار حين يكون استعداء الآخرين والتعصب، حين يشعر أحدنا أنه على حق وغيره على باطل، وأنه هو المسلم وغيره غير مسلمين أو أنهم ناقصون. وما أجملها من مقولة تلك بأن "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب"؛ نريدها منهج حياة لا مجرد شعار، فالتنظير شيء، والتطبيق شيء آخر.
أذكر في أحد مواسم الحج، وكنت ضيفا على رابطة العالم الإسلامي، أن حضرت مجموعة من العلماء من ألوان وأطياف متنوعة. ومما تحدثوا عنه، بحبوحة الفتوى عموما، وعلى وجه الخصوص جواز رمي الجمرات قبل الزوال بسبب الازدحام. وذكر العلماء الحاضرون أدلة وأصولا يفرح أحدنا لسماعها. والعجيب أن بعض هؤلاء بمجرد أن استُفتي وحده من قبل بعض العوام عاد ليفتيه بأنه لا يجوز الرمي قبل الزوال. وكنت وأستاذي الدكتور أحمد نوفل في واقعة من هذه وسألنا الأشخاص من أخبركم بهذه الفتوى؟ فقالوا: فلان، وهو معنا في تلك الدروس والحوارات، فعجبنا كيف نتحدث ببحبوحة ورضا مع الناس، ثم نعود لما تعودنا وتعصبنا عليه فنفتي به ونضيّق على الناس، بينما في الدين بحبوحة وسعة ترفع الحرج وتريح الناس!
على العلماء والدعاة والجامعات والمعاهد، تأكيد هذا المبدأ في ديننا؛ فلا بد من احترام الرأي الآخر، وأن يكون هذا منهج حياة. حتى الوالدان في البيت أمامهما نماذج مختلفة من الاهتمامات والميول والأمزجة والطباع، فما يصلح لهذا الابن لا يصلح لغيره، وهكذا. وإن كان هذا في نطاق البيت والأسرة، فكيف بالمجتمع، بل كيف بالمجتمعات والملل؟ ونحن نزعم أننا نريد نشر رسالة عالمية، ثم لا يطيق أحدنا سماع رأي آخر فضلا عن احترامه!
هذا الدين فيه بحبوحة وسعة وراحة عميقة. وحبيبنا صلى الله عليه وسلم يؤكد على أن نبشر ولا ننفر، وأن نيسّر ولا نعسّر، ويؤكد على أن لا نشدد على أنفسنا، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الدين يسر، ولن يشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، وسددوا وقاربوا..". فبعض الذين يشددون على أنفسهم سيقودهم تشددهم لا محالة إما إلا هلاك أنفسهم بتيئيسها وهلاكها، وإما بازدراء الآخرين والتكبر عليهم، وبالتالي كرههم وربما تكفيرهم، وهذا ما لا نريده.
أمتنا لا ينقصها عدد ولا مساجد ولا لحى ولا حجاب، إنما ينقصها وعي وفهم؛ ينقصها التزام وشعور بالمسؤولية؛ وينقصها ذلك الشعور بمعية الله تعالى، حين ننسى أننا مخلوقون لعبادته وحمل الأمانة التي نأت عن حملها السماوات والأرض والجبال، ومأمورون بعمارة الأرض، وأننا من بعد ميّتون ومبعوثون ومحاسبون أمام الله تعالى، فلم يخلقنا الله عبثا. ووفق تدارك هذا النقص ستتغير الحال، وتعود لنا الريادة والقيادة.
ابحث
أضف تعليقاً