كثيرة هي قصص النجاح والتفوق التي نعتز بها، ونريدها نبراسا لكثيرين يتوقون إلى المجد والتفوق والنجاح ولكن ظروفهم أو هممهم أو بيئاتهم أو إيمانهم بفكرتهم لا تؤدي بهم إلى مبتغاهم، وربما يكون التفكير الخاطئ بمفهوم القدر له دوره أيضا في يأس هؤلاء وتثبيط عزائمهم.
قصة النجاح هذه التي أكتب عنها باختصار هي لطالب أنهى الأسبوع الماضي دراسته لنيل درجة الدكتوراة، وحصل عليها في حقل تفسير القرآن الكريم، من قسم أصول الدين في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، يبلغ من العمر ثلاثا وأربعين سنة، كان آذن مدرسة في قرية، وراسبا في الثانوية، تعرض لبعض الظروف القاسية، وقاده فكره العاطفي الإسلامي إلى بعض التصرفات التي سببت سجنه، وهنا بدأ ذهنه يتفتح، وبدأت البصيرة ترى لا مجرد البصر، وفكر في نفسه ومستقبله، فصمم على أن ينهض بنفسه.
وبعيدا عن القضايا الخاصة المرتبطة بالشخص، فالأهم منها ما له علاقة بقصة النجاح لتكون وازعا ودافعا لكل واحد منا، ويهمني أكثر تجلية بعض المفاهيم الإيمانية التي ربما يساء فهمها، ويعلِّق أحدنا فشله عليها يأسا وحمقا.
بعض الناس لا يغير ما بنفسه أبدا بحجة أن هذا قدر الله، وعلينا التسليم لقضائه وقدره سبحانه، أو نقنع أنفسنا بأنه ابتلاء من الله، ولا بد من الصبر على البلاء، ويدخل أحيانا مفهوم الرضا، ونفهم خطأ أن من رضي بما قسمه الله له فهو أغنى الناس، وهكذا مفاهيم كثيرة ربما يفهمها بعض الناس سلبيا، فيبقى مكانه دون أي سعي للتطوير والتغيير.
هذا الذي يحتج بالقدر، وأن الله قد قدّر عليه هذا الحال من فقر أو مرض أو ظرف اجتماعي، هل اطلع على الغيب فعرف أن الله قدر هذا؟! ألا يعلم كل واحد منا أنه مطلوب مني أن أغالب القدر بالقدر، فأنا لا أعرف ما هو مقدَّر لي، فآخذ بأسباب العزة والصحة والعلم والتفوق، حتى لو فشلت مرة أخرى فهذا ليس علامة على تقدير الله، بل آخذ بالأسباب مرة أخرى وأحسن التوكل على الله تعالى، ولي شرف المحاولة، وأجر العمل ما دام مشروعا مباحا، وأحسن الظن بالله تعالى ولا أجزع أو أيأس.
وهذا الذي أنجز شيئا في حياته ورفض أن يطوِّر نفسه أبدا، ومرة أخرى بحجة أنه قدر الله، وأنه ينبغي أن أرضى بما قسم الله لي، فما يدريني أنه قدره تعالى؟ وهل الرضا بما قسم الله هو بهذه المنهجية وعدم تطوير الذات والبحث عن الأفضل؟
قصة صاحبنا سالم الجرادات أنه صمم على التغيير، فأعاد تقديم الثانوية ونجح، ثم صمم على نيل الشهادة الجامعية الأولى، وتم له ذلك رغم ضيق الحال وتكاليف الحياة والزواج، ثم صمم على نيل درجة الماجستير في تفسير القرآن، وكان له ذلك بعد رحلة من التعب والمشقة، وبقي له الهدف الأسمى، أن يكون دكتورا في التفسير وعلوم القرآن، وفي الجامعة الأعرق أردنيا، فجاء إلى الجامعة الأردنية، وبذل جهده، وتميز بشخصيته العلمية والبحثية والاجتماعية والدعوية، وكان له ما صمم عليه، حين أخذ بالأسباب، ونظم أموره وأولوياته، واستعان على ظروف الفقر والقهر وبعد مكان السكن والعمل عن مكان الدراسة، ولكنها الأيام تمضي، ولكل تعب لذة، ولكل خطوة في طلب العلم أجر عظيم، فطالب العلم تستغفر له الكائنات، ويكفيه رضى الله عنه.
وقد شرفت بالإشراف على سالم، وقضينا فترة زمنية كافية لإعداد أطروحته حول منهج القرآن في معالجة الفساد السياسي، وهو موضوع مهم من موضوعات القرآن الشاملة، فالقرآن تطرق لكل شيء من أمور الدين إما بالتفصيل أو التأصيل، ومنها الجانب السياسي، ولاقى هذا العنوان رغبة في ميول الطالب، ولكنها الدراسة الأكاديمية المحايدة البعيدة عن العواطف، التي قوتها في حيادها، فلا مجاملة ولا أحكام سابقة، بل البحث العلمي النزيه المحايد.
تمت المناقشة وحصل الطالب على شهادة الدكتوراة، وفرح الجميع، حتى أمه في قبرها كانت تدفعه للقمة والتحصيل والتميز والبصيرة والحكمة، حية وميتة، فهذه الحياة بحاجة إلى همة ومكابدة، بالأخذ بالأسباب، وفق منهج الله تعالى.
فرحنا جميعا بهذا الإنجاز العظيم، وهذا التغيير، وهذه الهمة التي ما عرفت لينا ولا تواضعا كاذبا أو رضى بالقدر سلبيا، فالتواضع مطلوب ولكن في مكانه وإلا كان مذلة ودونا ويدا سفلى، والإيمان بالقدر يدعونا إلى النهضة والعمل والتغيير، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
هي دعوة لكل منكوب أو مريض أو فقير أو مر بفشل دراسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو غير ذلك، أن لا نيأس أبدا، وأن نأخذ بالأسباب الصحيحة دونما ظلم أو بغي أو التفاف على الشرع وأحكامه، وسمعنا عن المخترعين الذين قدموا للبشرية الشيء الكثير الكثير، أن محاولاتهم استمرت وأثمرت، ولو أن أحدهم تراجع من بعد محاولة أو اثنتين لما كنا في هذا التقدم وهذه الحضارة، فلا بد دون الشهد من إبر النحل، ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، وفي جانب العلم بالذات تحضرني مقولة ابن عباس رضي الله عنهما: "ذَلَلْتُ طالِبا فَعَزَزْتُ مطلوبا"، فبعد الجهد والتعب وما يصاحبهما من حالات قد يذل الإنسان فيها نفسه طلبا للعلم، فبعدها يكرمه الله تعالى إن كان صادقا مخلصا، بأن يكون قبلة لطلبة العلم.
لا يحتج أحد بالقدر على وضعه السيئ لأنه لا يعلم ما في الغيب، ولا يقنع نفسه بالرضا إن كان بإمكانه أن يكون أفضل، فإن ماتت الهمة ضاعت الأمة، ويا لتلك العجوز الأمية ذات السبعين سنة كيف صممت على حفظ القرآن تلقينا فنالت مبتغاها بعد أربع سنين، ويا لتلك لطفلة ذات الست سنين كيف حفظت القرآن في مدة بسيطة، إنها الهمة لنبلغ القمة إن شاء الله.
ابحث
أضف تعليقاً