wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
النِيَّة الذكيَّة

عادل بن سعد الخوفي

 

حياة المرء انعكاسٌ لعاداته، وعاداته نتيجة حتميّة لتفكيره، فإن تغيّرت أنماط تفكيره للأفضل فسوف تتغير حياته بعون الله وإرادته، فإنَّ المؤمن يستطيع أن يجعل كلّ خطوة من خطواته وثانية من ثواني حياته ثواب وأجر فمدار العمل بين العادة الحَسَنة والعبادة المأجورة هي: "النِيَّة" يقول ۵: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرتهإلى ما هاجر إليه)([1])  

هذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين، وبه صَدَّرَ الإمام البخاري رحمه الله كتابه الصحيح وأقامه مقام الخُطبة مشيرًا إلى أن كلَّ عمل ليس فيه نِيَّة صالحة يراد بها وجه الله فهو باطل، وقال الإمام الشافعي رحمه اللهعن هذا الحديث أنه " ثلث العلم ويدخل في سبعين بابا من الفقه" وقال الإمام أحمد رحمه الله: "أصل الإسلام على ثلاثة أحاديث حديث عمر الأعمال بالنيات وحديث عائشة من أحدث في أمرنا هذا وحديث النعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين".

والنّيّة كما عرفها القرافي رحمه الله بمعناها العامّ: " قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله "([2]) وقد يقال: هي: " قصد الطّاعة والتّقرّبُ إلى الله تعالى في إيجاد الفعل أو الكفِّ عنه "([3]).

ومن جمال ديننا الحنيف أن المرء يستطيع أن يُحوّل أعماله المباحة إلى عبادات يؤجر عليها تنفعه في دنياه وآخرته ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " المباح بالنية الحسنة يكون خيرا ، وبالنية السيئة يكون شرا ، ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة "([4]) قال النووي رحمه الله في تعليقه على حديث : (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في في امرأتك)([5]) ، قال : " إذا وضع اللقمة في فيها فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة ، ومع هذا فأخبر ۵  أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك ".([6])

إنَّ في شريعتنا الغراء مجال رحبٌ وخصيب في استثمار العادات الحسنة لترتقي بصاحبها في أعالي مراتب الرضا من الله ´ والتدرج في منازل الصالحين المحسنين؛ فعندما تقترن العادة الحسنة بنية صالحة خالصة فإنها تتحول مباشرة إلى عبادة تزيد من أجر صاحبها في الحسنات وتحط عن كاهله السيئات، ولهذا جاء عن معاذ بن جبل ¢: " إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي" ([7]) ، وأوصى الإمام أحمد رحمه الله ابنه عبدالله قائلاً : "يَا بُني انو الخَير فإِنك لا تزالُ بخير ما نَوَيْتَ الخَير" .

وأنا هنا أدعو نفسي وأدعو إخوتي وأخواتي لتكون معاملاتنا في مجريات حياتنا اليومية مع أزواجنا وأولادنا، بل والمجتمع من حولنا، لتكون "عادات حسنة" وقد تحوَّلت إلى عبادات نؤجر عليها، فنكسب بها خير الدنيا بسعادتنا معهم، وخير الآخرة بحصوله على مرضات الله ´.

 

([1]) رواه البخاري في أول الصحيح برقم:"1"، وفي الإيمان باب ما جاء أنَّ الأعمال بالنيَّة والحسبة ولكلِّ امرئٍ ما نوى "54"، ورواه مسلم في الإمارة "1907"، من حديث عمر بن الخطَّاب ¢.
([2])  الذخيرة (1 / 240)
([3])  انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم "24"
([4])  مجموع الفتاوى (7/43).
([5]) أخرجه البخاري برقم: 1295
([6])  شرح النووي على مسلم (11/ 78).
([7]) أخرجه البخاري برقم : "4342".

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.