
إلى صنّاع الأفلام والأدباء كتّاب الرواية.
إلى أصحاب النّظريات التّربويّة والبنائيّة والسلوكيّة
إلى المستحضرين نماذج التّاريخ السالف ليكونوا نجومًا بها تهتدي الأجيال
إلى كلّ من أرادَ أن يرى عن قربٍ أطفالنا الذين صنعتهم المحنة وعجنتهم الخطوب
إليكم ما فعله "الطفل الكبير" علي أحمد راشد، في موقفٍ يكاد يكون إلى الخيال أقرب
كان علي ضمن ثلاثين عائلة تضم 165 فردًا هاربةً من سطوة داعش وبطشها، في أرضٍ. يجهلون شعابها ومسالكها، يقودهم دليلّ انتهازيّ تركهم في منتصف الطريق ولاذ هاربًا تاركًا عشرات النساء والأطفال على حافة حقل ألغام، فغدَوا بين نيران مستعرة، فالويل والموت إن فكّروا بالرجوع إلى قبضة داعش التي فرّوا منها، والموت أمامهم في حقلٍ. شاسعٍ. من الألغام مسافة المسير فيه 2 كم.
أعلن والد علي أنّه سيتقدّم مخاطرًا بنفسه مضحيٌا بحياته مستكشفًا الطريق، فأمسك عليٌ بتلابيبه باكيًا صارخًا: إن متّ أنت يا أبي فسوف أضيع أنا وأخوتي وأمّي، ويعلن هذا الطفل بلا تردّد: أنا من سيتقدّم يا أبي، فإن متّ أنا تحيا أنت وأمي وأخوتي ويحيا الناس هؤلاءجميعًا.
موقفٌ رهيبٌ يتبعه إقرار الجميع على أن يتقدّم علي، يودّع أباه وأمّه ويلتفت مسرعًا بيده عصا يخطّ بها على الأرض، يسيرُ عليّ بين الألغام يخطّ على الأرض خطّ السير الآمن، والجميع يترقّب، ولكم أن تتخيّلوا أمّه الباكية وهي تغمض عينيها حتّى لا ترى أشلاء طفلها تتطاير أمام عينيها، ثم تفتحهما حتى لا تغيب صورته عن بصرها، ولكم أن تتخيلوا حال قلب أبيه وأخوته، وحال 165 انسانًا مصيرهم معلّق بعصا يخطّ بها علي على الأرض متنقلًا بجسده الغضّ في حقل ألغامٍ في هذا العالم الذي لا يرحم.
ساعات مرّت وقد خشع فيها الكون كلّه لمشهدٍ رهيبٍ مهيب كنّا فيه نعيشُ حياتنا الطبيعيّة وننام ملء جفوننا بعيدًا عن هذا المشهد الملحمة.
عنايةُ الله اللّطيف الخبير كانت تلفٌ عليًٌا وهو يتنقٌل بين الألغام ليصل إلى نهاية حقل الألغام بأمان، وليخفق قلبه وتدمع عيونه كما قلوب وعيون كلٌ من كان معه، ولينادي عليهم: "تعالوا واحدًا واحدًا وسيروا على الخط الذي رسمته لكم بعصاي" ويسير القوم على هدي ذلكم الخطّ المتعرّج بإتقان. لينجوا جميعًا، وليكون اللقاء على الطرف الثاني من الحقل ولادةً جديدةً، وليكون عناق عليّ هناك عناقًا لا يمكن لكلّ عبارات البلاغة وصفه لو تظاهرت على ذلك.
هذا هو عليّ وهذي عصاه قبسٌ من عصا موسى عليه السلام التي ما تزال مآربها الأخرى مستمرّةً في مواجهة فراعنة الأرض.
بعليّ وأمثاله تحيا الأوطان وتنهض الأمم. وبه وأمثاله يتدفّق الأمل كبيرًا كبيرًا بأنّ عليٌا وأمثاله الذين داسوا على رهبة الموت لأجل أن يحيا غيرهم؛ سيدوسون عنق الطغيان ورقاب الطّغاة مهما اختلفت ألسنتهم وراياتاهم وعناوينهم، وسننتصر.
محمد خير موسى
ابحث
أضف تعليقاً